العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الفول الوراثي

جاء‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬معهد‭ ‬لأبحاث‭ ‬الأغذية‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأغذية‭ ‬تتسبب‭ ‬في‭ ‬إصابة‭ ‬البشر‭ ‬بالاكتئاب‭ ‬والضيق‭ ‬النفسي‭. ‬وقال‭ ‬التقرير‭ ‬إن‭ ‬الذرة‭ (‬بضم‭ ‬الذال‭) ‬من‭ ‬مسببات‭ ‬الاكتئاب‭. ‬والسودانيون‭ ‬يصنعون‭ ‬من‭ ‬الذرة‭ ‬خبزا‭ ‬يسمونه‭ ‬‮«‬الكِسرة‮»‬‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬فهم‭ ‬‮«‬سريعو‭ ‬الاشتعال‮»‬‭ ‬ويمشون‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬وكأنهم‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬قنبلة‭ ‬هيروشيما،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬تلقي‭ ‬على‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬التحية‭ ‬حتى‭ ‬يهش‭ ‬ويبش‭ ‬ويفتر‭ ‬ثغره‭ ‬عن‭ ‬أسنان‭ ‬إفريقية‭ ‬تفل‭ ‬الحديد‭. ‬من‭ ‬ملاحظاتي‭ ‬أن‭ ‬المصريين‭ ‬والسودانيين‭ ‬سريعو‭ ‬الانفعال،‭ ‬يضحكون‭ ‬بهستيرية‭ ‬ويتنرفزون‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب،‭ ‬وقد‭ ‬توصل‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬حلايب‭ ‬للبحوث‭ ‬الفسيو‭-‬فولو‭ ‬سايكولوجي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬استنتاج‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الفول‮»‬‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬الاضطرابات‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬أبناء‭ ‬السودان‭ ‬ومصر،‭ ‬وأكدت‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الاضطرابات‭ ‬أكثر‭ ‬شيوعاً‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬لأن‭ ‬المصريين‭ ‬يأكلون‭ ‬الفول‭ ‬‮«‬مدمساً‮»‬‭ ‬ويصنعون‭ ‬منه‭ ‬البصارة‭ ‬والطعمية‭ ‬التي‭ ‬يسميها‭ ‬عرب‭ ‬الخليج‭ ‬والشام‭ ‬الفلافل‭.‬

وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬تلك‭ ‬الدراسة‭ ‬صحة‭ ‬سوء‭ ‬ظني‭ ‬بالفول،‭ ‬فمنذ‭ ‬مرحلة‭ ‬الصبا،‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬قدرتي‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬تصبح‭ ‬ضعيفة‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬فسحة‭ ‬الفطور‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬الفول‭ ‬العنصر‭ ‬الوحيد،‭ ‬ولطالما‭ ‬أقام‭ ‬عليّ‭ ‬مدرس‭ ‬الحساب‭ ‬الحد،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أتلعثم‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بجدول‭ ‬الضرب‭ ‬بعد‭ ‬تناول‭ ‬الفول‭. ‬كان‭ ‬صاحبنا‭ ‬يقف‭ ‬فوق‭ ‬رأسي‭ ‬شاهراً‭ ‬عصاه‭ ‬وصائحاً‭: ‬خمسة‭ ‬في‭ ‬ستة،‭ ‬فأجيب‭ ‬عليه‭ ‬بصوت‭ ‬مرتعش‭ ‬‮«‬13‮»‬‭ ‬فينهال‭ ‬بالعصا‭ ‬على‭ ‬رأسي‭ ‬وظهري،‭ ‬ثم‭ ‬يعيد‭ ‬السؤال‭: ‬8‭ ‬في‭ ‬4‭ ‬فأتوكل‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬وأقول‭: ‬ثلاثة‭ ‬وعشرون،‭ ‬وكان‭ ‬المدرس‭ ‬المسكين‭ ‬يرمي‭ ‬العصا‭ ‬ويلعن‭ ‬حظه‭ ‬التعيس‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬مدرساً‭ ‬ثم‭ ‬يصيح‭: ‬حرام‭ ‬عليك‭ ‬يا‭ ‬ابن‭ ‬الـ‭ .. ‬والله‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬جدول‭ ‬ضرب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬عددان‭ ‬صحيحان‭ ‬يساوي‭ ‬حاصل‭ ‬ضربهما‭ ‬13‭ ‬أو‭ ‬23‭.‬

‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كبرت‭ ‬وتخلصت‭ ‬من‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬السخيف،‭ ‬لم‭ ‬أنجح‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬وتأثير‭ ‬‮«‬الفول‮»‬،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬قاطعت‭ ‬الفول‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬دارت‭ ‬الأيام‭ ‬وأصبح‭ ‬عندي‭ ‬‮«‬عيال‮»‬‭. ‬وكانت‭ ‬الكارثة‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬العيال‭ ‬يهيمون‭ ‬بحب‭ ‬الفول،‭ ‬ولا‭ ‬يتأففون‭ ‬من‭ ‬أكله‭ ‬يومياً،‭ ‬وهذا‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬فيروس‭ ‬الفول‭ ‬ينتقل‭ ‬بالوراثة،‭ ‬فأنا،‭ ‬والله‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أقول‭ ‬شهيد،‭ ‬لم‭ ‬أقصر‭ ‬في‭ ‬تزويد‭ ‬عيالي‭ ‬بأطعمة‭ ‬كنت‭ ‬أحسب‭ ‬في‭ ‬طفولتي‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الجنة‭ ‬التي‭ ‬وُعد‭ ‬بها‭ ‬المتقون‭. ‬وعندما‭ ‬كنا‭ ‬صغاراً‭ ‬كنا‭ ‬نحسب‭ ‬المكرونة‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬الأسماك،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬خاب‭ ‬ظني‭ ‬فيه‭ ‬مثل‭ ‬الفراولة،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أنها‭ ‬أشهى‭ ‬ثمار‭ ‬الأرض‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنها‭ ‬شيء‭ ‬مثل‭ ‬الخيار‭ ‬المغموس‭ ‬في‭ ‬الشاي‭ ‬الأسود‭. ‬المهم‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬وسُلف،‭ ‬لأوفر‭ ‬لعيالي‭ ‬أشهى‭ ‬الأطعمة،‭ ‬ولكن‭ ‬‮«‬العرق‭ ‬دساس‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬قصَّروا‭ ‬رقبتي‭ ‬وأصبحوا‭ ‬يأكلون‭ ‬الفول‭ ‬علناً،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬ينام‭ ‬وهو‭ ‬واقف،‭ ‬وعندما‭ ‬أتيت‭ ‬بهم‭ ‬للإقامة‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬قلت‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭. ‬أتينا‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬يأكل‭ ‬فيها‭ ‬الفول‭ ‬إلا‭ ‬الخيل‭. ‬ولكن‭ ‬العبد‭ ‬في‭ ‬التفكير،‭ ‬والرب‭ ‬في‭ ‬التدبير،‭ ‬فقد‭ ‬شاء‭ ‬حظي‭ ‬العاثر‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬اختياري‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬كوينز‭ ‬واي‭ ‬لإقامة‭ ‬أسرتي،‭ ‬وخلال‭ ‬أول‭ ‬جولة‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬إذا‭ ‬بلافتات‭ ‬المطاعم‭ ‬تمد‭ ‬لسانها‭ ‬لي،‭ ‬وقد‭ ‬كتب‭ ‬عليها‭ ‬بلغة‭ ‬عربية‭ ‬ركيكة‭ ‬إنها‭ ‬تبيع‭ ‬الفول‭ ‬والفلافل‭. ‬أظلمت‭ ‬الدنيا‭ ‬في‭ ‬وجهي‭ ‬بينما‭ ‬تهللت‭ ‬أسارير‭ ‬عيالي،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بالهجرة‭ ‬الفورية‭ ‬من‭ ‬‮«‬كوينز‭ ‬واي‮»‬،‭ ‬وبررت‭ ‬ذلك‭ ‬للعيال‭ ‬بأن‭ ‬المنطقة‭ ‬ستشهد‭ ‬حرباً‭ ‬أهلية،‭ ‬لأنه‭ ‬متنازع‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬والإنجليز،‭ ‬وهكذا‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬فينشلي‮»‬‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬لندن،‭ ‬وهي‭ ‬منطقة‭ ‬متاخمة‭ ‬للقطب‭ ‬المتجمد‭ ‬الشمالي،‭ ‬وكانت‭ ‬سعادتي‭ ‬غامرة‭ ‬عندما‭ ‬قمت‭ ‬بدراسة‭ ‬ميدانية‭ ‬لأسواق‭ ‬المنطقة‭ ‬وتأكدت‭ ‬من‭ ‬خلوها‭ ‬من‭ ‬الفول،‭ ‬ولكن‭ ‬سعادتي‭ ‬لم‭ ‬تدم‭ ‬طويلاً‭ ‬فقد‭ ‬وصلنا‭ ‬‮«‬طرد‮»‬‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬السودان‭. ‬نعم‭ .. ‬عليك‭ ‬نور‭.. ‬ما‭ ‬توقعته‭ ‬أيها‭ ‬القارئ،‭ ‬كان‭ ‬صحيحاً‭... ‬فالطرد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬شحنة‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬الفول‭ ‬بعث‭ ‬بها‭ ‬الأهل‭ ‬–سامحهم‭ ‬الله‭- ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬بيتي‭ ‬منتجاً‭ ‬للفول‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬مستورداً‭ ‬له‭. ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬عيالي‭ ‬مهددين‭ ‬بالتخلف‭ ‬العقلي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا