العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٤ - الاثنين ١٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

مزيكا ومزازيكا

سبق‭ ‬أن‭ ‬حدثتكم‭ ‬عن‭ ‬أنني‭ ‬وعلى‭ ‬ذمة‭ ‬علماء‭ ‬أوربيين‭ ‬حاد‭ ‬الذكاء،‭ ‬لأنني‭ ‬استمعت‭ ‬واستمتعت‭ ‬كثيرا‭ ‬بمقطوعات‭ ‬موسيقية‭ ‬للنمسوي‭ ‬موزارت،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬صرت‭ ‬أستمع‭ ‬لسيمفونيات‭ ‬عباقرة‭ ‬الموسيقى‭ (‬وكنت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أنفر‭ ‬منها‭ ‬لأنني‭ ‬حسبتها‭ ‬‮«‬سيفونيات‮»‬‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬طالعت‭ ‬خبراً‭ ‬مزعجاً‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬ذا‭ ‬تايمز‭ ‬البريطانية،‭ ‬منسوبا‭ ‬إلى‭ ‬علماء‭ ‬أمريكيين‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬أبحاثهم‭ ‬دلت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬موسيقى‭ ‬شتراوس‭ ‬الهادئة‭ ‬تسبب‭ ‬لمستمعيها‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬القلب‭. ‬هذه‭ ‬كارثة‭ ‬يا‭ ‬جماهير‭ ‬أمتنا‭ ‬الباسلة‭. ‬ميلوديات‭ ‬ومزيكا‭ ‬عبقري‭ ‬الموسيقى‭ ‬شتراوس‭ ‬تسبب‭ ‬أمراض‭ ‬القلب‭. ‬فماذا‭ ‬تكون‭ ‬عاقبة‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬جماعتنا؟‭ ‬البواسير؟‭ ‬الثعلبة؟‭ ‬إجهاض‭ ‬الأجنة؟‭ ‬وتستمع‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬مطربينا،‭ ‬وتحس‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬بينهم‭ ‬في‭ ‬الولولة‭ ‬والـ«مزازيكا‮»‬،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬مغنٍ‭ ‬عربي‭ ‬واحد‭ ‬يؤدي‭ ‬أغنية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستنجد‭ ‬بالليل‭: ‬يا‭ ‬ليل‭. ‬يا‭ ‬ليلي‭ ‬يا‭ ‬آآآآ‭ ‬لييييلي،‭ ‬وكلما‭ ‬مطّ‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬الولولة‭ ‬استحسن‭ ‬الجمهور‭ ‬أداءه،‭ ‬ولم‭ ‬يفكر‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬استبدال‭ ‬‮«‬يا‭ ‬ليلي‮»‬‭ ‬بشيء‭ ‬مثل‭: ‬يا‭ ‬نهاري،‭ ‬أو‭ ‬يا‭ ‬ظهري،‭ ‬أو‭ ‬يا‭ ‬مغربي‭. ‬ولكن‭ ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬ونحن‭ ‬نشبّه‭ ‬المطرب‭ ‬الجيد‭ ‬بزرياب‭ ‬والموصلي،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬الجاحظ‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬النثر،‭ ‬والله‭ ‬لو‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬أحدهم‭ ‬إنني‭ ‬أكتب‭ ‬مثل‭ ‬الجاحظ‭ ‬لضربته‭ ‬في‭ ‬أم‭ ‬بطنه‭ ‬حتى‭ ‬تجحظ‭ ‬عيناه‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحلم‭ ‬ببلوغ‭ ‬معشار‭ ‬ما‭ ‬بلغه‭ ‬الجاحظ‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬الكتابة،‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أستحسن‭ ‬عقد‭ ‬مقارنة‭ ‬بيني‭ ‬وبينه‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الثناء‭ ‬علي‭. ‬كفانا‭ ‬النبش‭ ‬في‭ ‬القبور‭ ‬لاستحضار‭ ‬واستذكار‭ ‬أمجاد‭ ‬غبرت‭.‬

في‭ ‬السودان‭ ‬كنا‭ ‬أكثر‭ ‬ثورية‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬الفنانين‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬بلدان‭ ‬الشرق،‭ ‬وكانت‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬الإذاعة،‭ ‬فئة‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬مطربو‭ ‬الظهيرة‮»‬،‭ ‬ويسمح‭ ‬لهؤلاء‭ ‬باحتلال‭ ‬موجات‭ ‬الإذاعة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحاً‭ ‬والثانية‭ ‬بعد‭ ‬الظهر،‭ ‬ينهقون‭ ‬كما‭ ‬يشاءون‭ ‬طوال‭ ‬أربع‭ ‬ساعات،‭ ‬تكون‭ ‬خلالها‭ ‬جماهير‭ ‬المستمعين‭ ‬مشغولة‭ ‬بلقمة‭ ‬العيش‭. ‬وبالطبع‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬بقية‭ ‬المطربين‭ ‬‮«‬فيهم‭ ‬خير‮»‬‭. ‬حاشا،‭ ‬فلأننا‭ ‬مُستعربون‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الواسطة‮»‬‭ ‬تلعب‭ ‬أحياناً‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬أشخاص‭ ‬عارين‭ ‬من‭ ‬الموهبة‭ ‬إلى‭ ‬الميكروفون‭. ‬وكما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬بلدان‭ ‬‮«‬من‭ ‬المحيط‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يتوقون‭ ‬إلى‭ ‬النجومية،‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬حساً‭ ‬فنياً،‭ ‬يختصرون‭ ‬المشوار‭ ‬بالتقدم‭ ‬إلى‭ ‬الإذاعة‭ ‬أو‭ ‬التلفزيون‭ ‬بنشيد‭ ‬‮«‬وطني‮»‬‭: ‬يا‭ ‬ريس‭ .. ‬يا‭ ‬قائد‭ .. ‬يا‭ ‬ملهم‭ .. ‬يا‭ ‬بتاع‭ ‬كله‭ ‬إلى‭ ‬إلخ،‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬مدير‭ ‬الإذاعة‭ ‬أو‭ ‬التلفزيون‭ ‬إلا‭ ‬إجازة‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬النشيد‮»‬‭: ‬طاخ‭ ‬طراخ‭ .. ‬يا‭ ‬وطن‭.. ‬يا‭ ‬زعيم‭ .. ‬يا‭ ‬لطيف،‭ ‬وهكذا‭ ‬يدخل‭ ‬ذلك‭ ‬المغني‭ ‬التاريخ،‭ ‬كما‭ ‬دخله‭ ‬الزعيم‭ ‬صاحب‭ ‬البيان‭ ‬رقم‭ (‬1‭). ‬بالمناسبة،‭ ‬لماذا‭ ‬يصر‭ ‬المذيعون‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬السيدات،‭ ‬والآنسات‭ ‬علينا‭: ‬سيداتي،‭ ‬ثم‭ ‬نأتي‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬‮«‬سادتي‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬محض‭ ‬نفاق‭ ‬ورياء‭ ‬وافتراء،‭ ‬فالرجال‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬‮«‬المقدمة‮»‬‭. ‬في‭ ‬السوق‭ ‬مثلا،‭ ‬وإذا‭ ‬تواضع‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬واصطحب‭ ‬معه‭ ‬حرمه‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬فعلى‭ ‬‮«‬الحرمة‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تمشي‭ ‬وراء‭ ‬‮«‬البعل‮»‬‭. ‬وبالمناسبة‭ ‬أيضاً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يتكاتف‭ ‬الرجال‭ ‬لإلغاء‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬بعل‮»‬‭ ‬من‭ ‬القواميس،‭ ‬فهي‭ ‬كلمة‭ ‬سخيفة،‭ ‬وذات‭ ‬وقع‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬الأذن،‭ ‬ولا‭ ‬يخامرني‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬دخلت‭ ‬القاموس‭ ‬بفعل‭ ‬مؤامرة‭ ‬نسائية‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬لها‭ ‬صيغة‭ ‬مؤنث،‭ ‬ولو‭ ‬تجرأ‭ ‬أحدنا‭ ‬وقال‭ ‬لزوجته‭ ‬‮«‬يا‭ ‬بعلتي‮»‬،‭ ‬لفقد‭ ‬أسنانه‭ ‬الأمامية،‭ ‬فلماذا‭ ‬نرضى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬‮«‬بعلا‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬يقال‭: ‬السيدة‭ ‬فلانة،‭ ‬وبعلها؟‭ ‬المهم‭ ‬نحن‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬الطليعة،‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وعلى‭ ‬مائدة‭ ‬الطعام‭ (‬لنا‭ ‬الطيبات‭ ‬ولهن‭ ‬الفتات‭).‬

المهم‭ ‬أنا‭ ‬حزين‭ ‬يا‭ ‬جماهير‭ ‬أمتنا‭ ‬الصابرة،‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬موسيقى‭ ‬شتراوس‭ ‬تسبب‭ ‬مرض‭ ‬القلب،‭ ‬فماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬الاستماع‭ ‬المتواصل‭ ‬إلى‭ ‬المارشات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وأناشيد‭ ‬الفداء‭ ‬والبطولة‭ ‬والتحرير،‭ ‬أنا‭ ‬شخصياً‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬أناشيدنا‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬وألحان‭ ‬تجار‭ ‬المخدرات،‭ ‬لأن‭ ‬تأثيرها‭ ‬عجيب،‭ ‬تسمع‭ ‬النشيد‭ ‬الواحد‭ ‬فيسري‭ ‬في‭ ‬جسدك‭ ‬الخدر‭ ‬وتبدأ‭ ‬في‭ ‬الهلوسة‭ ‬واجترار‭ ‬أحلام‭ ‬اليقظة‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬جميع‭ ‬قضايانا‭ ‬محلولة‭ ‬ومحلحلة،‭ ‬والرفاهية‭ ‬تحققت‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬سمعت‭ ‬عدة‭ ‬أناشيد‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭ ‬فقد‭ ‬تراودك‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تخون‭ ‬وطنك،‭ ‬فمن‭ ‬الثابت‭ ‬تماماً‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يسب‭ ‬بلاده‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الأناشيد،‭ ‬فإذا‭ ‬هرب‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الغناء‭ ‬العاطفي‭ ‬وجده‭ ‬كله‭: ‬يا‭ ‬ليلي‭ .. ‬يا‭ ‬عيني‭ .. ‬يا‭ ‬دانة،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬شكوى‭ ‬مستترة،‭ ‬حتى‭ ‬الغزل‭ ‬عندنا‭ ‬‮«‬بطيني‮»‬‭. ‬أي‭ ‬يتعلق‭ ‬بالبطن،‭ ‬فأجزاء‭ ‬جسم‭ ‬المحبوبة‭ ‬إما‭ ‬برتقال،‭ ‬أو‭ ‬تفاح،‭ ‬أو‭ ‬كرز،‭ ‬أو‭ ‬فراولة،‭ ‬ويصل‭ ‬فساد‭ ‬الذوق‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬درجة‭ ‬يشبهون‭ ‬فيها‭ ‬الحبيبة‭ ‬بالليمونة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المغني‭ ‬يقول‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬حبيبته‭ ‬تسبب‭ ‬الحموضة،‭ ‬وربما‭ ‬القرحة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا