العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن القلم المليونير

أينما‭ ‬ذهبت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬اصطحاب‭ ‬شيئين‭: ‬القلم‭ ‬والساعة‭. (‬لا‭ ‬أطيق‭ ‬ساعة‭ ‬المعصم،‭ ‬ولكنني‭ ‬أعني‭ ‬أي‭ ‬أداة‭ ‬توضح‭ ‬التوقيت‭). ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬يثير‭ ‬دهشة‭ ‬البعض‭ ‬باعتبار‭ ‬ان‭ ‬القلم،‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الكمبيوتر،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬ولأن‭ ‬كل‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬نستخدمها‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬تليفونات‭ ‬وكمبيوترات‭ ‬وحتى‭ ‬مواقد‭ ‬الطبخ‭ ‬باتت‭ ‬مزودة‭ ‬بساعات،‭ ‬واعترف‭ ‬بأنني‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬استخدم‭ ‬القلم،‭ ‬ولكنني‭ ‬احتفظ‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬بقلم‭ ‬في‭ ‬جيب‭ ‬قميصي‭ ‬او‭ ‬‮«‬بدْلتي‮»‬‭ ‬الإيطالية‭ ‬التايوانية‭. ‬ففي‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تدخل‭ ‬مكانا‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يطالبوك‭ ‬بـ«التوقيع‮»‬‭.. ‬لو‭ ‬سمحت‭ ‬سندويتش‭ ‬فلافل‭ ‬بدون‭ ‬سلطة‭ ‬وشاورما‭ ‬بطحينة‭ ‬بدون‭ ‬لحم‭!! ‬حاضر‭.. ‬تفضل‭ ‬يا‭ ‬أستاذ‭.. ‬بس‭ ‬لو‭ ‬سمحت‭ ‬توقع‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬لف‭ ‬السندويتشين‭. ‬وتذهب‭ ‬إلى‭ ‬بنك‭ ‬الدم‭ ‬للتبرع‭ ‬بدمك‭ ‬الشريف‭ ‬الغالي‭ ‬فيعرضون‭ ‬عليك‭ ‬أوراقا‭ ‬لتضع‭ ‬توقيعك‭ ‬عليها،‭ ‬ولو‭ ‬قرأت‭ ‬محتواها‭ ‬فلن‭ ‬تتبرع‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬بنقطة‭ ‬رذاذ‭ ‬من‭ ‬عطسة‭: ‬بهذا‭ ‬أقر‭ ‬بأنني‭ ‬تبرعت‭ ‬بدمي‭ ‬طوعا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إكراه‭.. ‬بهذا‭ ‬أقر‭ ‬بأنني‭ ‬أتحمل‭ ‬تبعة‭ ‬ومسؤولية‭ ‬أي‭ ‬كارثة‭ ‬صحية‭ ‬تلحق‭ ‬بي‭ ‬نتيجة‭ ‬لتبرعي‭ ‬بالدم‭.. ‬بهذا‭ ‬أقر‭ ‬بأنني‭ ‬أتحمل‭ ‬أي‭ ‬عواقب‭ ‬تترتب‭ ‬على‭ ‬إصابة‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬ينقل‭ ‬إليه‭ ‬الدم‭ ‬الذي‭ ‬تبرعت‭ ‬به‭ ‬بالإمساك‭ ‬أو‭ ‬الإسهال‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬النظر‭. ‬وبعض‭ ‬المطارات‭ ‬العربية‭ ‬مازالت‭ ‬تتمسك‭ ‬بإرغام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬استمارات‭ ‬متعددة‭ ‬الألوان‭ ‬والنسخ‭ (‬لأنني‭ ‬كثير‭ ‬السفر‭ ‬فقد‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬رجال‭ ‬الجوازات‭ ‬لا‭ ‬يلتفتون‭ ‬كثيرا‭ ‬إلى‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬تسجلها‭ ‬في‭ ‬استمارات‭ ‬الدخول‭ ‬والمغادرة‭ ‬فصرت،‭ ‬أو‭ ‬كنت‭ ‬مثلا‭ ‬أكتب‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬الميلاد‭: ‬كمبوديا‭ ‬أو‭ ‬فندق‭ ‬هيلتون‭!! ‬اسم‭ ‬الوالدة؟‭ ‬أحيانا‭ ‬أكون‭ ‬صادقا‭ ‬وأكتب‭ ‬‮«‬آمنة‮»‬‭ ‬وأحيانا‭ ‬أكثر‭ ‬تنتابني‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬التمسخر‭ ‬على‭ ‬البيروقراطية‭: ‬ما‭ ‬لهم‭ ‬واسم‭ ‬أمي؟‭ ‬اسم‭ ‬الوالدة‮»‬‭ ‬زيزي‭.. ‬كاسترو‭.. ‬مدغشقر‭!! ‬وصدقني‭ ‬ان‭ ‬المسألة‭ ‬‮«‬تعدي‮»‬‭ ‬بمنتهى‭ ‬السهولة‭. ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬أخطأت‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬رقم‭ ‬الجواز‭ ‬ستعدي‭ ‬المسألة‭ ‬على‭ ‬خير‭ ‬لأن‭ ‬رجل‭ ‬الجوازات‭ ‬معني‭ ‬فقط‭ ‬بصحة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬في‭ ‬الجواز‭ ‬نفسه‭ ‬وما‭ ‬تلك‭ ‬الاستمارات‭ ‬إلا‭ ‬لبهدلة‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬بلا‭ ‬مبرر‭ ‬او‭ ‬مسوغ‭).‬

وعندي‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬5‭ ‬إلى‭ ‬20‭ ‬ساعة‭ ‬معصم‭ ‬ونحو‭ ‬10‭ ‬ساعات‭ ‬حائط‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬التنبيه،‭ ‬ولكن‭ ‬الموبايل‭ ‬أراحني‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬المعصم‭ ‬و«المنبه‮»‬،‭ ‬ولكنني‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬ببعض‭ ‬ساعات‭ ‬الحائط‭ ‬حتى‭ ‬أعرف‭ ‬الزمن‭ ‬والوقت‭ ‬أينما‭ ‬جلست‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬او‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭. ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬عندي‭ ‬ساعة‭ ‬معصم‭ ‬واحدة‭ ‬صالحة‭ ‬للاستخدام‭ ‬لأن‭ ‬بطارياتها‭ ‬جفت،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظلت‭ ‬مهملة‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

هل‭ ‬سمعت‭ ‬بفالغر‭ ‬نوكتيرناس؟‭ ‬إنه‭ ‬قلم‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬مجموعة‭ ‬تيبالدي‭ ‬المشهورة،‭ ‬ويتميز‭ ‬بأنه‭ ‬مرصع‭ ‬بـ‭ ‬945‭ ‬فص‭ ‬ألماس‭ ‬و123‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الياقوت‭. ‬وسعره؟‭ ‬ما‭ ‬راح‭ ‬نختلف‭.. ‬وبلاش‭ ‬نناقش‭ ‬الماديات‭.. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬خاطرك‭ ‬سعره‭ ‬8‭ ‬ملايين‭ ‬دولار‭!! ‬وماذا‭ ‬يفعل‭ ‬القلم‭ ‬أبو‭ ‬8‭ ‬ملايين؟‭ ‬سؤال‭ ‬سخيف‭. ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬أي‭ ‬قلم‭ ‬يكتب‭ ‬إذا‭ ‬أمسكت‭ ‬به‭ ‬وحركته‭ ‬بأصابع‭ ‬يدك‭! ‬طيب‭ ‬ما‭ ‬قولك‭ ‬في‭ ‬أنني‭ ‬أملك‭ ‬قلما‭ ‬سعره‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬دولار‭ ‬وظل‭ ‬يكتب‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬استخدمته‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬وأقول‭ ‬لصديق‭ ‬يقرأ‭ ‬مقالاتي‭ ‬بانتظام‭ ‬بحسب‭ ‬زعمه‭: ‬هل‭ ‬تذكر‭ ‬القلم‭ ‬الذي‭ ‬أهديته‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬مسبحة‭ ‬متلألئة؟‭ ‬رآهما‭ ‬صديق‭ ‬لي‭ ‬‮«‬مستنير‭ ‬وفنجري‮»‬‭ ‬وصاح‭: ‬يا‭ ‬الله‭. ‬هذا‭ ‬القلم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بألف‭ ‬دولار‭ ‬ومن‭ ‬باب‭ ‬المداعبة‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬هات‭ ‬ألف‭ ‬ريال‭ (‬أقل‭ ‬من‭ ‬ثلث‭ ‬1000‭ ‬الدولار‭) ‬وخذه،‭ ‬وبلا‭ ‬تردد‭ ‬أعطاني‭ ‬الريالات‭ ‬الألف‭ ‬واحتفظ‭ ‬بالقلم‭. ‬وسألته‭ ‬عن‭ ‬المسبحة‭ ‬فقال‭ ‬إنها‭ ‬‮«‬غالية‭ ‬جدا‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬طاقة‭ ‬له‭ ‬بثمنها‭ ‬ولكنني‭ ‬أكدت‭ ‬له‭ ‬أنني‭ ‬لن‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬صديق‭ ‬مثله‭ ‬بمنطق‭ ‬التجارة،‭ ‬فأعطاني‭ ‬ألف‭ ‬ريال‭ ‬أخرى‭ ‬وأخذ‭ ‬المسبحة‭.. ‬سامحني‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬فالألفي‭ ‬ريال‭ ‬‮«‬حلت‭ ‬لي‭ ‬مشكلة‮»‬‭ ‬بينما‭ ‬القلم‭ ‬الفاخر‭ ‬والمسبحة‭ ‬الأفخر‭ ‬كانا‭ ‬سينضمان‭ ‬إلى‭ ‬أرشيف‭ ‬الأشياء‭ ‬المركونة‭ ‬عندي‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اكتشف‭ ‬أنهما‭ ‬فقدا‭ ‬صلاحيتهما‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا