العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٣ - الأحد ١٥ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

بيع فوائض الأجسام

هل‭ ‬أتاكم‭ ‬حديث‭ ‬الشاب‭ ‬العربي‭ ‬المولود‭ ‬بثلاث‭ ‬كلى‭/‬كلاوي‭ ‬تعمل‭ ‬جميعها‭ ‬بكفاءة،‭ ‬وعلى‭ ‬نحو‭ ‬منفصل‭ ‬ولكن‭ ‬منسجم‭. ‬اللهم‭ ‬لا‭ ‬حسد،‭ ‬اللهم‭ ‬زد‭ ‬وبارك،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الشاب‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬كلية‭ ‬لأحد‭ ‬الأثرياء‭ ‬العرب‭ ‬الذي‭ ‬أبدى‭ ‬استعداده‭ ‬لدفع‭ ‬الملايين‭! ‬عندما‭ ‬قرأت‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬قلت‭ ‬بصوت‭ ‬عالٍ‭ ‬‮«‬يدي‭ ‬الحلق‭ ‬للي‭ ‬مالوش‭ ‬ودان‮»‬‭. ‬يا‭ ‬بني‭ ‬أين‭ ‬التضامن‭ ‬العربي؟‭ ‬والظفر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يطلع‭ ‬من‭ ‬اللحم؟‭ ‬ثم‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬فيها‭ ‬ملايين،‭ ‬والملايين‭ ‬‮«‬ملايين‮»‬‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬بالليرة‭ ‬الإيطالية‭ ‬أو‭ ‬الدولار‭ ‬الزيمباوي‭. (‬في‭ ‬زيمباوي‭ ‬التي‭ ‬حكمها‭ ‬روبرت‭ ‬موغابي‭ ‬أخو‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬في‭ ‬الرضاع‭ ‬والضياع‭ ‬لـ37‭ ‬سنة،‭ ‬وأورثها‭ ‬الفقر‭ ‬والمرض‭ ‬فإن‭ ‬أصغر‭ ‬عملة‭ ‬ورقية‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬محلي،‭ ‬وهناك‭ ‬أخرى‭ ‬فئة‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ورغيف‭ ‬الخبز‭ ‬هناك‭ ‬قيمته‭ ‬عشرة‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يساوي‭ ‬ربع‭ ‬قيمة‭ ‬الدولار‭ ‬الأخضر‭ ‬الأصلي‭).‬

جسم‭ ‬الإنسان‭ ‬عادة‭ ‬مزود‭ ‬بكليتين،‭ ‬ويقول‭ ‬الأطباء‭ ‬إن‭ ‬الإنسان‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬بنصف‭ ‬كلية،‭ ‬إذا‭ ‬تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬استئصال‭ ‬كلية‭ ‬كاملة‭ ‬ونصف‭ ‬الأخرى،‭ ‬فماذا‭ ‬دهى‭ ‬صاحبنا؟‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬لدي‭ ‬ثلاث‭ ‬كليات‭ ‬لما‭ ‬ترددت‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬دكان‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬أوكسفورد‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬وعرض‭ ‬الكلية‭ ‬الزائدة‭ ‬للبيع‭ ‬بالتقسيط‭ ‬المريح‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬أضطر‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬الدكان‭ ‬فور‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬زبون،‭ ‬وكنت‭ ‬بذلك‭ ‬سأرفع‭ ‬رأس‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬عالياً‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬السوقية،‭ ‬تخيل‭ ‬متجر‭ ‬كلاوي‭ ‬هاوس‭ (‬بيت‭ ‬الكلاوي‭) ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭. ‬لن‭ ‬أمانع‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬الكلية‭ ‬الإضافية‭ ‬مجزأة،‭ ‬يعني‭ ‬نصفها‭ ‬لزبون،‭ ‬وربعها‭ ‬لآخر،‭ ‬والربع‭ ‬الثاني‭ ‬هدية‭ ‬إلى‭ ‬هيئة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬لتجري‭ ‬عليه‭ ‬تجارب‭ ‬نووية‭ ‬للتدليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬شرب‭ ‬الماء‭ ‬المغشوش‭ ‬الذي‭ ‬تبيعه‭ ‬حكومات‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬لمواطنيها‭ ‬يحصن‭ ‬الكلية‭ ‬‮«‬بالحصاوي‮»‬‭ ‬بحيث‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الميكروبات‭ ‬والفيروسات‭ ‬والإشعاعات‭ ‬اختراقها‭.‬

وبصراحة‭ ‬أكثر‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أمانع‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬إحدى‭ ‬كليتي‭ ‬إذا‭ ‬وجدت‭ ‬زبوناً‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الوزن‭ ‬الثقيل‭ ‬والعقل‭ ‬القليل‭. ‬وبتفصيل‭ ‬أكثر‭ ‬أقول‭: ‬إنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬كلية‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬فلا‭ ‬بأس‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬الأخرى،‭ ‬ووصفت‭ ‬من‭ ‬يشتري‭ ‬مني‭ ‬كلية‭ ‬بقلة‭ ‬العقل،‭ ‬لأن‭ ‬فتح‭ ‬بطني‭ ‬للتنقيب‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬الكلية‭ ‬المطمورة‭ ‬تحت‭ ‬أطنان‭ ‬من‭ ‬الحصى‭ ‬والكثبان‭ ‬الرملية‭ ‬سيكلف‭ ‬مبالغ‭  ‬طائلة،‭ ‬وقد‭ ‬داعبت‭ ‬مرة‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يشتري‭ ‬عيني‭ ‬اليسرى‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬زرع‭ ‬قرنية‭ (‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬اليمنى‭ ‬ميئوس‭ ‬منها‭) ‬فرد‭ ‬عليّ‭ ‬بقوله‭: ‬إن‭ ‬مجرد‭ ‬قدرة‭ ‬عينيك‭ ‬على‭ ‬الإبصار‭ ‬يعتبر‭ ‬معجزة‭ ‬طبية‭ ‬إلهية،‭ ‬أصابني‭ ‬قوله‭ ‬هذا‭ ‬بغُصّة،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنني‭ ‬ذهبت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬بنك‭ ‬دم‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬للتبرع‭ ‬بالدم‭ ‬العربي‭ ‬الزكي‭ ‬الطاهر،‭ ‬فسألوني‭ ‬عن‭ ‬الأمراض‭ ‬التي‭ ‬أصبت‭ ‬بها‭ ‬فقلت‭ ‬عرضاً‭ ‬إنني‭ ‬أصبت‭ ‬بالملاريا‭ ‬نحو‭ ‬عشرين‭ ‬مرة‭ ‬‮«‬فقط‭ ‬لا‭ ‬غير‮»‬‭ ‬فانفضوا‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬وكأنني‭ ‬مصاب‭ ‬بالجرب،‭ ‬وتألمت‭ ‬لذلك،‭ ‬فأنا‭ ‬لم‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬التبرع‭ ‬بدمي‭ ‬المغشوش‭ ‬لاعتبارات‭ ‬إنسانية،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬عقدة‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬رصيد‭ ‬بنكي‮»‬،‭ ‬يعني‭ ‬أحلم‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬لدي‭ ‬رصيد‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للسحب‭ ‬العشوائي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬البنوك،‭ ‬وأن‭ ‬أتمكن‭ ‬من‭ ‬إقراض‭ ‬أصدقائي‭ ‬المشمولين‭ ‬بآية‭ ‬الزكاة‭ (‬وبعضهم‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الإذاعات‭ ‬والتلفزيونات،‭ ‬تسمع‭ ‬أصواتهم‭ ‬تلعلع‭ ‬فتحسبهم‭ ‬أبناء‭ ‬عمومة‭ ‬بيل‭ ‬غيتس،‭ ‬بينما‭ ‬جيوبهم‭ ‬كفؤاد‭ ‬أم‭ ‬موسى‭!!). ‬وبالطبع‭ ‬فإن‭ ‬دمي‭ ‬المتبرع‭ ‬به‭ ‬كان‭ ‬سيوزع‭ ‬كقروض‭ ‬وهبات‭ ‬على‭ ‬المرضى‭ ‬البريطانيين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيرضي‭ ‬غروري،‭ ‬ورغبات‭ ‬الاستعلاء‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬تلافيف‭ ‬عقلي‭ ‬الباطن‭ ‬والظاهر‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬الطب‭ ‬الحديث‭ ‬قد‭ ‬اتخذ‭ ‬‮«‬موقفاً‮»‬‭ ‬ضدي‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬استثمار‭ ‬قطع‭ ‬الغيار‭ ‬التي‭ ‬زودني‭ ‬بها‭ ‬الخالق،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬سوى‭ ‬التطوع‭ ‬بنصح‭ ‬أبناء‭ ‬العروبة‭ ‬بعدم‭ ‬التردد‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬الفوائض‭ ‬من‭ ‬أجزاء‭ ‬أجسامهم،‭ ‬فليس‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬عين‭ ‬واحدة‭. ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬نصف‭ ‬مخ‭ ‬يكفي‭ ‬لأن‭ ‬كمال‭ ‬العقل‭ ‬يودي‭ ‬إلى‭ ‬التهلكة‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا