العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

بالمثابرة يتم فك اللحام

من‭ ‬الأمثال‭ ‬الخليجية‭ ‬الجميلة‭ ‬جدا‭ ‬والتحفيزية‭: ‬كثر‭ ‬الدق‭ ‬يفك‭ ‬اللحام،‭ ‬ففيه‭ ‬شحذ‭ ‬للعزيمة‭ ‬وحث‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الجهد‭ ‬لتحقيق‭ ‬غاية‭ ‬ما‭. ‬ويجعلني‭ ‬هذا‭ ‬المثل‭ ‬أتذكر‭ ‬الطائر‭ ‬المثابر‭ ‬‮«‬نقّار‭ ‬الخشب‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينقر‭ ‬ساق‭ ‬شجرة‭ ‬مائة‭ ‬مرة‭ ‬متتالية‭ ‬حتى‭ ‬يحدث‭ ‬فيها‭ ‬الثقب‭ ‬المنشود،‭ ‬وهذا‭ ‬الطائر‭ ‬دخل‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬‮«‬أسرع‮»‬‭ ‬أبوابه‭ ‬عندما‭ ‬نجح‭ ‬ذات‭ ‬عام‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬مكوك‭ ‬الفضاء،‭ ‬‮«‬ديسكفري‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬أشبع‭ ‬المكوك‭ ‬نقراً‭ ‬حتى‭ ‬أحدث‭ ‬فيه‭ ‬مائة‭ ‬وخمسين‭ ‬ثقباً‭. ‬

أكرر‭ ‬أنه‭ ‬استخدم‭ ‬منقاره‭ ‬وليس‭ ‬أشعة‭ ‬الليزر،‭ ‬يعني‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يفرمل‭ ‬أحدث‭ ‬ما‭ ‬أنتجته‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الفضاء،‭ ‬ونحن‭ ‬مازلنا‭ ‬نتجادل‭: ‬أيهما‭ ‬أشعر،‭ ‬الشنفري‭ ‬الأزدي‭ ‬أم‭ ‬شعبولا؟‭ ‬طائر‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬وزنه‭ ‬على‭ ‬ثمانين‭ ‬غراماً‭ ‬عطل‭ ‬مكوك‭ ‬الفضاء‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬متى‭ ‬تكون‭ ‬مطالع‭ ‬الشهور‭ ‬الهجرية‭. ‬وكأنما‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭ ‬هلال‭ ‬خاص،‭ ‬وكأنما‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬بلدا‭ ‬مسلما‭ ‬آخر‭ ‬ثبتت‭ ‬فيه‭ ‬رؤية‭ ‬الهلال‭ ‬فيه‭ ‬تبعية‭ ‬ومساس‭ ‬بالسيادة‭. ‬يا‭ ‬عيني‭ ‬ع‭ ‬السيادة‭!  ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬شعبان‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬يقول‭ ‬مسلمو‭ ‬إندونيسيا‭: ‬رأينا‭ ‬الهلال‭.. ‬فيرد‭ ‬عليهم‭ ‬أهل‭ ‬الصومال‭: ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬زحلا‭. ‬علماؤنا‭ ‬في‭ ‬مراصدهم‭ ‬يقولون‭ ‬لنا‭: ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نحدد‭ ‬لكم‭ ‬مطالع‭ ‬الشهور‭ ‬لما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬القرن،‭ ‬مسترشدين‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬والقمر‭ ‬قدرناه‭ ‬منازل‭ ‬حتى‭ ‬عاد‭ ‬كالعرجون‭ ‬القديم،‭ ‬لا‭ ‬الشمس‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬القمر‭ ‬ولا‭ ‬الليل‭ ‬سابق‭ ‬النهار‭ ‬وكل‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬يسبحون‮»‬‭. ‬ولكن‭ ‬ينتهي‭ ‬بنا‭ ‬الأمر‭ ‬وكأنما‭ ‬هناك‭ ‬خمسة‭ ‬أهلة‭ ‬مختلفة،‭ ‬هلال‭ ‬خاص‭ ‬بالمغرب‭ ‬العربي،‭ ‬وآخر‭ ‬خاص‭ ‬بحوض‭ ‬النيل‭ ‬وثالث‭ ‬خاص‭ ‬بمسلمي‭ ‬آسيا‭ ‬وجميعها‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬مختلفة،‭ ‬وكأنما‭ ‬الأهلة‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬بحسب‭ ‬مزاجها‭.‬

افترض‭ ‬أيها‭ ‬القارئ‭ ‬أنك‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬شعبي‭ ‬عادي‭ ‬وأن‭ ‬أحد‭ ‬جيرانك‭ ‬بنى‭ ‬بيتاً‭ ‬من‭ ‬طابقين‭ ‬وله‭ ‬ثلاثة‭ ‬كلاب‭ ‬شرسة،‭ ‬ودخلت‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الجار‭ ‬في‭ ‬مشاحنات،‭ ‬لأنه‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬برجه‭ ‬العالي‭ ‬–‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتطفل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬بيتك‭ ‬‮«‬التعبان‮»‬،‭ ‬وكلابه‭ ‬تخيف‭ ‬عيالك‭. ‬بإمكانك‭ ‬إزاء‭ ‬موقف‭ ‬كهذا‭ ‬أن‭ ‬تقضي‭ ‬الليل‭ ‬والنهار‭ ‬في‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الجار‭ ‬المفتري،‭ ‬وبإمكانك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إيجابياً‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬إمكانياتك‭: ‬–‭ ‬مثلاً‭ ‬–‭ ‬بأن‭ ‬تزرع‭ ‬أشجاراً‭ ‬عالية‭ ‬وباسقة،‭ ‬داخل‭ ‬بيتك‭ ‬بحيث‭ ‬تمنع‭ ‬جارك‭ ‬من‭ ‬التطفل‭ ‬عليك،‭ ‬بل‭ ‬وتسعى‭ ‬لتحسين‭ ‬مواردك‭ ‬المالية‭ ‬للارتقاء‭ ‬ببيتك‭ ‬عدة‭ ‬طوابق‭ ‬حتى‭ ‬تمنع‭ ‬عن‭ ‬جارك‭ ‬الشمس‭ ‬والأوكسجين،‭ ‬ومقابل‭ ‬كلابه‭ ‬الثلاثة‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تربي‭ ‬الفئران‭ ‬بكميات‭ ‬تجارية‭ ‬وتحفر‭ ‬لها‭ ‬أنفاقاً‭ ‬توصلها‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬ذلك‭ ‬الجار‭ ‬لكي‭ ‬تفتك‭ ‬بالمؤن‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬وتنشر‭ ‬فيه‭ ‬الطاعون‭ ‬وداء‭ ‬الكلب،‭ ‬ثم‭ ‬تقوم‭ ‬بإبلاغ‭ ‬السلطات‭ ‬بأن‭ ‬كلابه‭ ‬‮«‬سعرانة‮»‬‭ ‬فيجبرونه‭ ‬على‭ ‬التخلص‭ ‬منها،‭ ‬وفي‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال‭ ‬ليس‭ ‬وارداً‭ ‬أن‭ ‬الصلح‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬الجار‭ ‬سيدفعه‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬الطوابق‭ ‬العلوية‭ ‬من‭ ‬بيته،‭ ‬وقتل‭ ‬كلابه‭ ‬إرضاء‭ ‬لخاطرك‭.  ‬ثم‭ ‬انظروا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬توم‭ ‬آند‭ ‬جيري‮»‬،‭ ‬راقبوا‭ ‬الفأر‭ ‬جيري‭ ‬جيداً‭ ‬وانظروا‭ ‬كيف‭ ‬يتفتق‭ ‬ذهنه‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬عن‭ ‬خطة‭ ‬جديدة‭ ‬يتغلب‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬مكائد‭ ‬القط‭ ‬‮«‬توم‮»‬‭. ‬

عجيب‭ ‬أمركم‭ ‬تقضون‭ ‬لياليكم‭ ‬في‭ ‬مشاهدة‭ ‬مسلسلات‭ ‬تلفزيونية‭ ‬تافهة،‭ ‬وتستمعون‭ ‬إلى‭ ‬أغنيات‭ ‬تتسم‭ ‬بقلة‭ ‬الذوق‭ ‬والحياء‭ ‬وتتحزبون‭ ‬لأندية‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬وكأنما‭ ‬جميع‭ ‬مشاكلكم‭ ‬الأخرى‭ ‬محلولة‭. ‬تلاقي‭ ‬مصرياً‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬وتسأله‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬كذا‭ ‬‮«‬مثلاً‮»‬‭ ‬فيرد‭ ‬عليك‭: ‬أولاً‭ ‬أنت‭ ‬أهلاوي‭ ‬ولا‭ ‬زملكاوي؟‭ ‬وإذا‭ ‬انهار‭ ‬جسر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬ما‭ ‬لأن‭ ‬المقاول‭ ‬الذي‭ ‬شيده‭ ‬عديم‭ ‬الذمة،‭ ‬يتم‭ ‬تلبيس‭ ‬التهمة‭ ‬لإسرائيل‭. ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬وعلى‭ ‬أيام‭ ‬الفتنة‭ ‬الأهلية‭ ‬كان‭ ‬رجل‭ ‬المليشيا‭ ‬يوقفك‭: ‬مسلم‭ ‬أم‭ ‬مسيحي؟‭.. ‬سني‭ ‬أم‭ ‬شيعي‭ ‬أم‭ ‬درزي؟‭.. ‬ماروني‭ ‬أم‭ ‬كاثوليكي؟‭ ‬ثم‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬‮«‬انتمائك‮»‬‭ ‬الرياضي،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬سامح‭ ‬المليشياوي‭ ‬المسيحي‭ ‬فريسته‭ ‬المسلم،‭ ‬والمليشياوي‭ ‬المسلم‭ ‬فريسته‭ ‬النصراني،‭ ‬إذا‭ ‬كانا‭ ‬‮«‬الولاء‭ ‬الكروي‮»‬‭ ‬يجمع‭ ‬بينهما،‭ ‬ولكن‭ ‬يا‭ ‬ويلك‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتفق‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬الكروية‭! ‬أتفعلون‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬وتستحون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تتعلموا‭ ‬من‭ ‬نقار‭ ‬الخشب،‭ ‬وجيري؟‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا