زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
بالمثابرة يتم فك اللحام
من الأمثال الخليجية الجميلة جدا والتحفيزية: كثر الدق يفك اللحام، ففيه شحذ للعزيمة وحث على مواصلة الجهد لتحقيق غاية ما. ويجعلني هذا المثل أتذكر الطائر المثابر «نقّار الخشب»، الذي قد ينقر ساق شجرة مائة مرة متتالية حتى يحدث فيها الثقب المنشود، وهذا الطائر دخل التاريخ من «أسرع» أبوابه عندما نجح ذات عام في تعطيل مكوك الفضاء، «ديسكفري»، فقد أشبع المكوك نقراً حتى أحدث فيه مائة وخمسين ثقباً.
أكرر أنه استخدم منقاره وليس أشعة الليزر، يعني استطاع أن يفرمل أحدث ما أنتجته تكنولوجيا الفضاء، ونحن مازلنا نتجادل: أيهما أشعر، الشنفري الأزدي أم شعبولا؟ طائر لا يزيد وزنه على ثمانين غراماً عطل مكوك الفضاء ونحن لا نعرف متى تكون مطالع الشهور الهجرية. وكأنما لكل بلد هلال خاص، وكأنما التسليم بأن بلدا مسلما آخر ثبتت فيه رؤية الهلال فيه تبعية ومساس بالسيادة. يا عيني ع السيادة! في نهاية شعبان من كل عام يقول مسلمو إندونيسيا: رأينا الهلال.. فيرد عليهم أهل الصومال: ذلك كان زحلا. علماؤنا في مراصدهم يقولون لنا: نستطيع أن نحدد لكم مطالع الشهور لما يزيد على القرن، مسترشدين بقوله تعالى: «والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون». ولكن ينتهي بنا الأمر وكأنما هناك خمسة أهلة مختلفة، هلال خاص بالمغرب العربي، وآخر خاص بحوض النيل وثالث خاص بمسلمي آسيا وجميعها تظهر في أيام مختلفة، وكأنما الأهلة تفعل ذلك بحسب مزاجها.
افترض أيها القارئ أنك تسكن في بيت شعبي عادي وأن أحد جيرانك بنى بيتاً من طابقين وله ثلاثة كلاب شرسة، ودخلت مع هذا الجار في مشاحنات، لأنه – ومن برجه العالي – يستطيع أن يتطفل على كل ما يجري في بيتك «التعبان»، وكلابه تخيف عيالك. بإمكانك إزاء موقف كهذا أن تقضي الليل والنهار في الشكوى من هذا الجار المفتري، وبإمكانك أن تكون إيجابياً في حدود إمكانياتك: – مثلاً – بأن تزرع أشجاراً عالية وباسقة، داخل بيتك بحيث تمنع جارك من التطفل عليك، بل وتسعى لتحسين مواردك المالية للارتقاء ببيتك عدة طوابق حتى تمنع عن جارك الشمس والأوكسجين، ومقابل كلابه الثلاثة يمكنك أن تربي الفئران بكميات تجارية وتحفر لها أنفاقاً توصلها إلى بيت ذلك الجار لكي تفتك بالمؤن التي في بيته وتنشر فيه الطاعون وداء الكلب، ثم تقوم بإبلاغ السلطات بأن كلابه «سعرانة» فيجبرونه على التخلص منها، وفي جميع الأحوال ليس وارداً أن الصلح بينك وبين هذا الجار سيدفعه إلى هدم الطوابق العلوية من بيته، وقتل كلابه إرضاء لخاطرك. ثم انظروا إلى «توم آند جيري»، راقبوا الفأر جيري جيداً وانظروا كيف يتفتق ذهنه كل مرة عن خطة جديدة يتغلب بها على مكائد القط «توم».
عجيب أمركم تقضون لياليكم في مشاهدة مسلسلات تلفزيونية تافهة، وتستمعون إلى أغنيات تتسم بقلة الذوق والحياء وتتحزبون لأندية كرة القدم وكأنما جميع مشاكلكم الأخرى محلولة. تلاقي مصرياً في الشارع وتسأله عن الطريق المؤدي إلى شركة كذا «مثلاً» فيرد عليك: أولاً أنت أهلاوي ولا زملكاوي؟ وإذا انهار جسر ما في عاصمة ما لأن المقاول الذي شيده عديم الذمة، يتم تلبيس التهمة لإسرائيل. في بيروت وعلى أيام الفتنة الأهلية كان رجل المليشيا يوقفك: مسلم أم مسيحي؟.. سني أم شيعي أم درزي؟.. ماروني أم كاثوليكي؟ ثم يسأل عن «انتمائك» الرياضي، وكثيراً ما سامح المليشياوي المسيحي فريسته المسلم، والمليشياوي المسلم فريسته النصراني، إذا كانا «الولاء الكروي» يجمع بينهما، ولكن يا ويلك إذا لم تتفق معه في الهوية الكروية! أتفعلون كل هذا وتستحون من أن تتعلموا من نقار الخشب، وجيري؟.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك