العدد : ١٧٥١٥ - السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٥ - السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اللصوص صنوف

تلصص‭ ‬هي‭ ‬الأم‭ ‬الشرعية‭ ‬لكلمة‭ ‬‮«‬لص‮»‬،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬اللص‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يتلصص‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬أو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬سرقة‭ ‬شيء‭ ‬منه‭ ‬خلسة،‭ ‬توطئة‭ ‬للسرقة‭ ‬الفعلية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فهو‭ ‬حرامي،‭ ‬لأنه‭ ‬يرتكب‭ ‬عملا‭ ‬تحرمه‭ ‬القوانين‭ ‬والشرائع،‭ ‬ولكن‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬لا‭ ‬تلصق‭ ‬وصمة‭ ‬‮«‬لص‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يعتدي‭ ‬على‭ ‬ممتلكات‭ ‬الغير‭ ‬للاستيلاء‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬منها،‭ ‬بينما‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجتمع‭ ‬مهن‭ ‬عديدة،‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬اللصوصية‭ ‬بعينها،‭ ‬ولكن‭ ‬ممتهنيها‭ ‬ينعمون‭ ‬بالمكانة‭ ‬والوجاهة‭.. ‬بعض‭ ‬أنواع‭ ‬اللصوصية‭ ‬يسميها‭ ‬المجتمع‭ ‬‮«‬تجارة‭ ‬وشطارة‮»‬‭ ‬فالذي‭ ‬يبيع‭ ‬سيارة‭ ‬عيوبها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مزاياها،‭ ‬لشخص‭ ‬مثلي‭ ‬أمي‭ ‬ميكانيكيا،‭ ‬بأضعاف‭ ‬ما‭ ‬تستحقه‭ ‬من‭ ‬ثمن‭ ‬يستولي‭ ‬على‭ ‬مال‭ ‬الغير‭ ‬بغير‭ ‬وجه‭ ‬حق،‭ ‬وهو‭ ‬إذن‭ ‬‮«‬حرامي‮»‬،‭ ‬والمحامي‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬الأتعاب‭ ‬عن‭ ‬قضية‭ ‬يعرف‭ ‬أنها‭ ‬ميؤوس‭ ‬منها‭ ‬تماماً‭ ‬‮«‬حرامي‭ ‬برخصة‮»‬،‭ ‬والطبيب‭ ‬الخصوصي‭ ‬الذي‭ ‬تلجأ‭ ‬إليه‭ ‬شاكياً‭ ‬من‭ ‬تساقط‭ ‬الشعر‭ ‬–مثلاً–‭ ‬فيرغمك‭ ‬على‭ ‬غشيان‭ ‬أقسام‭ ‬أشعة‭ ‬إكس‭ ‬والموجات‭ ‬الصوتية‭ ‬والمختبرات‭ ‬التابعة‭ ‬له‭ ‬لفحص‭ ‬اللعاب‭ ‬والدم‭ ‬والبول،‭ ‬‮«‬حرامي‮»‬‭ ‬أيضاً،‭ ‬والسمسار‭ ‬قد‭ ‬يمارس‭ ‬‮«‬الحرامية‮»‬‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬إبرامه‭ ‬هذه‭ ‬الصفقة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬والحكومة‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬حرامي‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬تستولي‭ ‬على‭ ‬مداخيلك‭ ‬ومدخراتك‭ ‬بمساعدة‭ ‬الشرطة‭ ‬والقضاء‭ ‬وجماعة‭ ‬الضرائب‭ ‬بذرائع‭ ‬مختلفة‭.‬

‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬عدن‭ ‬اليمنية‭ ‬تابع‭ ‬شاب‭ -‬قبل‭ ‬سنوات‭- ‬تحركات‭ ‬سائق‭ ‬إحدى‭ ‬الحافلات‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتعاطى‭ ‬بعض‭ ‬الشاي‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬تمتلئ‭ ‬الحافلة‭ ‬بالركاب،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬امتلأت‭ ‬الحافلة‭ ‬بالخلق‭ ‬حتى‭ ‬سبق‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬السائق‭ ‬إلى‭ ‬مقعد‭ ‬القيادة‭ ‬وانطلق‭ ‬بالحافلة،‭ ‬ولأنه‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬حرامي‮»‬‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬المجتمع‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الاضطراب‭ ‬بادياً‭ ‬عليه،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬إنزال‭ ‬بعض‭ ‬الركاب‭ ‬في‭ ‬المواقع‭ ‬المحددة‭ ‬لنزولهم،‭ ‬ولكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬البعض‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬ناكري‭ ‬الجميل،‭ ‬فلأن‭ ‬الشاب‭ ‬نسي‭ ‬أن‭ ‬يتحصل‭ ‬منهم‭ ‬قيمة‭ ‬التذاكر،‭ ‬فقد‭ ‬أبلغوا‭ ‬الشرطة‭ ‬بشكوكهم‭ ‬فيه،‭ ‬فسقط‭ ‬المسكين‭ ‬في‭ ‬قبضة‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‮«‬العدالة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أشبعته‭ ‬‮«‬عدلاً‮»‬‭ ‬وشتماً‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬تقديمه‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة،‭ ‬وتم‭ ‬الزج‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬بضع‭ ‬سنوات،‭ ‬كان‭ ‬يعتزم‭ ‬توصيل‭ ‬جميع‭ ‬الركاب‭ ‬إلى‭ ‬وجهاتهم‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬التصرف‮»‬‭ ‬في‭ ‬الحافلة،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يشفع‭ ‬له‭ ‬كثيراً‭ ‬لأنه‭ ‬حرامي‭ ‬‮«‬صغير‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الأردن‭ ‬سرق‭ ‬شاب‭ ‬سيارة،‭ ‬وافتضح‭ ‬أمره،‭ ‬وطاردته‭ ‬الشرطة،‭ ‬فترجل‭ ‬من‭ ‬السيارة‭ ‬واختبأ‭ ‬في‭ ‬مدخل‭ ‬شقة‭ ‬سكنية،‭ ‬ولكن‭ ‬صاحب‭ ‬الشقة‭ ‬حسبه‭ ‬‮«‬حرامياً‮»‬‭ ‬فأطلق‭ ‬عليه‭ ‬النار‭ ‬فسقط‭ ‬صاحبنا‭ ‬قتيلاً،‭ ‬وهكذا‭ ‬مات‭ ‬شاب‭ ‬بريء،‭ ‬نعم‭ ‬بريء‭ ‬لأنه‭ ‬قتل‭ ‬لجريمة‭ ‬لم‭ ‬يرتكبها،‭ ‬فقد‭ ‬مات‭ ‬أو‭ ‬قتل‭ ‬باعتبار‭ ‬أنه‭ ‬حاول‭ ‬السطو‭ ‬على‭ ‬الشقة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬لجأ‭ ‬إليها‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬الشرطة،‭ ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتساءل،‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬مختلساً‭ ‬معروفاً‭ ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الشقة‭ ‬ولم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بالاختباء‭ ‬في‭ ‬مدخلها،‭ ‬بل‭ ‬قال‭ ‬لصاحبها‭ ‬بصراحة‭: ‬استرني‭! ‬أنا‭ ‬اختلست‭ ‬987‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭! ‬هل‭ ‬كان‭ ‬سيلاقي‭ ‬ذاك‭ ‬المصير‭ ‬نفسه؟

‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الوضع‮»‬‭ ‬أفضل‭ ‬نسبياً،‭ ‬فقد‭ ‬عثرت‭ ‬دار‭ ‬الكتب‭ ‬المصرية‭ ‬على‭ ‬خزينة‭ ‬قديمة،‭ ‬وعند‭ ‬فتحها‭ ‬اتضح‭ ‬أنها‭ ‬تحوي‭ ‬آلاف‭ ‬القطع‭ ‬النقدية‭ ‬الذهبية‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وبعد‭ ‬جرد‭ ‬محتويات‭ ‬الخزينة‭ ‬تم‭ ‬إغلاقها،‭ ‬ولكن‭ ‬تعذر‭ ‬فتحها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬أمام‭ ‬إدارة‭ ‬الكتب‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تقترح‭ ‬على‭ ‬وزير‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستعانة‭ ‬بلص‭ ‬خزائن‭ ‬مخضرم،‭ ‬فالخزينة‭ ‬الأثرية‭ ‬صنعت‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬الفيل،‭ ‬وفشل‭ ‬مهندسو‭ ‬‮«‬آخر‭ ‬الزمان‮»‬‭ ‬في‭ ‬فتحها،‭ ‬وهكذا‭ ‬برهنت‭ ‬إدارة‭ ‬الكتب‭ ‬احترامها‭ ‬للتخصص‭ ‬والكفاءة،‭ ‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬نصبت‭ ‬نفسي‭ ‬محامياً‭ ‬عن‭ ‬الحرامية،‭ ‬فإنني‭ ‬أهيب‭ ‬بلصوص‭ ‬الخزائن‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬بعدم‭ ‬فتح‭ ‬تلك‭ ‬الخزينة‭ ‬إلا‭ ‬نظير‭ ‬عمولة‭ ‬معينة‭: ‬‮«‬فيفتي‭ ‬–‭ ‬فيفتي‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬وإلا‭ ‬بعد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تعهد‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بعدم‭ ‬التعرض‭ ‬لهم‭ ‬إذا‭ ‬فتحوا‭ ‬خزائن‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى،‭ ‬وإلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬السلطات‭ ‬بتكوين‭ ‬نقابة‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬حقوقهم،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المافيا‭ ‬الإيطالية‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬باحترام‭ ‬واهتمام‭ ‬الدوائر‭ ‬الرسمية،‭ ‬وبعد‭ ‬تكوين‭ ‬النقابة‭ ‬بإمكانهم‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬العالمي‭ ‬للمصارف‭ ‬توسيعاً‭ ‬لنشاطهم‭ ‬وتعميماً‭ ‬للفائدة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا