زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
فرفور الشطور
والشطّور هو الشاطر جدا النابه الذكي، وبالمناسبة فكلمة «شاطر» تحمل معنيين متناقضين بحسب السياق: فهي في العامية تعني الشخص الماهر، الذكي، والحاذق. أما في اللغة العربية الفصحى وكتب المعاجم القديمة، فتعني الخبيث، الفاجر، الماكر، أو قاطع الطريق الذي أتعب قومه بفساده، وفرفور هو اسم الدلع للفأر، وهي عموما سلالة من الحيوان مشهود لها بالذكاء، تخاف منها النساء.
سأسرد لكم اليوم وقائع حلوة وهي تشبه حكاية الثور الأحمر الذي لجأ إليه الأسد شاكيا من الجوع، فنصحه الثور بأكل الثور الأبيض، وبعدها نصحه بأكل الثور الأسود ثم البني ثم المرقط، وبعد ان «شطب» الأسد على الثيران من كل الألوان هجم على الثور الأحمر فكان ان قال قولته المشهورة: ألا إنني أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.
كان اللعاب يسيل من فم الفأر، وهو يتجسس على صاحب المزرعة وزوجته، وهما يفتحان صندوقا أنيقا، ويمنِّي نفسه بأكله شهية، لأنه حسب أن الصندوق يحوي طعاما، ولكن فكه سقط حتى لامس بطنه بعد أن رآهما يخرجان مصيدة للفئران من الصندوق، واندفع الفأر كالمجنون في أرجاء المزرعة وهو يصيح: لقد جاؤوا بمصيدة الفئران يا ويلنا. هنا صاحت الدجاجة متهكمة: اسمع يا فرفور المصيدة هذه مشكلتك أنت فلا تزعجنا بصياحك وعويلك. وعليك التحلي بالشجاعة، وأنت تواجه الخطر، فتوجه الفأر إلى الخروف: الحذر، الحذر ففي البيت مصيدة، فابتسم الخروف وقال: يا جبان يا رعديد، لماذا تمارس السرقة والتخريب طالما أنك تخشى العواقب. شد حيلك ولا توجع رؤوسنا بصراخك، وأنصحك بالكف عن سرقة الطعام وقرض الحبال والأخشاب، والزم جحرك.
هنا لم يجد الفأر مناصا من الاستنجاد بالبقرة التي قالت له باستخفاف: يا خراشي.. في بيتنا مصيدة.. يا لهوي.. يبدو أنهم يريدون اصطياد الأبقار بها.. هل أطلب اللجوء السياسي في حديقة الحيوان؟ عندئذ أدرك الفأر أن الزعيم المصري سعد زغلول كان على حق عندما قال مقولته الشهيرة: «مفيش فايده»، وقرر أن يتدبر أمر نفسه، وواصل التجسس على المزارع حتى عرف موضع المصيدة، وقرر الابتعاد عن مكمن الخطر، وذات ليلة سمع فرفور صرخة مدوية وخرج من جحره ليستكشف الأمر فرأى ثعبانا يتلوى بعد أن أمسكت المصيدة بذيله، ثم جاءت زوجة المزارع وبسبب الظلام حسبت أن الفأر «راح فيها»، وأمسكت بالمصيدة فعضها الثعبان، فذهب بها زوجها على الفور إلى المستشفى حيث تلقت إسعافات أولية، وعادت إلى البيت وهي تعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، والشخص المسموم المحموم بحاجة إلى سوائل، ويستحسن أن يتناول الشوربة، (وماجي لا تنفع في مثل هذه الحالات)، وهكذا قام المزارع بذبح الدجاجة، وصنع منها حساء لزوجته، وتدفق الأهل والجيران لتفقد أحوالها، فكان لابد من ذبح الخروف لإطعامهم. ولكن الزوجة المسكينة توفيت بعد صراع مع السموم دام عدة أيام، وجاء المعزون بالمئات واضطر المزارع إلى ذبح بقرته لتوفير الطعام لهم.
وإذا كان «فهمك تقيلا»، فإنني أذكرك بأن الحيوان الوحيد الذي بقي على قيد الحياة هو الفأر الذي كان مستهدفا بالمصيدة، وكان الوحيد الذي استشعر الخطر. ثم فكر في أمر من يحسبون انهم بعيدون عن المصيدة وأن «الشر بره وبعيد»، فيستخفون بمخاوف الكائنات بادية الضعف. وتذكر أيضا كلام أجدادنا: إذا حلقوا راس (شعر) صاحبك، بلل رأسك بالماء لأن الدور سيأتيك.. وطبعا قيل هذا الكلام عن زمن كانت فيه الحلاقة ضربا من التعذيب، ويا ما عانى أبو الجعافر على يد أبيه الذي كان يستخدم أمواسا حوافها مثل حواف المحراث، وعقب الحلاقة كان رأسي يمتلئ بالحفر والمطبات وكان لابد من مرطب وملطف آفتر شيف AFTER SHAVE)) هو عجين الذرة!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك