زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
شتان ما بين تعليم وتأليم
كثيرا ما لطمت خَدّي ولعنت حظي بسبب بؤس التعليم الذي تلقيته، وأقول للمرة العاشرة بعد السبعين، إنني شاهد شاف كل حاجة عن بؤس الحال ذلك بحكم أنني مارست التدريس، ثم صرت أباً لعيال وحرصت قدر استطاعتي على توفير تعليم يحترم العقل وينميه لهم، وأنقلكم اليوم الى عالم مختلف، تحترم فيه المناهج والحكومات النبوغ وترعاه.
الحكاية التالية من أرشيفي، وتعود الى سنوات ليست بالقليلة، ولكنني ظللت محتفظا بها لأهديها الى عباقرة التربية والتعليم هنا وهناك في بلداننا، ومصدرها صحيفة الخليج الإماراتية، التي كنت أحرص على مطالعتها وأنا أعمل في منافستها جريدة الاتحاد الإماراتية، وهي عن نابغة كندي كان يبلغ وقتها من العمر خمس سنوات، ومن قرأوا عن ذلك الفتى سيصيحون محتجين: لا إنه لبناني! وسأرد عليهم: كان. فأمه وأوبوه «كانا» لبنانيين وهاجرا الى كندا حيث ولد صاحبنا هناك، وبدأ يتكلم وعمره سبعة اشهر، وفي سن الثانية كان يعرف استخدام الأطلس، ويعرف مواقع نحو 100 دولة وعواصمها وأعلامها، أما جدول الضرب الذي مازال ابو الجعافر يستعين عليه بالآلة الحاسبة، فقد حسم الصغير أمره قبل ان يكمل الثانية ايضا، وصار يتحدث العربية والفرنسية والإنجليزية بطلاقة، ويستطيع ان يستذكر أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين خلال اقل من 90 ثانية، وما إن ذاع أمره حتى انهالت عليه العروض من مدارس النوابغ والمتفوقين في الولايات المتحدة حتى فازت إحداهن به، وأثار ذلك حفيظة بعض نواب البرلمان الكندي الذين قالوا ان ذلك النابغة اضطر الى الذهاب الى الولايات المتحدة لعدم وجود مدارس خاصة بالموهوبين في كندا، وأنه لا بد من إنشاء مدرسة خاصة به على وجه السرعة، يكون هو تلميذها الأوحد الى ان يلتحق بها غيره لاحقا، ولكن العرض الامريكي كان مغريا فقررت أمه النزوح به من كندا الى الولايات المتحدة، حيث ينال الجنسية الأمريكية حتى يتسنى له البقاء فيها كي تستفيد منه البلاد مستقبلا. أرجو أن تتذكروا ما قلته أعلاه عن عمر ذلك الفتى: خمس سنوات»!! لم تقل جهة ما: اللائحة لا تسمح، فهذا الولد دون السادسة، ولن يدخل المدرسة إلا على جثتي!! ثم هو مستعجل على إيش؟ ما حدث هو ان المؤسسات التعليمية في بلدين كبيرين وغنيين ومليئين بالمواهب والنوابغ تصارعت للفوز به، وتفهمت سلطات الهجرة الأمريكية أهمية اجتذاب شخص موهوب فسمحت لعائلته بدخول الأراضي الأمريكية كمهاجرين قانونيين. رغم انهم يحملون الجينات الارهابية كونهم مسلمين وعربا، والغاية هي «الاستثمار في طفل ليصبح عملاقا علميا وأكاديميا بعد سنوات».
في حفل مهيب في جلينلاند في ولاية اريزونا الامريكية تسلمت أماندا الجمل وعمرها 8 سنوات جائزة التفوق ورسالة تقدير من الرئيس الامريكي، وهذه البنية هاجر اهلها من مصر، وقد تصبح علما مثل أحمد زويل، فنتذكر عندها انها «كانت» مصرية!! إنهم استشرافيون، وعندهم الفيوتشرولوجي أي علم المستقبل، بينما نحن نستهدي بالـ«شيشبيشولوجي»، فأمورنا شيش بيش، وكل شيء بالحظ والمصادفة، يعتمد على الرقم الذي تجود به «النرد». والتخطيط عندنا فيه الكثير من الطيط، والقليل من الـ«تخ»، الذي هو الضرب في الصميم.
بصفة عامة يمكن القول بأننا نقامر في كافة شؤون حياتنا العامة، نكلف شركة بإنشاء جسر علوي، ويكتمل المشروع ونكتشف أنها اكتفت بإقامة نفق، فنقول: نفق، نفق... خلاص يؤدي الغرض! وقس على ذلك: نقامر بثرواتنا وقضايانا وبمستقبل أولادنا وأحفادنا ولا نفكر في الغد بحجة أنه «ليس في اليد»، والآدمي عندنا يصبح مجرد رقم او إحصائية منذ اليوم الأول لالتحاقه بالتعليم النظامي، وشيئا فشيئا يتحول الى دمية تتحكم فيها اللوائح والقوانين التي صاغها ساديون، فتضيق بلداننا على اتساعها بأبنائها وبناتها فيهاجرون ويطفشون. وتحتضنهم بلاد لا يعرفون لسانها ولا عاداتها فتعيد برمجتهم ليتفوق بعضهم فتتباهى بهم بلاد المهجر فلا يبقى لنا سوى أن نصيح: بس من أصول عربية!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك