العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

شتان ما بين تعليم وتأليم

كثيرا‭ ‬ما‭ ‬لطمت‭ ‬خَدّي‭ ‬ولعنت‭ ‬حظي‭ ‬بسبب‭ ‬بؤس‭ ‬التعليم‭ ‬الذي‭ ‬تلقيته،‭ ‬وأقول‭ ‬للمرة‭ ‬العاشرة‭ ‬بعد‭ ‬السبعين،‭ ‬إنني‭ ‬شاهد‭ ‬شاف‭ ‬كل‭ ‬حاجة‭ ‬عن‭ ‬بؤس‭ ‬الحال‭ ‬ذلك‭ ‬بحكم‭ ‬أنني‭ ‬مارست‭ ‬التدريس،‭ ‬ثم‭ ‬صرت‭ ‬أباً‭ ‬لعيال‭ ‬وحرصت‭ ‬قدر‭ ‬استطاعتي‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬تعليم‭ ‬يحترم‭ ‬العقل‭ ‬وينميه‭ ‬لهم،‭ ‬وأنقلكم‭ ‬اليوم‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬مختلف،‭ ‬تحترم‭ ‬فيه‭ ‬المناهج‭ ‬والحكومات‭ ‬النبوغ‭ ‬وترعاه‭.‬

الحكاية‭ ‬التالية‭ ‬من‭ ‬أرشيفي،‭ ‬وتعود‭ ‬الى‭ ‬سنوات‭ ‬ليست‭ ‬بالقليلة،‭ ‬ولكنني‭ ‬ظللت‭ ‬محتفظا‭ ‬بها‭ ‬لأهديها‭ ‬الى‭ ‬عباقرة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬بلداننا،‭ ‬ومصدرها‭ ‬صحيفة‭ ‬الخليج‭ ‬الإماراتية،‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬مطالعتها‭ ‬وأنا‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬منافستها‭ ‬جريدة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإماراتية،‭ ‬وهي‭ ‬عن‭ ‬نابغة‭ ‬كندي‭ ‬كان‭ ‬يبلغ‭ ‬وقتها‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬ومن‭ ‬قرأوا‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الفتى‭ ‬سيصيحون‭ ‬محتجين‭: ‬لا‭ ‬إنه‭ ‬لبناني‭! ‬وسأرد‭ ‬عليهم‭: ‬كان‭. ‬فأمه‭ ‬وأوبوه‭ ‬‮«‬كانا‮»‬‭ ‬لبنانيين‭ ‬وهاجرا‭ ‬الى‭ ‬كندا‭ ‬حيث‭ ‬ولد‭ ‬صاحبنا‭ ‬هناك،‭ ‬وبدأ‭ ‬يتكلم‭ ‬وعمره‭ ‬سبعة‭ ‬اشهر،‭ ‬وفي‭ ‬سن‭ ‬الثانية‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬استخدام‭ ‬الأطلس،‭ ‬ويعرف‭ ‬مواقع‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬دولة‭ ‬وعواصمها‭ ‬وأعلامها،‭ ‬أما‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭ ‬الذي‭ ‬مازال‭ ‬ابو‭ ‬الجعافر‭ ‬يستعين‭ ‬عليه‭ ‬بالآلة‭ ‬الحاسبة،‭ ‬فقد‭ ‬حسم‭ ‬الصغير‭ ‬أمره‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يكمل‭ ‬الثانية‭ ‬ايضا،‭ ‬وصار‭ ‬يتحدث‭ ‬العربية‭ ‬والفرنسية‭ ‬والإنجليزية‭ ‬بطلاقة،‭ ‬ويستطيع‭ ‬ان‭ ‬يستذكر‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى‭ ‬التسعة‭ ‬والتسعين‭ ‬خلال‭ ‬اقل‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬ثانية،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬ذاع‭ ‬أمره‭ ‬حتى‭ ‬انهالت‭ ‬عليه‭ ‬العروض‭ ‬من‭ ‬مدارس‭ ‬النوابغ‭ ‬والمتفوقين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حتى‭ ‬فازت‭ ‬إحداهن‭ ‬به،‭ ‬وأثار‭ ‬ذلك‭ ‬حفيظة‭ ‬بعض‭ ‬نواب‭ ‬البرلمان‭ ‬الكندي‭ ‬الذين‭ ‬قالوا‭ ‬ان‭ ‬ذلك‭ ‬النابغة‭ ‬اضطر‭ ‬الى‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬مدارس‭ ‬خاصة‭ ‬بالموهوبين‭ ‬في‭ ‬كندا،‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬مدرسة‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬السرعة،‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬تلميذها‭ ‬الأوحد‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬يلتحق‭ ‬بها‭ ‬غيره‭ ‬لاحقا،‭ ‬ولكن‭ ‬العرض‭ ‬الامريكي‭ ‬كان‭ ‬مغريا‭ ‬فقررت‭ ‬أمه‭ ‬النزوح‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬كندا‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيث‭ ‬ينال‭ ‬الجنسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬له‭ ‬البقاء‭ ‬فيها‭ ‬كي‭ ‬تستفيد‭ ‬منه‭ ‬البلاد‭ ‬مستقبلا‭. ‬أرجو‭ ‬أن‭ ‬تتذكروا‭ ‬ما‭ ‬قلته‭ ‬أعلاه‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ذلك‭ ‬الفتى‭: ‬خمس‭ ‬سنوات‮»‬‭!! ‬لم‭ ‬تقل‭ ‬جهة‭ ‬ما‭: ‬اللائحة‭ ‬لا‭ ‬تسمح،‭ ‬فهذا‭ ‬الولد‭ ‬دون‭ ‬السادسة،‭ ‬ولن‭ ‬يدخل‭ ‬المدرسة‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬جثتي‭!! ‬ثم‭ ‬هو‭ ‬مستعجل‭ ‬على‭ ‬إيش؟‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬في‭ ‬بلدين‭ ‬كبيرين‭ ‬وغنيين‭ ‬ومليئين‭ ‬بالمواهب‭ ‬والنوابغ‭ ‬تصارعت‭ ‬للفوز‭ ‬به،‭ ‬وتفهمت‭ ‬سلطات‭ ‬الهجرة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أهمية‭ ‬اجتذاب‭ ‬شخص‭ ‬موهوب‭ ‬فسمحت‭ ‬لعائلته‭ ‬بدخول‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية‭ ‬كمهاجرين‭ ‬قانونيين‭. ‬رغم‭ ‬انهم‭ ‬يحملون‭ ‬الجينات‭ ‬الارهابية‭ ‬كونهم‭ ‬مسلمين‭ ‬وعربا،‭ ‬والغاية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬طفل‭ ‬ليصبح‭ ‬عملاقا‭ ‬علميا‭ ‬وأكاديميا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‮»‬‭.‬

في‭ ‬حفل‭ ‬مهيب‭ ‬في‭ ‬جلينلاند‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬اريزونا‭ ‬الامريكية‭ ‬تسلمت‭ ‬أماندا‭ ‬الجمل‭ ‬وعمرها‭ ‬8‭ ‬سنوات‭ ‬جائزة‭ ‬التفوق‭ ‬ورسالة‭ ‬تقدير‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الامريكي،‭ ‬وهذه‭ ‬البنية‭ ‬هاجر‭ ‬اهلها‭ ‬من‭ ‬مصر،‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬علما‭ ‬مثل‭ ‬أحمد‭ ‬زويل،‭ ‬فنتذكر‭ ‬عندها‭ ‬انها‭ ‬‮«‬كانت‮»‬‭ ‬مصرية‭!! ‬إنهم‭ ‬استشرافيون،‭ ‬وعندهم‭ ‬الفيوتشرولوجي‭ ‬أي‭ ‬علم‭ ‬المستقبل،‭ ‬بينما‭ ‬نحن‭ ‬نستهدي‭ ‬بالـ«شيشبيشولوجي‮»‬،‭ ‬فأمورنا‭ ‬شيش‭ ‬بيش،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬بالحظ‭ ‬والمصادفة،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الرقم‭ ‬الذي‭ ‬تجود‭ ‬به‭ ‬‮«‬النرد‮»‬‭. ‬والتخطيط‭ ‬عندنا‭ ‬فيه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الطيط،‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬الـ«تخ‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الضرب‭ ‬في‭ ‬الصميم‭.‬

بصفة‭ ‬عامة‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأننا‭ ‬نقامر‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬شؤون‭ ‬حياتنا‭ ‬العامة،‭ ‬نكلف‭ ‬شركة‭ ‬بإنشاء‭ ‬جسر‭ ‬علوي،‭ ‬ويكتمل‭ ‬المشروع‭ ‬ونكتشف‭ ‬أنها‭ ‬اكتفت‭ ‬بإقامة‭ ‬نفق،‭ ‬فنقول‭: ‬نفق،‭ ‬نفق‭... ‬خلاص‭ ‬يؤدي‭ ‬الغرض‭! ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭: ‬نقامر‭ ‬بثرواتنا‭ ‬وقضايانا‭ ‬وبمستقبل‭ ‬أولادنا‭ ‬وأحفادنا‭ ‬ولا‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬الغد‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬في‭ ‬اليد‮»‬،‭ ‬والآدمي‭ ‬عندنا‭ ‬يصبح‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬او‭ ‬إحصائية‭ ‬منذ‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬لالتحاقه‭ ‬بالتعليم‭ ‬النظامي،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬يتحول‭ ‬الى‭ ‬دمية‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬اللوائح‭ ‬والقوانين‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬ساديون،‭ ‬فتضيق‭ ‬بلداننا‭ ‬على‭ ‬اتساعها‭ ‬بأبنائها‭ ‬وبناتها‭ ‬فيهاجرون‭ ‬ويطفشون‭. ‬وتحتضنهم‭ ‬بلاد‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬لسانها‭ ‬ولا‭ ‬عاداتها‭ ‬فتعيد‭ ‬برمجتهم‭ ‬ليتفوق‭ ‬بعضهم‭ ‬فتتباهى‭ ‬بهم‭ ‬بلاد‭ ‬المهجر‭ ‬فلا‭ ‬يبقى‭ ‬لنا‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬نصيح‭: ‬بس‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬عربية‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا