زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
شتان ما بين احتفال واحتفال
تم الاحتفال بتخريج دفعتنا من الجامعة في ميدان كرة قدم يتوسط الحرم الجامعي، وبانتهاء الحفل الرسمي واختلاط الحابل بالنابل لتبادل التهاني، ضاعت مني الشهادة الأنيقة المُذهّبة، وبعد حملة تفتيش شارك فيها العشرات تم العثور عليها مهروسة، لا تصلح حتى لتنظيف البلاط، وكان ذلك آخر عهدي بتلك الشهادة، وعلى كل حال فجهات العمل تطلب الشهادة المطبوعة على ورق عادي وتحوي تفاصيل لا تتسع لها الشهادات الأنيقة
وما زال يوم أكملت كبرى بناتي تعليمها الجامعي بامتياز، محفورا في ذاكرتي. قلت لها: مبروك طالعة لأبوكِ، هيا إلى أحد المطاعم لنحتفل بنجاحك، ولكنها قالت انها تفضل ان تحتفل في البيت في حضور نحو تسع من قريباتها وصديقاتها، فطلبت منها تحديد ما تريد تقديمه من طعام لضيوفها، و«رقبتي سدادة»، وبعد التفاكر مع أمها التي هي في نفس الوقت زوجتي الوحيدة، اتضح ان الميزانية المطلوبة للحفل لا تزيد على نحو 150 دولارا، فقلت: تستأهلين، ثم طلبت منها ان تختار هدية جميلة أقدمها لها فطلبت شيئا لا يزيد ثمنه على 100 دولار وكان لها ما أرادت، وكانت في منتهى السعادة بكل ذلك.
بعدها بيومين دخلت بنتي تلك علي وبيدها صحيفة وقرأت بصوت مسموع تقريرا يقول ان بعض الطالبات في جامعة عربية، احتفلن بالتخرج قبل إعلان النتائج. فقلت لها: هذا تعبير عن ثقتهن بأنفسهن وأدائهن المتميز في الامتحانات. فقالت: طوِّل بالك، ثم واصلت قراءة التقرير .... فأصبت بدوار.. احتفلن بالنجاح في فنادق خمسة نجوم بكلفة ناهزت 150 ألف دولار (للطالبة الواحدة)، وكان بعضهن قد استعد للمناسبة بفساتين قيمتها نحو 5000 دولار .. بس!! ما هذا؟ فلو وجدت الواحدة منهن وظيفة فلن يكون راتبها أكثر من نحو 1500-2000 دولار في الشهر، ولو وضعت راتبها ذاك بالكامل شهرا بعد شهر تحت المخدة، فإنها ستحتاج إلى عشر سنوات لتغطي قيمة حفل التخرُّج، ومضى التقرير قائلا ان بعض الطالبات يتفقن مع فنان معروف كي يؤلف ويلحن أغنية يتردد فيها اسم الطالبة وسنة التخرج، وبما انني صاحب باع طويل في مجال تأليف الأغاني، وكتبت وأنا في سن الحادية عشرة تقريبا قصيدة: من نارك يا جافي/ انا طالب المطافي!! وهي نفس السن التي كتب فيها المتنبي: أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ/ وجوى يفيض وعبرة تترقرق. المهم انني على استعداد لكتابة أغاني التخرج لمن ترغب بواقع 3000 دولار للخريجة الواحدة، وكي أؤكد براعتي في هذا المجال إليكم مطلع القصيدة التي ألفتها لقريبتنا «وافية» التي تخرجت حديثا في الجامعة: يا وافية/ يا بتاعت الجغرافيا/ خريجة عام الفين وعشرة وثلاثة/ وأبوك طلق أمك بالثلاثة!! وإذا كانت الخريجة اسمها نوره مثلا ستكون القصيدة: يا نورة.. يا أحلى من ايمان بنورة.. لما أخدت البكالوريوس/ احتفل العلوج والهندوس!
وفي نفس الصفحة التي سَمّ فيها ذلك التقرير بدني، قرأت تقريرا آخر مفاده ان هناك فساتين زفاف قيمتها 80 ألف دولار، وأن بعض الشبان يقدمون للعروس ساعات قيمة الواحدة 30 ألف دولار! وسؤال بريء: هل الفستان أبو 80 ألفا يأتي ومعه ضمان لخمس سنوات على الأقل بأن الزيجة ستنجح؟ وهل الساعة ام 30 ألفا يقود تروسها آدمي يجلس بداخلها؟ عندما تزوجت أتيت لزوجتي بفستان زفاف من لندن ليس لأنني شخص «راقي»، بل لأنني كنت وقتها أدرس في لندن، وبعد الزواج جعلنا الفستان «وقفا».. وكلما سمعنا بان فلانة التي نعرفها ستتزوج غسلناه، وقدمناه لها، وهكذا ظل الفستان متداولا حتى انتهت صلاحيته بينما استمرت صلاحية الزيجات التي شارك فيها. ذلك الفستان الذي أدخل السرور على العديد من العرائس لم تكن قيمته تزيد على 150 دولارا!!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك