العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٣ - الاثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

شتان ما بين احتفال واحتفال

تم‭ ‬الاحتفال‭ ‬بتخريج‭ ‬دفعتنا‭ ‬من‭ ‬الجامعة‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬يتوسط‭ ‬الحرم‭ ‬الجامعي،‭ ‬وبانتهاء‭ ‬الحفل‭ ‬الرسمي‭ ‬واختلاط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬لتبادل‭ ‬التهاني،‭ ‬ضاعت‭ ‬مني‭ ‬الشهادة‭ ‬الأنيقة‭ ‬المُذهّبة،‭ ‬وبعد‭ ‬حملة‭ ‬تفتيش‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬العشرات‭ ‬تم‭ ‬العثور‭ ‬عليها‭ ‬مهروسة،‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬حتى‭ ‬لتنظيف‭ ‬البلاط،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬آخر‭ ‬عهدي‭ ‬بتلك‭ ‬الشهادة،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فجهات‭ ‬العمل‭ ‬تطلب‭ ‬الشهادة‭ ‬المطبوعة‭ ‬على‭ ‬ورق‭ ‬عادي‭ ‬وتحوي‭ ‬تفاصيل‭ ‬لا‭ ‬تتسع‭ ‬لها‭ ‬الشهادات‭ ‬الأنيقة

وما‭ ‬زال‭ ‬يوم‭ ‬أكملت‭ ‬كبرى‭ ‬بناتي‭ ‬تعليمها‭ ‬الجامعي‭ ‬بامتياز،‭ ‬محفورا‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭. ‬قلت‭ ‬لها‭: ‬مبروك‭ ‬طالعة‭ ‬لأبوكِ،‭ ‬هيا‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المطاعم‭ ‬لنحتفل‭ ‬بنجاحك،‭ ‬ولكنها‭ ‬قالت‭ ‬انها‭ ‬تفضل‭ ‬ان‭ ‬تحتفل‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬نحو‭ ‬تسع‭ ‬من‭ ‬قريباتها‭ ‬وصديقاتها،‭ ‬فطلبت‭ ‬منها‭ ‬تحديد‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬لضيوفها،‭ ‬و«رقبتي‭ ‬سدادة‮»‬،‭ ‬وبعد‭ ‬التفاكر‭ ‬مع‭ ‬أمها‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬زوجتي‭ ‬الوحيدة،‭ ‬اتضح‭ ‬ان‭ ‬الميزانية‭ ‬المطلوبة‭ ‬للحفل‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬150‭ ‬دولارا،‭ ‬فقلت‭: ‬تستأهلين،‭ ‬ثم‭ ‬طلبت‭ ‬منها‭ ‬ان‭ ‬تختار‭ ‬هدية‭ ‬جميلة‭ ‬أقدمها‭ ‬لها‭ ‬فطلبت‭ ‬شيئا‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬ثمنه‭ ‬على‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬أرادت،‭ ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬السعادة‭ ‬بكل‭ ‬ذلك‭.‬

بعدها‭ ‬بيومين‭ ‬دخلت‭ ‬بنتي‭ ‬تلك‭ ‬علي‭ ‬وبيدها‭ ‬صحيفة‭ ‬وقرأت‭ ‬بصوت‭ ‬مسموع‭ ‬تقريرا‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الطالبات‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬عربية،‭ ‬احتفلن‭ ‬بالتخرج‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭. ‬فقلت‭ ‬لها‭: ‬هذا‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬ثقتهن‭ ‬بأنفسهن‭ ‬وأدائهن‭ ‬المتميز‭ ‬في‭ ‬الامتحانات‭. ‬فقالت‭: ‬طوِّل‭ ‬بالك،‭ ‬ثم‭ ‬واصلت‭ ‬قراءة‭ ‬التقرير‭ .... ‬فأصبت‭ ‬بدوار‭.. ‬احتفلن‭ ‬بالنجاح‭ ‬في‭ ‬فنادق‭ ‬خمسة‭ ‬نجوم‭ ‬بكلفة‭ ‬ناهزت‭ ‬150‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ (‬للطالبة‭ ‬الواحدة‭)‬،‭ ‬وكان‭ ‬بعضهن‭ ‬قد‭ ‬استعد‭ ‬للمناسبة‭ ‬بفساتين‭ ‬قيمتها‭ ‬نحو‭ ‬5000‭ ‬دولار‭ .. ‬بس‭!! ‬ما‭ ‬هذا؟‭ ‬فلو‭ ‬وجدت‭ ‬الواحدة‭ ‬منهن‭ ‬وظيفة‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬راتبها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬1500‭-‬2000‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬الشهر،‭ ‬ولو‭ ‬وضعت‭ ‬راتبها‭ ‬ذاك‭ ‬بالكامل‭ ‬شهرا‭ ‬بعد‭ ‬شهر‭ ‬تحت‭ ‬المخدة،‭ ‬فإنها‭ ‬ستحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬لتغطي‭ ‬قيمة‭ ‬حفل‭ ‬التخرُّج،‭ ‬ومضى‭ ‬التقرير‭ ‬قائلا‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الطالبات‭ ‬يتفقن‭ ‬مع‭ ‬فنان‭ ‬معروف‭ ‬كي‭ ‬يؤلف‭ ‬ويلحن‭ ‬أغنية‭ ‬يتردد‭ ‬فيها‭ ‬اسم‭ ‬الطالبة‭ ‬وسنة‭ ‬التخرج،‭ ‬وبما‭ ‬انني‭ ‬صاحب‭ ‬باع‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تأليف‭ ‬الأغاني،‭ ‬وكتبت‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬تقريبا‭ ‬قصيدة‭: ‬من‭ ‬نارك‭ ‬يا‭ ‬جافي‭/ ‬انا‭ ‬طالب‭ ‬المطافي‭!! ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬السن‭ ‬التي‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭ ‬المتنبي‭: ‬أرقٌ‭ ‬على‭ ‬أرقٍ‭ ‬ومثلي‭ ‬يأرقُ‭/ ‬وجوى‭ ‬يفيض‭ ‬وعبرة‭ ‬تترقرق‭. ‬المهم‭ ‬انني‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬لكتابة‭ ‬أغاني‭ ‬التخرج‭ ‬لمن‭ ‬ترغب‭ ‬بواقع‭ ‬3000‭ ‬دولار‭ ‬للخريجة‭ ‬الواحدة،‭ ‬وكي‭ ‬أؤكد‭ ‬براعتي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬إليكم‭ ‬مطلع‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬ألفتها‭ ‬لقريبتنا‭ ‬‮«‬وافية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تخرجت‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭: ‬يا‭ ‬وافية‭/ ‬يا‭ ‬بتاعت‭ ‬الجغرافيا‭/ ‬خريجة‭ ‬عام‭ ‬الفين‭ ‬وعشرة‭ ‬وثلاثة‭/ ‬وأبوك‭ ‬طلق‭ ‬أمك‭ ‬بالثلاثة‭!! ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الخريجة‭ ‬اسمها‭ ‬نوره‭ ‬مثلا‭ ‬ستكون‭ ‬القصيدة‭: ‬يا‭ ‬نورة‭.. ‬يا‭ ‬أحلى‭ ‬من‭ ‬ايمان‭ ‬بنورة‭.. ‬لما‭ ‬أخدت‭ ‬البكالوريوس‭/ ‬احتفل‭ ‬العلوج‭ ‬والهندوس‭!‬

وفي‭ ‬نفس‭ ‬الصفحة‭ ‬التي‭ ‬سَمّ‭ ‬فيها‭ ‬ذلك‭ ‬التقرير‭ ‬بدني،‭ ‬قرأت‭ ‬تقريرا‭ ‬آخر‭ ‬مفاده‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬فساتين‭ ‬زفاف‭ ‬قيمتها‭ ‬80‭ ‬ألف‭ ‬دولار،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الشبان‭ ‬يقدمون‭ ‬للعروس‭ ‬ساعات‭ ‬قيمة‭ ‬الواحدة‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭! ‬وسؤال‭ ‬بريء‭: ‬هل‭ ‬الفستان‭ ‬أبو‭ ‬80‭ ‬ألفا‭ ‬يأتي‭ ‬ومعه‭ ‬ضمان‭ ‬لخمس‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬بأن‭ ‬الزيجة‭ ‬ستنجح؟‭ ‬وهل‭ ‬الساعة‭ ‬ام‭ ‬30‭ ‬ألفا‭ ‬يقود‭ ‬تروسها‭ ‬آدمي‭ ‬يجلس‭ ‬بداخلها؟‭ ‬عندما‭ ‬تزوجت‭ ‬أتيت‭ ‬لزوجتي‭ ‬بفستان‭ ‬زفاف‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬شخص‭ ‬‮«‬راقي‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬وقتها‭ ‬أدرس‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬وبعد‭ ‬الزواج‭ ‬جعلنا‭ ‬الفستان‭ ‬‮«‬وقفا‮»‬‭.. ‬وكلما‭ ‬سمعنا‭ ‬بان‭ ‬فلانة‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬ستتزوج‭ ‬غسلناه،‭ ‬وقدمناه‭ ‬لها،‭ ‬وهكذا‭ ‬ظل‭ ‬الفستان‭ ‬متداولا‭ ‬حتى‭ ‬انتهت‭ ‬صلاحيته‭ ‬بينما‭ ‬استمرت‭ ‬صلاحية‭ ‬الزيجات‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭. ‬ذلك‭ ‬الفستان‭ ‬الذي‭ ‬أدخل‭ ‬السرور‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العرائس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قيمته‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬150‭ ‬دولارا‭!!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا