العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عطب في الدواء والرقابة

إليكم‭ ‬اليوم‭ ‬بعض‭ ‬حكاية‭ ‬الصيني‭ ‬زينغ‭ ‬زياويو‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬حكم‭ ‬عليه‭ ‬بالإعدام‭ ‬قبل‭ ‬أعوام،‭ ‬وتم‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬مؤخرا‭. ‬وكان‭ ‬الرجل‭ ‬رئيسا‭ ‬لهيئة‭ ‬الأغذية‭ ‬والأدوية‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬وخلال‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬توفي‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬إثر‭ ‬تناولهم‭ ‬مضادا‭ ‬حيويا‭ ‬سمحت‭ ‬الهيئة‭ ‬بتسويقه،‭ ‬واكتشفت‭ ‬السلطات‭ ‬أن‭ ‬زياويو‭ ‬سمح‭ ‬بتداول‭ ‬منتجات‭ ‬8‭ ‬مصانع‭ ‬للأدوية‭ ‬دون‭ ‬إخضاعها‭ ‬للرقابة‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬جدواها‭ ‬الطبية‭ ‬وصلاحيتها‭ ‬للتسويق‭ ‬والتداول‭. ‬طبعا‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬لوجه‭ ‬الله‭ ‬ولا‭ ‬حبا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المصانع،‭ ‬ولا‭ ‬لثقته‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬‮«‬قبض‭ ‬المعلوم‮»‬‭. ‬يعني‭ ‬قبض‭ ‬رشوة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭. ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬كم‭ ‬كان‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬تقاضاه‭ ‬من‭ ‬المصانع‭ ‬الثمانية؟‭ ‬425‭ ‬ألف‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭. ‬يعني‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬جنيه‭. ‬ولا‭ ‬أجد‭ ‬كلمات‭ ‬مناسبة‭ ‬أصف‭ ‬بها‭ ‬الرجل‭ ‬سوى‭ ‬أنه‭ ‬تافه‭ ‬وحقير‭ ‬ورخيص‭! ‬لو‭ ‬جاءنا‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تدريبية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لتعلم‭ ‬مغزى‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬سرقت‭ ‬فاسرق‭ ‬جمل‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الأيام‭ ‬مزاجي‭ ‬‮«‬نكدي‮»‬‭ ‬وبالتالي‭ ‬سأنكد‭ ‬عيشة‭ ‬القراء‭: ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭ ‬أصدرت‭ ‬السلطات‭ ‬الصحية‭ ‬والطبية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬تحذيرا‭ ‬عاما‭ ‬بأن‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬دخلت‭ ‬البلاد،‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬القائمة‭ ‬عقار‭ ‬بروتيني‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬علاجات‭ ‬الأطوار‭ ‬المتأخرة‭ ‬من‭ ‬سرطان‭ ‬البروستات‭ ‬عند‭ ‬الرجال‭. ‬ولأن‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬البريطاني‭ ‬عنده‭ ‬قيمة،‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬غرفة‭ ‬عمليات‭ ‬وتكليف‭ ‬مئات‭ ‬ضباط‭ ‬الشرطة‭ ‬والعلماء‭ ‬لتعقب‭ ‬تلك‭ ‬الأدوية،‭ ‬وتم‭ ‬اكتشاف‭ ‬أحد‭ ‬منافذ‭ ‬توزيعها‭ ‬واعتقال‭ ‬صاحبها،‭ ‬ثم‭ ‬الزج‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬السجن‭.‬

‭ ‬عقار‭ ‬سرطان‭ ‬البروستات‭ ‬المعني‭ ‬هو‭ ‬كاسودكس،‭ (‬العقار‭ ‬الأصلي‭ ‬تنتجه‭ ‬شركة‭ ‬استرازينيكا‭ ‬المعروفة‭) ‬ولكي‭ ‬لا‭ ‬يصاب‭ ‬متعاطو‭ ‬العقار‭ ‬بالهلع‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬إيضاح‭ ‬أن‭ ‬العبوات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬الرقم‭ ‬المتسلسل‭ (‬باتش‭ ‬65520‭) ‬فقط‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬المغشوشة،‭ ‬وأنه‭ ‬تم‭ ‬سحب‭ ‬كل‭ ‬الكمية‭ ‬من‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭. ‬وأسفرت‭ ‬التحقيقات‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬أيضا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬عمليات‭ ‬غش‭ ‬في‭ ‬عقار‭ ‬زيبريكسا‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬مرض‭ ‬الفصام،‭ ‬الاسكتزوفرانيا‭ (‬من‭ ‬باب‭ ‬‮«‬عجمي‭ ‬فالعب‭ ‬به‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬الكثيرين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يسمون‭ ‬ذلك‭ ‬المرض‭ ‬شيزوفرانيا‭. ‬لا‭ ‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬اسمه‭ ‬اسكتزوفرانيا‭) ‬وعقار‭ ‬بلافِكس‭ ‬المستخدم‭ ‬لتسييل‭ ‬الدم،‭ ‬وهو‭ ‬ثاني‭ ‬العقاقير‭ ‬الطبية‭ ‬بيعا‭ ‬وتداولا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ومطلوب‭ ‬بشدة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬من‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬الأسبرين‭ ‬أو‭ ‬أعراضه‭ ‬الجانبية‭. ‬وعند‭ ‬فحص‭ ‬تلك‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬بها‭ ‬مسحوق‭ ‬الطوب‭ (‬نعم‭ ‬الطوب‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬البناء‭) ‬والطباشير‭ ‬والطلاء‭ ‬ومواد‭ ‬تستخدم‭ ‬لتلميع‭ ‬الأثاث‭! ‬طبعا‭ ‬ستتساءل‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬فكيف‭ ‬يكون‭ ‬حالنا‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬تحث‭ ‬‮«‬حِكمنا‮»‬‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬السرقات‭ ‬الكبيرة‭ (‬اسرق‭ ‬جملا‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬معزة‭). ‬تذكروا‭ ‬أن‭ ‬مصيبتنا‭ ‬مزدوجة‭: ‬أسواقنا‭ ‬سهلة‭ ‬الاختراق‭. ‬وفي‭ ‬السودان‭ ‬تم‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬حظر‭ ‬تداول‭ ‬12‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬العقاقير‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬شركة‭ ‬دوائية‭ ‬عربية،‭ ‬وظلت‭ ‬تلك‭ ‬العقاقير‭ ‬نفسها‭ ‬تباع‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬فهل‭ ‬تم‭ ‬منع‭ ‬تداولها‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬لاعتبارات‭ ‬طبية‭ ‬وصحية‭ ‬أم‭ ‬لفتح‭ ‬السوق‭ ‬أمام‭ ‬أدوية‭ ‬تنتجها‭ ‬شركات‭ ‬لها‭ ‬وكلاء‭ ‬متنفذون‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬الدولة،‭ ‬والمصيبة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الأدوية‭ ‬الصينية‭ ‬المغشوشة‭ ‬يتم‭ ‬تسويقها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يستوردها‭ ‬تجار‭ ‬‮«‬الشنطة‮»‬‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يجلبون‭ ‬من‭ ‬اكسسوارات‭ ‬وأثاث‭ ‬وملابس‭ ‬وأجهزة‭ ‬كهربائية،‭ ‬أما‭ ‬المصيبة‭ ‬الثالثة‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يتناولون‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬العلف‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدقوا‭ ‬الخزعبلات‭ ‬القائلة‭ ‬بأن‭ ‬الأعشاب‭ ‬فيها‭ ‬الشفاء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬داء،‭ ‬بلا‭ ‬أعراض‭ ‬جانبية‭! (‬بالتأكيد‭ ‬فإن‭ ‬الصين‭ ‬متقدمة‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإنتاج‭ ‬الدوائي‭ ‬والصناعي‭ ‬عموما‭ ‬ولكن‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬فإنها‭ ‬أكبر‭ ‬منتج‭ ‬للسلع‭ ‬المضروبة،‭ ‬وهي‭ ‬معذورة‭: ‬كيف‭ ‬تراقب‭ ‬مليار‭ ‬ونصف‭ ‬مليار‭ ‬شخص‭ ‬بينما‭ ‬الأولوية‭ ‬لمراقبة‭ ‬المطالبين‭ ‬بالديمقراطية؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا