عالم يتغير
فوزية رشيد
من «جحيم دانتي» للخطاة إلى «جحيم إبستين» للأبرياء!
*ليست ملفات جزيرة «إبستين» الشيطانية للرعب مجرد قضية أخلاقية أو فضيحة عابرة، بل هي عنوان مركب تتداخل فيها أسباب سقوط الحضارة الغربية على عتبة هذه الجزيرة الشريرة، وغيرها من جزر الشيطان المنتشرة في المحيط الهادئ! وهذا التداخل الملحمي يحيلنا إلى حجم الغواية الغربية اليوم للبشرية كلها، حول القيم وحقوق الإنسان والنظام المؤسساتي الغربي للديموقراطية والليبرالية التي سقطت كلها في الحضيض ولا تزال منذ الحرب على غزة والانتهاكات الجسيمة التي شكلت صدمة للبشرية عبر ثلاثة أعوام، تتدحرج الصدمة العالمية إلى انكشاف الوجه الأقبح للنخبة الغربية ومن يواليهم، ولا عزاء لكل المنبهرين بالغرب، الذي بنى حضارته المادية على محاربة كل ما هو روحي وديني، مكتفيا بالتطور المادي ليجسد رمزيا الرؤية بعين واحدة أو عين «الدجال الأعور»! بل ليحول حربه على الفطرة الإنسانية خاصة في العقود الأخيرة إلى كل الشرور والخطايا الشيطانية التي لا تخطر على عقل بشر كما جاء في ملفات «إبستين» من وثائق تم كشفها (3 ملايين وثيقة) ومن فيديوهات مصورة بلغت أكثر من (190ألف فيديو) وعشرات الآلاف من الصور، توثق رحلة رعب فوق التصور البشري للممارسات والطقوس الشيطانية! وهو ما تناولنا جزءا منها في مقال سابق.
*بعد مشاهدة بعض الفيديوهات التي تجسد الرعب وتتفوق في رعبها على رعب أحلك المشاهد الهوليوودية ظلمة وسواداً!
كان لافتاً ذلك التلذذ الشيطاني بعذابات الأطفال! وكيفية ممارسة التعذيب عليهم بأكثر الأساليب وحشية، وبما لا يمكن تخيل أن بالإمكان أن يمتلك أحد أعصابا بذلك البرود، في تعذيب وإرعاب أطفال أبرياء! أو تلك الفيديوهات عن الأجنة لاستخلاص مواد مطلوبة من تكوينهم الجنيني! أو تلك الأجساد البشرية وهي تدخل بكامل بنيتها لتخرج «مكعبات لحمية»! أو أنماط اغتصاب الأطفال والمراهقات من قبل شخوص تتربع على عرش السلطة، أو المال أو الإعلام أو السياسة أو الأعمال! أو تتاجر في العلن بحقوق الإنسان، فيما هي في الجزيرة أو الجزر الأخرى تمارس أبشع الانتهاكات والتجارة والتعذيب بأجساد الأطفال والصغار! وكل ذلك مقدمات لممارسة الطقوس الشيطانية وعبادة الشيطان!
اللافت في هذا السقوط الأخلاقي والإنساني والحضاري، والانحدار إلى جحيم «إبستين» وجزيرته، هو المغزى المغاير لما كتبه (دانتي أليغييري) في العمل الأدبي الأكثر شهرة وهو «الكوميديا الإلهية» ذي الأقسام الثلاثة (الجحيم والمطهر والفردوس) في القرن الرابع عشر، والذي حمل نظرة خيالية بالاستعانة بالعناصر المجازية، لوصف الجحيم بحسب «المفهوم المسيحي» المتأثر بفلسفة القرون الوسطى، وكان «جحيم دانتي» ذات تأثير في كل أدباء ومفكري الغرب في تلك القرون ولاحقا» في جحيم دانتي «يمكث دانتي» يومين هناك في الجحيم ليصف بعدها عذابات من أدخلوا الجحيم بسبب معاصيهم، ويتعرض إلى تفاصيل التعذيب والآلام التي ستصيبهم، وحيث هم جميعاً من الأشرار والخطاة، ومرتكبي الخطايا السبع المميتة أو الذنوب الكاردينالية حسب التصور المسيحي في القرون الوسطى، ولكل ما هو غير أخلاقي وما قد يدفع بالإنسان إلى الوقوع في الخطيئة مثل (الغرور - الجشع - الشهوة - الحسد - الشراهة - الغضب والكسل)!
*أما في «جحيم إبستين» فالذين يتعذبون هم الأبرياء بل وأكثرهم براءة ومعصومية أي الأجنة والأطفال! في مفارقة غريبة لمفهوم الجحيم والعقاب بين عدالة الله وفسوق عبدة الشيطان وبأن يكون الجحيم للأشرار والخاطئين كما في الأديان التي استلهم منها دانتي جحيمه، ليكون في «جزيرة إبستين» الجحيم والعقاب هو للأبرياء والأكثر براءة في البشرية وهم الأطفال! وبذلك فإن الغرب الذي طالما لعب على قلب كل مفاهيم وقيم الأديان، وأعلن ماديته ونخبته التي أعلنت أن الشيطان إلها للعبادة! عمل هذه المرة ومنذ عقود طويلة حتى على قلب مفهوم الجحيم ليكون على خلاف الإرادة الإلهية! وبأن يكون تصويراً لعذابات الأبرياء وإلقاء العقاب عليهم، دون ذنب (إلا لأن عبدة الشيطان وممارسي الطقوس الشيطانية، يتقربون إلى معبودهم بالفتك بأجساد وأرواح الأطفال والأبرياء بأساليب مرعبة ومقززة! هل من مفارقة أشنع من هذا؟! وهل من زيف حول حقوق الإنسان أكثر من هذا؟!
*إن آليات الحضارة الغربية في تماديها في الخطايا والشرور بحق البشرية سواء بالممارسات الاستعمارية ضد الشعوب منذ قرون طويلة، أو بالصراعات والحروب والأوبئة والتلاعب الجيني والعلمي والتكنولوجي، وصلت في انحدارها إلى الوقوع في مستنقع الشيطان بشكل كامل لإرضاء نخبة شيطانية تمارس كل أشكال التعذيب بالإنسان في جزيرة «إبستين» وتفتح البوابة المحرمة بين عالم الشياطين والبشر! لكي تحصل نخبة مريضة ومجنونة ومهووسة بالشهوات والطقوس الشيطانية على إكسير الحياة.. من دم الأطفال ونخاع الأجنة! واغتصابهم وقتلهم، بل وتحويلهم إلى ذبائح للشواء كما في بعض الفيديوهات المسربة!
*هكذا هم يحاربون الدين ويحاربون الإنسان ويعلنون أمام العالم كله من يعبدون! ولماذا يفعلون ما يفعلون! حتى أصبح الإنسان مادة للاستهلاك التجاري والغرائزي الشيطاني، وحتى تحول إلى فريسة لإطعام الشهوات والطقوس السرية للشيطان في البساتين البوهيمية والجزر التي أعلن الغرب سقوطه النهائي في مستنقعاتها وأي سقوط؟! إنه الإعلان الرسمي لموت الغرب حضاريا وإنسانيا وأخلاقياً! كما توقع العديد من المفكرين وانكشاف كل شعاراته ومسرحياته حول حقوق الإنسان والأطفال والقيم الغربية! وحيث أصبح «جحيم إبستين» علامة فارقة لكل هذا السقوط، حيث الأشرار هم السادة المزيفون، فيما الأبرياء هم العبيد والمعذبون! ولو كان «دانتي» يعيش هذا العصر ويرى انكشاف الشر والشيطانية، تُرى ماذا كان سيكتب؟! حتماً سيخجل من انقلاب المفاهيم والقيم الغربية حول الخطاة والأشرار، في عالم يمتلئ اليوم بخطاياهم وشرورهم وعلى خطى الشيطان الذي يعبدونه علنا! ويقدمون له كل عام القرابين من أطفال وأبرياء البشر! دون رادع أو حساب أو عقاب دنيوي، مع اليقين بمكانهم في الجحيم الأخروي، وعقاب العدالة الإلهية بما كسبت أيديهم وأرواحهم الشريرة! والسؤال: متى يعلن العالم ثورته على هؤلاء المجانين والمرضى الشيطانيين؟! والساكت عن الحق شيطان أخرس!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك