عالم يتغير
فوزية رشيد
حرب على إيران أم على المنطقة؟!
{ في الوقت الذي بدأت فيه مجددا المفاوضات الإيرانية الأمريكية، يوم الجمعة الماضي، وأكد وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي» بعد انتهاء المفاوضات مع الجانب الأمريكي أن الاجواء كانت «إيجابية»! وأن هناك اتفاقا على استمرارية التفاوض، فإن قبل تلك المفاوضات في «مسقط» ظهرت التصريحات النارية من الجانبين! حيث لوح الرئيس الأمريكي «ترامب» بالخيار العسكري ضد إيران مجدداً، وقال (إن على المرشد علي خامنئي أن يكون قلقاً)! فيما حذر (علي أكبر ولايتي) مستشار «خامنئي»، وهو يستعرض جاهزية إيران العسكرية للحرب قائلاً «إذا اندلعت حرب، فإن نطاقها سيشمل جميع مناطق الجغرافيا الإقليمية وكل قواعد الولايات المتحدة من الأراضي المحتلة إلى منطقة الخليج وبحر عمان حيث توجد القواعد الأمريكية»!
{ ولأن المفاوضات مرشحة للفشل أو الانهيار في النهاية! بسبب اختلاف وجهة المفاوضات بين واشنطن وطهران، حيث تصدر واشنطن على أن تشمل المفاوضات ترسانة طهران الصاروخية، وتصر إيران على مناقشة برنامجها النووي فقط، فإن التوتر يحيط بالمنطقة، وتسعى أطراف عربية وإقليمية تجنيب المنطقة مواجهة عسكرية بين الطرفين، خشية تطورها إلى حرب أوسع أو حرب شاملة، فاصلة أن نظام ولاية الفقيه يتجه إلى خيار «شمشون» (علي وعلى أعدائي) بل وعلى كل الدول المحيطة في الخليج والاقليم) التي تسعى إلى خيار المفاوضات بجدية بدل المواجهة العسكرية! وكان من المفترض أن مفاوضات يوم «الجمعة» الماضي بين طهران وواشنطن تتم في تركيا وبمشاركتها ومشاركة أطراف عربية أخرى منها السعودية، ولكن لغايات إيرانية أصرت على نقل المفاوضات إلى مسقط، رغم أهمية المشاركة العربية والاقليمية في تلك المفاوضات، في ظل التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق المواجهة العسكرية خليجياً وإقليمياً، كما صرح «علي أكبر ولايتي»!
{ لو كانت المسألة خلافا ثنائيا أو حربا عسكرية بين الطرفين فقط، لكان التوتر الخليجي والاقليمي محدوداً بذلك أيضاً! ولكن الولايات المتحدة بعيدة جداً جغرافياً، والمخاطر تحيط فقط بقواعدها العسكرية وحركة سفنها الحربية الملاحية، فإن كلمة «فقط» هنا تعني الجغرافيا العربية والاقليمية، التي توجد فيها تلك القواعد بحسب اتفاقيات مُبرمة سابقاً، والوبال سيكون على الدول نفسها وشعوبها، وليس على أرض أمريكا أو شعبها! وهذا يعني رسم خارطة فوضى كبيرة في كامل المنطقة وتعرضها لتداعيات خطرة بسبب المواجهة العسكرية هذه المرة لأن أهدافها مختلفة، ومن المفترض أن ترى الولايات المتحدة المدفوعة من «الكيان الصهيوني» بدفع قوي! أن ترى آثار مواجهتها على دول الجوار، التي يُراد دفعها إلى الدخول في حرب جديدة، قد تكون أكثر كارثية من سابقاتها من دون أن يكون لها في تلك الحرب ناقة أو جمل! بل إن التأثيرات الاقتصادية والتدميرية ستشمل بدورها الاقتصاد العالمي كله، وحركة الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وتأثيرات أخرى تريد دول الخليج ودول المنطقة تجنبها!
{ إن نظام ولاية الفقيه «القائم» منذ ثورة 1979، ومنذ مجيئه تسبب بالكثير من الكوارث داخل إيران وخارجها، بسبب نهجه العدائي والقتالي، منذ البداية سواء بتصدير ثورته المتسمة بحسب الدستور بالطائفية، أو بالرداء الزائف الذي لبسه حول فلسطين والمقاومة بأذرع مليشياوية طائفية بالطموح الإمبراطوري الوهمي للتوسع والتمدد! ما جعل الخليج والمنطقة بين مطرقه التوسع الصهيوني وسندان التوسع الصهيوني الطائفي! والنظام الذي لم يأخذ العبرة من كل أحداث الداخل الإيراني الرافض لمنهجه، هو الآن في مأزق وجودي يشير بوضوح إلى أن استمرار «القيادة الدينية المطلقة» وبالطموحات التوسعية غير ممكن مدة تطول أكثر بعد 47 عاما منذ وجودها، من دون إحداث تغييرات حقيقية سواء في بنيه الحكم أو في المنهج الثوري العدائي تجاه الدول الأخرى! وخاصة ان الغرب الاستعماري الذي أوجد «النظام الطائفي» استنفد غاياته من هذا النظام، في ظل تطلعات «الكيان الصهيوني» للاستفراد بالتوسع الإقليمي كما يرى قادته المتطرفون الذين يقودون الصهيونية الدينية في الكيان!
{ حين يضع غلاف «تايم» المجلة الأمريكية عنوان (ما بعد آية الله) فإنه في هذا التوقيت تحديدا يضع احتمالات قادمة حول مستقبل النظام الإيراني، وفي توقيت دقيق تتصاعد فيه نوايا الحرب على إيران رغم المفاوضات الجارية! وحيث الداخل الايراني يعاني من ضغوط اقتصادية كارثية، واحتجاجات ومظاهرات متكررة، وصراع أجنحة داخل المؤسسة السياسية الدينية، وتوترات إقليمية، ما يجعل النظام الايراني الطائفي والثيوقراطي أمام التنازل وتجرع كأس السم مجددًا، أو تدمير نفسه كنظام وتدمير إيران كبلد، وخلق بيئية فوضوية وتداعيات خطرة في دول الجوار! والمستفيد الحقيقي في النهاية هو «مشروع الفوضى والتقسيم» في المنطقة بل وفي إيران نفسها ذات العرقيات المختلفة!
{ الاحتمالات السياسية كلها مطروحة، ومن أهمها أن تعدد إيران إلى رشدها وتغير نهجها العدائي وطموحها الاستعماري التوسعي وتقوم بتقديم التنازلات في ذلك النهج سواء في «ملفها النووي» أو في لعبة الأذرع التي لا تزال دائرة! أو حتى في غايات توجيه صواريخها الباليستية، التي لم توجهها قط لتدمير الكيان الصهيوني كما كانت تقول، وإنما لتوجيه رسائل له عبرها وهي الرسائل غير القاتلة على عكس ما تدعي!
وما دامت دوائر القرار الاستعمارية الغربية تعمل على نشر الفوضى وزيادة رقعه الحروب، استعدادا لحرب عالمية كبرى بينها وبين الصين، فإن إيران داخليا وخارجيا أمام مأزق وجودي حقيقي في ظل نهج «نظام ولاية الفقيه «الذي لن يتم تجاوزه» بالحلول العسكرية وخاصة في ظل توجهات أمريكا الصهيونية! وإنما بالمفاوضات الحقيقية التي تضع أولوية لمصلحة إيران نفسها كبلد وكشعب وليس كنظام! ولمصلحة كل دول المنطقة التي مدت يدها مراراً، رغم عدائية هذا النظام تجاهها! وإذا أراد الولي الفقيه الحرب الشاملة فإن غلاف «تايم» (ما بعد ولاية الفقيه) أكثر الاحتمالات المرشحة للحدوث بالنسبة إلى النظام الإيراني!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك