عالم يتغير
فوزية رشيد
ما هو أبعد من قانون الغاب!
{ وقد دخلت البشرية القرن الواحد والعشرين، بعد أن ارتحلت عبر آلاف السنين في رحلة طويلة، بنت فيها الحضارات منذ القدم، وأسست مبادئ وقيما سواء في العلاقات الفردية والأسرية أو العلاقات بين الدول والشعوب، لتخرج من طور البدائية إلى بناء الحضارات، والآثار الشاهدة عليها في عديد من بقاع الأرض، وتخلع عن نفسها لباس التوحش والغرائزية المدمرة، فإنها ها هي وقد دخلت القرن الواحد والعشرين حسب التاريخ الميلادي، تعود مجدداً بعد اختبارات الاستعمار القديم وويلاته على الشعوب، إلى أنماط جديدة من الانهيار الثقافي والفكري وانهيار القيم، لتجتاز هذه المرة ما هو أبعد من قانون الغاب الذي سجلته الذاكرة البشرية، باعتباره تعبيراً مجازيا، عن ما يسود في عالم الحيوان من صراع للبقاء والحكم فيه أن الأقوى يأكل الأضعف! وفي نظرنا أن اجتياز هذا التعبير إلى ما بعده، أي ما بعد قانون الغاب له مؤشرات كثيرة ودلالات مختلفة، تبرهن على أن الإنسان قد دخل مرحلة انهيار ما بناه من أسس ومبادئ وقيم، ليجعل من الفوضى في كل ذلك تعبيراً عن ما وصل إليه من همجية ووحشية في المجالين القانوني الدولي والأخلاقي يشكل عام! وفي مجال السياسة والاقتصاد والمجمعات!
{ في عالم الحيوان مفهوم الصداع للبقاء وحسب القانون أو شريعة الغاب، تحتكم إلى «عامل وجودي للبقاء» وهو عامل الجوع، وحيث الحيوان مهما كان قويا، لا يفترس من هو أضعف منه من الحيوانات وهو شبعان! أما في عالم الإنسان فإن هذا «العامل الوجودي» نادرا ما يكون هو المحرك الأساسي لاعتداء الأقوى على الأضعف، بل إن المحرك لديه هو الجشع والطمع والأنانية وتدهور الجانب القيمي والأخلاقي، الذي شرعن له إنسانيته كإنسان! ونجد ذلك على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول! وهو ما يرشحه إلى دخول عالم ما بعد قانون الغاب!
{ في القرون الماضية عرفت البشرية صراع الدول لا للبقاء أو الجوع، وإنما لشرعنة النهب والاستلاب ومسح الهويات، من خلال فرض القوة لا لكي يبقى وجوديا، وإنما لكي يزداد قوة على حساب الأمم والشعوب الأخرى! وهو كما هو معروف تجسد من خلال جشع القوى الاستعمارية - الكبرى، والشركات عابرة القارات، التي جعلت من منطق القوة المنطق السائد في العلاقات الدولية، وفي رسم السياسات الأممية ومؤسساتها ومنظماتها، وفي وضع المعايير اللا أخلاقية والقيم الفوضوية، لكي تسيطر أكثر وتهيمن بشكل أكبر، ومعيارها كما قلنا ليس صراعا للبقاء أو بسبب الجوع أو الفقر أو الحاجة الوجودية وإنما كصراع للمزيد من القوة ومن الهيمنة! حتى اتسعت ساحة هذا الصراع، مثلما اتسعت رقعة الشطرنج لتضع خارطة العالم كله على طاولتها هدفا لأطماعها وأنانيتها الدولية!
{ هنا نصل إلى مرحلة ما بعد الاستعمار القديم، إلى مرحلة الرأسمالية الإمبريالية، وإلى مرحلة العولمة المتوحشة، وإلى التلاعب بالتاريخ والجغرافيا والعلوم القديمة والحديثة وإلى تزوير المعرفة الكونية، وتشويه القيم الدينية والأخلاقية، وحيث لا معيار يحكم كل ذلك إلا منطق الهيمنة والقوة، ومنطق ما بعد شريعة الغاب، حيث البقاء ليس بدافع البقاء جوعاً أو فقراً، وإنما بدافع الجشع والشراهة فيه، وهو ما يتجاوز الحيوانية المعروفة كمصطلح، إلى الإنسانية التي تكتب سمة أدنى من الحيوانية! خاصة لدى القوى التي أعلنت موت الإله وموت الإنسان، وولادة عالم الآلة والروبوت والذكاء الاصطناعي، ولا يهم بعدها فناء أغلب البشرية! ولا تهم الأخلاقيات والقيم ولا القوانين الدولية ولا مبادئ السياسة الدولية، فكل ذلك قد دخل من باب الفوضى والهمجية ولم يخرج عنها، والأمل قائم في الخروج منها بقدرة القادر وحده!
{ المثال الحاضر اليوم لتجسيد كل ذلك هو ما قام به رئيس الدولة الأقوى «ترامب» وإدارته من خطف لرئيس دولة فنزويلا كتحرك أخير وتهديد دول أخرى تبدأ من كولومبيا وكوبا وكندا وجرينلاند ولا يقف التهديد عندهم! بل كل دولة في العالم تمتلك موارد طبيعية وثروات وموقعا إستراتيجيا هي على قائمة السطو الإمبريالي الأمريكي الجديد! وفي ذلك يقول «ترامب»: «لا أحتاج إلى القانون الدولي، أخلاقياتي فقط أو لا أخلاقياتي هي القانون وهي التي تحدّد صلاحياتي»! وبهذا تتم شرعنة الاستيلاء أو نهب أية دولة، تراها الولايات المتحدة! سواء من حيث الثروات أو الموقع، هدفاً لأمنها القومي! وبعقلية البلطجة والقرصنة الخاصة، تدار آليات وأدوات القوة العسكرية الأمريكية وقوتها الاقتصادية والسياسية لترسيخ الهيمنة والاستعمار الجديد، ضاربة عرض الحائط كل القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية! هاهنا لا يوجد صراع للبقاء، إنما شرعنة للتطرف الإمبريالي حيث تحول شريعة الغاب إلى مجرد نموذج بدائي للهمجية والفوضى والغرائزية والأنانية الدولية!
{ ها هنا يتجلى الشر ويتجلى منطق القوة والسيطرة بمعايير ليس لها سابقة، خاصة منذ زوال الاستعمار القديم، وبناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية! هنا لا مكان لما وصلت إليه البشرية من معايير الحضارة والمبادئ الدولية والقيم والأخلاق، فكل شيء مباح بعد أن اكتسبت الإمبريالية الجديدة أدوات وتقنيات وتكنولوجيا وذكاء اصطناعي، لتخضع البشرية ودول العالم كلها لمعايير (عالم ما بعد قانون الغاب)! إنها الظلامية الجديدة التي تؤسس لنفسها سياقات إمبريالية جديدة ومختلفة، تبيح لنفسها الغزو والاحتلال وسلب الثروات متى شاءت! فيما يقف رئيس الدولة الأقوى حالياً، خلف الميكرفون مبتسما، هازئاً، وبدم بارد يقول: «أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي، فأنا هو القانون وأنا القوة»! وأمامه يتصاغر فرعون القديم! وعلى العالم التوحد لمواجهة هذا الجنون الإمبريالي الذي تجاوز شريعة الغاب!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك