عالم يتغير
فوزية رشيد
أسرار المستقبل بين التنجيم والمخططات
{ مع بداية كل عام جديد يرتفع سوق البورصة في عالم التنجيم والتنبؤات، ويتهافت المتابعون على ما يقوله هذا المنجم أو تلك المنجمة، حتى تحول بعضهم إلى نجوم تسخّر لهم أغلب القنوات الفضائية برامج خاصة بهم، لينتظر المشاهدون ما تتحرك بها ألسنتهم من توقعات وغوص في أسرار المستقبل! هذه الشعبية المنقطعة النظير للمنجمين المنجمات وخاصة في الشؤون السياسية والقضايا الكونية والدولية الكبرى، وفي مستقبل الأفراد من خلال الكواكب، تحوّل من هوس الأفراد إلى هوس حتى في الأوساط السياسية التي باتت بدورها تتابع ما يقوله هؤلاء من توقعات حول مصير الدول ومستقبلها! إنه الهوس الجديد الذي يتزايد كل عام مع دخول العالم مرحلة الفوضى والهزات الاقتصادية والكوارث الطبيعية أو بفعل فاعل، والكل يبحث عن معرفة القادم والمستقبل! والسؤال هل لدى هؤلاء المنجمين والمنجمات قدرات فائقة أو خارقة بإمكانها بالفعل أن تقرأ المستقبل للمنطقة والعالم وللأفراد، أم أن هؤلاء، والجهل السياسي واللغوي واضح في قراءتهم للأوراق التي بين أيديهم، موجهون من جهات استخباراتية دولية أو قوى خفية مسيطرة، تتلاعب بالعقول لتلبس مخططاتها صفة التنجيم والنبوءات وقراءة المستقبل!
{ كيف يصل الناس إلى بناء حياتهم على ما تقوله الأبراج أو قراءة الفنجان أو أوراق التاروت أو توقعات المنجمين؟! وهل هناك بالفعل ساسة وقادة يبنون بدورهم سياساتهم وتحركاتهم بناء على ما يقوله المنجمون؟!
أين يكمن السر وراء هذا التهافت الشعبي خلف ما يقوله المنجمون من توقعات حول المستقبل للأفراد والدول، بل وحول ما هو قادم من كوارث طبيعية وزلازل سياسية في هذا البلد أو ذاك، وموت قادة، وسقوط أنظمة، واغتيالات ونشوب للفوضى وكوارث اقتصادية وسقوط للعملات وغير ذلك؟!
{ هل لعلم الفلك الحقيقي علاقة بالتنجيم، أم أن الله خلق الكواكب لتكون زينة في السماء الأولى كما جاء في القرآن الكريم، ولا علاقة لهذه الكواكب بتحديد مصائر الدول والشعوب والأفراد، وإلا لكانت خارج طبيعة الخلق التي خلق الله بها العالم، وأصبحت الكواكب المخلوقة شريكا في الألوهية وعلم الغيب!
هل من علاقة بين الكواكب والمستقبل والمصائر والأقدار، وهل لها إطلالة على الغيب الذي لا يعرفه إلا الله، أم أنها أوهام تشبع الفضول البشري حول المستقبل المجهول، لتبدأ قصة ربط مسار أحداث الحياة بحركة الكواكب، رغم عدم وجود دليل علمي أو ديني! بل إن الإسلام كآخر وخائم الأديان جعل ذلك من المحرمات «وكذب المنجمون ولو صدفوا»، أي لو صادف أحد توقعاتهم حدثاً في الواقع، وليس «كذب المنجمون ولو صدقوا» أي من الصدق، وهو ما يتداوله الناس اليوم!
{ منذ النشأة الأولى للإنسان، وبعدها نشوء الحضارات القديمة، والإنسان انخرط في محاولات معرفة المستقبل، وحيث بدأت القصة مع «بابل» القديمة وممارسة التنجيم من قبل الكهنة والاستعانة بالشياطين الذين كفروا بعد النبي سليمان، والإيحاء بمعرفة المستقبل للسيطرة على عقول البشر والعامة والساسة أو توجيهها كما يريد أصحاب السلطة الدينية الكهنوتية وبعدها السلطة السياسية! وهو الأمر الذي اختلط فيه السحر بالتنجيم، وتحويل علم الفلك إلى علم لقراءة الطالع والمستقبل وتحديد المصائر! وهو الأمر الذي انتقل أيضًا من بابل إلى الحضارات الأخرى وبصفة كهنوتية، وحاول القائمون عليها دمج الفلك والكهنوت بالألغاز والأسرار ومعرفة المستقبل، في أوساط مليئة بالمعتقدات الخرافية والشعوذة تحت ستار الدين والسيطرة عبر النبوءات والتنجيم ومعرفة المصائر والأقدار!
{ والسؤال: ما الذي جعل للتنجيم والكهانة كل هذا الطغيان في حياة الناس ونحن في القرن الواحد والعشرون الزاخر بالرؤى العلمية والمادية؟! هل هو الفراغ الروحي والفكري والإيماني الذي يحوّل الإنسان إلى فزاعة في حقل الخرافات! والتعلق بخيوط الوهم باسم قراءة المستقبل والغيب؟!
والمسلمون ما الذي يجعلهم يتجاهلون أحكام دينهم في كل ذلك رغم معرفتهم أن الغيب بيد الله وحده؟!
بحسب إحدى الدراسات من «الأزهر» فإن 64% من الناس يتابعون الأبراج بشكل يومي ودوري! وإن 46% منهم يصدقونها تصديقاً كاملاً!
{ فما السر؟! الكاتب «روبرت جرين» ذكر في كتابه الشهير «قواعد السطوة» عن إبعاد الناس عن الواقع والتفكير فيه بعقل موضوعي، ومخاطبتهم كما في أحلامهم وأمنياتهم ومخاوفهم! وهذا هو عمل المنجمون وعلماء الفلك الجدد والمحتالون وأجهزة المخابرات التي تستخدمهم!
المحللة الأمريكية (برجر هاملتون) تشير إلى أن (أهم الأسباب الأمريكية لتصديق الأبراج هو دافع الاطمئنان)، وبحسب تحليلها فإن (70% من الأخبار الواردة في الأبراج إيجابية وتعمل على الطمأنينة ورفع المعنويات)!
أما بما يخص الشؤون السياسية والكونية فهي في نظري كلها تدفع إلى بث اليأس وكأنها لسان المخططات التي تحيط بالبشرية كلها وتستهدفها! ولذلك في السنوات الماضية كل التوقعات تدور حول الكوارث والفوضى وخراب الدول.. إلخ.
وحين تختلط الكهانة بالمخططات والتوقعات بعلم الفلك الزائف، فلنا أن نتخيل كيف يتم التلاعب بعقول الناس، والناس يتهافتون على من يلعب بعقولهم!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك