العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

أسرار المستقبل بين التنجيم والمخططات

{‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬جديد‭ ‬يرتفع‭ ‬سوق‭ ‬البورصة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬التنجيم‭ ‬والتنبؤات،‭ ‬ويتهافت‭ ‬المتابعون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬هذا‭ ‬المنجم‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المنجمة،‭ ‬حتى‭ ‬تحول‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬نجوم‭ ‬تسخّر‭ ‬لهم‭ ‬أغلب‭ ‬القنوات‭ ‬الفضائية‭ ‬برامج‭ ‬خاصة‭ ‬بهم،‭ ‬لينتظر‭ ‬المشاهدون‭ ‬ما‭ ‬تتحرك‭ ‬بها‭ ‬ألسنتهم‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬وغوص‭ ‬في‭ ‬أسرار‭ ‬المستقبل‭! ‬هذه‭ ‬الشعبية‭ ‬المنقطعة‭ ‬النظير‭ ‬للمنجمين‭ ‬المنجمات‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬السياسية‭ ‬والقضايا‭ ‬الكونية‭ ‬والدولية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬مستقبل‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكواكب،‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬هوس‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬هوس‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬بدورها‭ ‬تتابع‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬حول‭ ‬مصير‭ ‬الدول‭ ‬ومستقبلها‭! ‬إنه‭ ‬الهوس‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يتزايد‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬العالم‭ ‬مرحلة‭ ‬الفوضى‭ ‬والهزات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬بفعل‭ ‬فاعل،‭ ‬والكل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬القادم‭ ‬والمستقبل‭! ‬والسؤال‭ ‬هل‭ ‬لدى‭ ‬هؤلاء‭ ‬المنجمين‭ ‬والمنجمات‭ ‬قدرات‭ ‬فائقة‭ ‬أو‭ ‬خارقة‭ ‬بإمكانها‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬تقرأ‭ ‬المستقبل‭ ‬للمنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬وللأفراد،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء،‭ ‬والجهل‭ ‬السياسي‭ ‬واللغوي‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬قراءتهم‭ ‬للأوراق‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬أيديهم،‭ ‬موجهون‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬استخباراتية‭ ‬دولية‭ ‬أو‭ ‬قوى‭ ‬خفية‭ ‬مسيطرة،‭ ‬تتلاعب‭ ‬بالعقول‭ ‬لتلبس‭ ‬مخططاتها‭ ‬صفة‭ ‬التنجيم‭ ‬والنبوءات‭ ‬وقراءة‭ ‬المستقبل‭!‬

{‭ ‬كيف‭ ‬يصل‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬حياتهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬الأبراج‭ ‬أو‭ ‬قراءة‭ ‬الفنجان‭ ‬أو‭ ‬أوراق‭ ‬التاروت‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬المنجمين؟‭! ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬بالفعل‭ ‬ساسة‭ ‬وقادة‭ ‬يبنون‭ ‬بدورهم‭ ‬سياساتهم‭ ‬وتحركاتهم‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬المنجمون؟‭!‬

أين‭ ‬يكمن‭ ‬السر‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التهافت‭ ‬الشعبي‭ ‬خلف‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬المنجمون‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬حول‭ ‬المستقبل‭ ‬للأفراد‭ ‬والدول،‭ ‬بل‭ ‬وحول‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬كوارث‭ ‬طبيعية‭ ‬وزلازل‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬وموت‭ ‬قادة،‭ ‬وسقوط‭ ‬أنظمة،‭ ‬واغتيالات‭ ‬ونشوب‭ ‬للفوضى‭ ‬وكوارث‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسقوط‭ ‬للعملات‭ ‬وغير‭ ‬ذلك؟‭!‬

{‭ ‬هل‭ ‬لعلم‭ ‬الفلك‭ ‬الحقيقي‭ ‬علاقة‭ ‬بالتنجيم،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬خلق‭ ‬الكواكب‭ ‬لتكون‭ ‬زينة‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬الأولى‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لهذه‭ ‬الكواكب‭ ‬بتحديد‭ ‬مصائر‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬والأفراد،‭ ‬وإلا‭ ‬لكانت‭ ‬خارج‭ ‬طبيعة‭ ‬الخلق‭ ‬التي‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬بها‭ ‬العالم،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الكواكب‭ ‬المخلوقة‭ ‬شريكا‭ ‬في‭ ‬الألوهية‭ ‬وعلم‭ ‬الغيب‭!‬

هل‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬الكواكب‭ ‬والمستقبل‭ ‬والمصائر‭ ‬والأقدار،‭ ‬وهل‭ ‬لها‭ ‬إطلالة‭ ‬على‭ ‬الغيب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬أوهام‭ ‬تشبع‭ ‬الفضول‭ ‬البشري‭ ‬حول‭ ‬المستقبل‭ ‬المجهول،‭ ‬لتبدأ‭ ‬قصة‭ ‬ربط‭ ‬مسار‭ ‬أحداث‭ ‬الحياة‭ ‬بحركة‭ ‬الكواكب،‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬دليل‭ ‬علمي‭ ‬أو‭ ‬ديني‭! ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الإسلام‭ ‬كآخر‭ ‬وخائم‭ ‬الأديان‭ ‬جعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المحرمات‭ ‬‮«‬وكذب‭ ‬المنجمون‭ ‬ولو‭ ‬صدفوا‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬لو‭ ‬صادف‭ ‬أحد‭ ‬توقعاتهم‭ ‬حدثاً‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬كذب‭ ‬المنجمون‭ ‬ولو‭ ‬صدقوا‮»‬‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الصدق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتداوله‭ ‬الناس‭ ‬اليوم‭!‬

{ ‭ ‬منذ‭ ‬النشأة‭ ‬الأولى‭ ‬للإنسان،‭ ‬وبعدها‭ ‬نشوء‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة،‭ ‬والإنسان‭ ‬انخرط‭ ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬معرفة‭ ‬المستقبل،‭ ‬وحيث‭ ‬بدأت‭ ‬القصة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬بابل‮»‬‭ ‬القديمة‭ ‬وممارسة‭ ‬التنجيم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكهنة‭ ‬والاستعانة‭ ‬بالشياطين‭ ‬الذين‭ ‬كفروا‭ ‬بعد‭ ‬النبي‭ ‬سليمان،‭ ‬والإيحاء‭ ‬بمعرفة‭ ‬المستقبل‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬البشر‭ ‬والعامة‭ ‬والساسة‭ ‬أو‭ ‬توجيهها‭ ‬كما‭ ‬يريد‭ ‬أصحاب‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬الكهنوتية‭ ‬وبعدها‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭! ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬اختلط‭ ‬فيه‭ ‬السحر‭ ‬بالتنجيم،‭ ‬وتحويل‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬لقراءة‭ ‬الطالع‭ ‬والمستقبل‭ ‬وتحديد‭ ‬المصائر‭! ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬بابل‭ ‬إلى‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭ ‬وبصفة‭ ‬كهنوتية،‭ ‬وحاول‭ ‬القائمون‭ ‬عليها‭ ‬دمج‭ ‬الفلك‭ ‬والكهنوت‭ ‬بالألغاز‭ ‬والأسرار‭ ‬ومعرفة‭ ‬المستقبل،‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬مليئة‭ ‬بالمعتقدات‭ ‬الخرافية‭ ‬والشعوذة‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬الدين‭ ‬والسيطرة‭ ‬عبر‭ ‬النبوءات‭ ‬والتنجيم‭ ‬ومعرفة‭ ‬المصائر‭ ‬والأقدار‭!‬

{‭  ‬والسؤال‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬للتنجيم‭ ‬والكهانة‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الطغيان‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرون‭ ‬الزاخر‭ ‬بالرؤى‭ ‬العلمية‭ ‬والمادية؟‭! ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الفراغ‭ ‬الروحي‭ ‬والفكري‭ ‬والإيماني‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬فزاعة‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬الخرافات‭! ‬والتعلق‭ ‬بخيوط‭ ‬الوهم‭ ‬باسم‭ ‬قراءة‭ ‬المستقبل‭ ‬والغيب؟‭!‬

والمسلمون‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يجعلهم‭ ‬يتجاهلون‭ ‬أحكام‭ ‬دينهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬رغم‭ ‬معرفتهم‭ ‬أن‭ ‬الغيب‭ ‬بيد‭ ‬الله‭ ‬وحده؟‭!‬

بحسب‭ ‬إحدى‭ ‬الدراسات‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأزهر‮»‬‭ ‬فإن‭ ‬64%‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يتابعون‭ ‬الأبراج‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬ودوري‭! ‬وإن‭ ‬46‭% ‬منهم‭ ‬يصدقونها‭ ‬تصديقاً‭ ‬كاملاً‭!‬

{‭ ‬فما‭ ‬السر؟‭! ‬الكاتب‭ ‬‮«‬روبرت‭ ‬جرين‮»‬‭ ‬ذكر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الشهير‭ ‬‮«‬قواعد‭ ‬السطوة‮»‬‭ ‬عن‭ ‬إبعاد‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬والتفكير‭ ‬فيه‭ ‬بعقل‭ ‬موضوعي،‭ ‬ومخاطبتهم‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أحلامهم‭ ‬وأمنياتهم‭ ‬ومخاوفهم‭! ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬عمل‭ ‬المنجمون‭ ‬وعلماء‭ ‬الفلك‭ ‬الجدد‭ ‬والمحتالون‭ ‬وأجهزة‭ ‬المخابرات‭ ‬التي‭ ‬تستخدمهم‭!‬

المحللة‭ ‬الأمريكية‭ (‬برجر‭ ‬هاملتون‭) ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ (‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتصديق‭ ‬الأبراج‭ ‬هو‭ ‬دافع‭ ‬الاطمئنان‭)‬،‭ ‬وبحسب‭ ‬تحليلها‭ ‬فإن‭ (‬70%‭ ‬من‭ ‬الأخبار‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الأبراج‭ ‬إيجابية‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬الطمأنينة‭ ‬ورفع‭ ‬المعنويات‭)!‬

أما‭ ‬بما‭ ‬يخص‭ ‬الشؤون‭ ‬السياسية‭ ‬والكونية‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬كلها‭ ‬تدفع‭ ‬إلى‭ ‬بث‭ ‬اليأس‭ ‬وكأنها‭ ‬لسان‭ ‬المخططات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بالبشرية‭ ‬كلها‭ ‬وتستهدفها‭! ‬ولذلك‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الكوارث‭ ‬والفوضى‭ ‬وخراب‭ ‬الدول‭.. ‬إلخ‭.‬

وحين‭ ‬تختلط‭ ‬الكهانة‭ ‬بالمخططات‭ ‬والتوقعات‭ ‬بعلم‭ ‬الفلك‭ ‬الزائف،‭ ‬فلنا‭ ‬أن‭ ‬نتخيل‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬التلاعب‭ ‬بعقول‭ ‬الناس،‭ ‬والناس‭ ‬يتهافتون‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يلعب‭ ‬بعقولهم‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا