عالم يتغير
فوزية رشيد
الخليج يريد التنمية والاستقرار لا الحرب!
{ من الواضح أن تهديدات ترامب بحرب عسكرية على إيران تتغير بوصلتها في الأونة الأخيرة، حيث مساحة التصريحات هدأت بعد أن بلغت أوجها خلال الأيام الماضية، تزامناً مع التوترات والمظاهرات الشعبية داخل إيران! وهي التوترات التي قد يتم احتواؤها كما حدث لسابقاتها قبل ذلك، ولكن طالما أن ظروفها مستمرة، فإنها قابلة للاشتعال مرة بعد أخرى! ومن الواضح أيضاً أن نوايا الحرب العسكرية على إيران، وفي الواقع داخل منطقة الخليج، سبقتها حرب نفسية وإعلامية بالغة الضراوة! حتى أصبح العالم كله مستنفراً، وأن الحرب العسكرية قد تتأجل ولكنها باقية في أجواء ومناخ العالم، ليس فقط لاستنزاف إيران، وإنما للضغط على العصب الحائر في الخليج والمنطقة والعالم!
{ دول الخليج تسعى للتنمية والاستقرار، ولذلك هي لا تريد إدخال الخليج في حرب إقليمية، وإن كان عنوانها إيران التي لطالما لعبت (دوراً فتنوياً وتوسعياً) في المنطقة! ولكن رغم ذلك فإن صوت الحكمة يتغلب عادة على صوت الانتقام، لأن أي حرب على إيران قد تتحول إلى حرب شاملة من جانب امريكا هي في الواقع إشعال لفتيل الكثير من الارتدادات والفوضى وعدم الاستقرار في الخليج، مع عدم ضمان ان البديل الامريكي للنظام الايراني القائم سيكون بديلا أفضل لصالح السلام أو التخلي عن لغة العداء للعرب والأطماع في التوسع في أراضيهم وهنا نقصد الشاهنشاهية! ومن جانب آخر فإن حشر نظام الملالي في الزاوية قد يعطي الحرس الثوري فرصة الاستحواذ الكامل على السلطة، كأحد السيناريوهات المطروحة، وتصعيد التهديد المتبادل في استهداف المنشآت النفطية، بما يدخل أسواق النفط في فوضى كبيرة، وخاصة إذا تمت عرقلة الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، وحيث الضرر الكبير يعم كل الصادرات والواردات في الخليج والعالم؟!
{ إن الدبلوماسية والمفاوضات بما يخص الملف النووي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، هو المسار الذي تعمل عليه دول الخليج والسعودية على رأسها، وخاصة أن المخاوف من عودة الفوضى الشاملة بعد اسقاط النظام في العراق التي لا تزال سارية المفعول في المنطقة، رغم مرور أكثر من عقدين على ذلك! وعلى الولايات المتحدة أن تدرك أن أسواق النفط واستقرار الخليج هي مصلحة دولية قبل أن تكون مصلحة خليجية، ولذلك فإن اشعال المزيد من الحروب في الخليج هو تنشيط للفوضى والارهاب والمليشيات الارهابية! إلى جانب أن أي تدخل خارجي يتسم بالتوسع والاستحواذ على الدول عن طريق فرض القوة منطق غير مقبول حتى لو كان الهدف هو إيران وحجة تقليص دور نظامها الارهابي! وعلى الولايات المتحدة أن تدرك أن استخفاف رئيسها «ترامب» بكل القوانين الدولية، ولغة البلطجة الدولية التي لعبها في فنزويلا ويريد لعبها في دول أخرى، أفقدت أمريكا مصداقيتها أمام العالم كله وليس فقط أمام دول المنطقة!
{ هنا يجب الفصل بين تطلعات الشعب الإيراني (المشروعة) نحو نظام يلبي احتياجاته المعيشية الاساسية وهي كثيرة وملحة، والملف النووي وهو الاساس في الرغبة الأمريكية ورغبة الكيان الصهيوني لشن الحرب العسكرية على إيران، حتى تحول هذا الملف إلى مصدر توتر دائم في المنطقة، وخاصة أنه ليس الأساس كما نعتقد في التحرك الأمريكي، مثلما مظالم الشعب الايراني ليست المحرك لأي توجه أمريكي! وإنما اللعبة الأكبر هي الهدف الجيواستراتيجي الذي يريد إدخال الخليج والمنطقة في المزيد من التوترات والانهاك الاقتصادي لغاية الإضعاف أكثر فأكثر، حتى تتحول الدول المتضررة إلى هدف قادم للتوسع الأمريكي الصهيوني والعين على الاستحواذ والاستلاب وحصار المصالح بين دول المنطقة والخليج والصين تحديداً، تهيئة للقادم من مواجهة أمريكية - صينية يراها الخبراء أنها قادمة لا محالة بحسب الاستراتيجية الأمريكية!
{ الخليج العربي حريص على مسارات التهدئة بين دوله وإيران بعيداً عن الأجندة الأمريكية، التي تريد إشعال المزيد من الحروب رغم أن الرئيس الأمريكي كان قبل وصوله إلى الرئاسة هو من يريد إطفاءها وليس إشعالها! لذلك ولأن آي حرب قد تبدأ محدودة وحاسمة كما أسماها «ترامب» ولكنها قد تتحول إلى حرب شاملة، فهي من ثم ضد النهج الخليجي في الاستمرار في التنمية وخلق فرص الأمن والاستقرار وعدم تهديد أمن الخليج القومي، بل إذكاء المزيد من الصراعات الاقليمية! وهو النهج الذي ارتأته السعودية حين دخلت اتفاقية بكين مع إيران، لحفظ التوازن ولسد أبواب الحروب ومآلاتها وتداعياتها على كل دول الخليج والمنطقة، من دون الانجرار وراء ما تبثه آليات الاستخبارات الصهيونية من نوازع الفتنة ونوايا تقسيم دول المنطقة وصناعة الصراعات المتأججة والحروب القهرية التي لا تفيد الدول الخليجية والعربية أبداً!
استقرار الخليج ضرورة أمنية واقتصادية للعالم كله ولحفظ الطاقة والملاحة الدولية، رغم كل الأدوار السلبية التي قامت بها إيران طوال عهودها في المنطقة! ورغم أن الشعوب العربية في أغلبها تدرك جيداً مخاطر هذا وتطلعات الأنظمة الايرانية رغم اختلافها! والشعب الإيراني هو من عليه تحقيق تطلعاته بيده لا بيد أمريكا التي لها غايات أخرى ومختلفة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك