عالم يتغير
فوزية رشيد
حماية الوعي والقادم أدهى!
{ عبر التاريخ، قامت الأمم والحضارات في تأسيس بنائها الذاتي، وحماية نفسها من التهديدات الخارجية، عبر بناء منظومة من العلوم والمعارف الطبيعية التي تزيد من معدلات الوعي بالمتغيرات والتحديات، لأنها تدرك أن المعرفة والمعلومات لا تُسهم فقط في حماية المجتمع وأسسه الثقافية وهويته ومدارك أفراده، بل هي تُسهم في حماية نفسها وتمكين قدراتها الدفاعية من أنواء الخارج ومطامعه، ولذلك فإن الصلة تزامنية بين الوعي الذاتي للأفراد والشعوب وأساليب وحماية هذا الوعي الذي يتدّرج من الوعي المعرفي والثقافي إلى الوعي الوطني والقومي والوعي الديني، وأي اختلال في أحدها قد يربك أسس الحماية نفسها، ويتسبب في ضياع الحماية الداخلية التي تُصاب بالعجز أمام ما يواجهها من القوى الخارجية التي تستهدفها!
{ وفي عالم مضطرب ومتغير ومليء بالمواجهات والتهديدات، فإن الوعي كحصيلة معرفية للشعوب تم بناؤها عبر القرون، يتعرّض اليوم لاقتحامات كثيرة تلعب فيها الأطراف الأكثر قوة أدواراً تمسّ وعي البشرية وقيمها وهويتها وركائز حمايتها الذاتية والخارجية، عبر تلاعب الأقوى المهيمن بالعلوم والمعلومات والمعارف والتاريخ والتكنولوجيا، بما يجعل الشعوب والدول رهينة تلك التلاعبات والحروب الفكرية والنفسية والحروب العسكرية المدجّجة بأحدث التقنيات والذكاء الصناعي، حتى أصبحت الحرب على العقل والوعي هي الأشدّ فتكاً بين كل تلك الحروب! لأن الفراغ الفكري والروحي يجعل من الدول والشعوب طرائد جاهزة للصيد وملء فراغاتها الفكرية والروحية بكل ما يندرج تحت نظام التفاهة والاستغباء والجهل المعرفي العميق! ويُسهل تخليّ الطرائد عن وعيها التاريخي الأصيل والمتجدّد بالمعارف الجديدة المهمة، بما يجعلها في الوقت ذاته مجرد قطع شطرنج بالإمكان تغيير أماكنها متى ما أراد اللاعب الرئيسي والأقوى ذلك!
{ من هنا لا بدّ للدول التي تريد حماية داخلها وحماية نفسها من تهديدات خارجية تلعب على وتر الداخل أن تبني وعياً مجتمعياً متماسكاً عبر بناء الفرد وتقوية روابطه المعرفية والسياسية والوطنية، من خلال التعليم تحديداً الذي لا يتعرّض لانتهاكات تعليمية خارجية! ومن خلال الثقافة والفكر النقدي اللذين يستثمران في الوعي بالذات والهوية، ومن خلال المعارف والعلوم الجديدة ومنها التكنولوجية والإلكترونية، بحيث تكون صناعة وطنية ولا تكون فضاءات مفتوحة للاقتحام والتلاعب بالوعي وتوجيه الشعوب إلى سبات الغفلة والازدحام المعلوماتي الفارغ من المعرفة الحقيقية! وخاصة أن الاختراقات للوعي أصبحت «لعبة استخباراتية» تابعة للدول القوية المسيطرة على الإعلام والعلوم والتكنولوجيا، حتى أصبح الذكاء الاصطناعي بما يتم تغذيته به من البيانات مجالاً واسعاً للتزييف المعلوماتي وساحة مفتوحة لكل أشكال التلاعب بالوعي!
* نرى أمام أعيننا كيف تغيرّت القيم والمفاهيم والأفكار، بل حتى الهويات والانتماءات بما تحمله من صفات فكرية وروحية إيجابية، لتنمو في اتجاه التفكك سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع، حتى بات الاستسلام للفضاءات الإلكترونية أولوية فوق أولوية القيم الإنسانية الجوهرية التي تؤسس الفرد والأسرة! ومعه تم تسليم العقل الإنساني للفراغ ليحل محله بالتدريج الذكاء الاصطناعي المحمول ببيانات كل الإجابات في العلوم والمعارف والطب والتاريخ والدين وغيره، حتى لم يتبق أساس ذاتي متين يربط الإنسان بعقله وفكره الذاتي أو بوعيه الإنساني! ومع الانجراف غير الواعي للآلة وبياناتها وبرمجاتها الاستخباراتية أو الخبيثة، يتحوّل التطوّر التكنولوجي إلى ساحة حرب يتم فيها استبدال الوعي الإنساني وذكاؤه الطبيعي بالوعي الآلي والذكاء الاصطناعي! ومن هنا تنشأ تحديات جديدة أمام الوعي حتى لا يتحوّل الإنسان إلى مجرد تابع للآلة بدل أن يكون سيّداً لها!
{ كل التطوّرات الراهنة والمذهلة في طبيعتها في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاستبدال المعرفي يهيئ الجيل والأجيال القادمة للتبعية المعرفية والمهنية! فكل وظائف الحاضر التي يشغلها البشر في الغالب، يتم إدراجها ضمن الوظائف الآلية التي تُدار بالروبوتات الأذكى سواء في مجال الطب أو التعليم أو الصناعة وصولاً إلى الإعلام والسياسة وعوالم (الميتا) الافتراضية! ليتحول الإنسان بعدها إلى «زائدة لحمية» في جسد الأرض التي يُراد لها أن تُدار بشكل شبه كامل لاحقاً بالآلات! وحتى الزواج والأسرة يتم التأسيس العلمي الجديد لروبوتات أزواج أي (زوج وزوجة روبوت) تحلّ محلّ الإنسان الطبيعي! وبذلك لن يعود هناك أهمية للزواج الطبيعي خلال العقود القادمة، ولا مكان للأسرة الطبيعية أو المهن البشرية في كل المجالات!
هذا ما يؤسس له «العقل العلمي التكنولوجي الجديد» لمحو الوعي الإنساني الطبيعي، ومحو وظائف الإنسان الطبيعية واستبدالها بعالم تتسيّد فيه الآلة والروبوت في كل مجال! حتى وصل الأمر إلى تهيئة الروبوتات النسائية للحمل والأمومة الصناعية!
{ إنه عالم غريب يتجه نحو إفراغ الإنسان من محتواه الطبيعي، وإفراغ العالم من جوهره الذي خلقه الله به، وإفراغ القيم والهوية والوعي الإنساني من كل ما يتصل به من صلات إنسانية وروحية ووطنية، فالآلات لا تعبأ بالأوطان والشعوب المفرغة من جوهرها، وإنما هي تنفذ خرائط البيانات والبرمجات المزودة بها، ليتجه المستقبل إذا لم يتم لجم العقول التكنولوجية الشريرة فيه ليس فقط إلى إفراغ الإنسان من محتواه، وإنما فتح جغرافيا الأرض كلها لمن يتحكّم بها عبر العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات! لتنشأ كما يتم الترويج له منذ زمن «دولة واحدة» مساحتها الأرض كلها! و«حكومة عالمية» واحدة أغلب شعبها من الروبوتات (عشرة مليارات روبوت) خلال العقود القادمة، كما صرّح «إيلون ماسك»! فيما البشرية والإنسان الطبيعي يتم تقليص تعداده السكاني بالأمراض والأوبئة والحروب والصراعات! فمن يحمي الوعي الإنساني في هذا الخضم المضطرب والصراع المستقبلي بين أقلية بشرية وأكثرية آلية؟!
هكذا هم يخططون!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك