العدد : ١٧٤٧١ - الخميس ٢٢ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧١ - الخميس ٢٢ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تعددية في الأمومة والأبوة

دعني‭ ‬أسألك‭: ‬هل‭ ‬هي‭ ‬نعمة‭ ‬أم‭ ‬نقمة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لك‭ ‬خمسة‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات؟‭ ‬لا‭ ‬أعني‭ ‬‮«‬مجازا‮»‬‭ ‬بل‭ ‬فعلا‭! ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تجيد‭ ‬الإنجليزية‭ ‬فاقرأ‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬ريبروداكتيف‭ ‬بيوميديسين‭ ‬أونلاين‭ ‬على‭ ‬الانترنت،‭ ‬

Reproductive‭ ‬Biomedicine‭ ‬Online‭ ‬المهتمة‭ ‬بشؤون‭ ‬الإنجاب‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬‮«‬الهندسية‮»‬‭. ‬نعم‭ ‬الهندسية،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬للعلماء‭ ‬الغربيين‭ ‬منذ‭ ‬تطور‭ ‬هندسة‭ ‬الجينات،‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬استنساخ‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية،‭ ‬هو‭ ‬التحايل‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالطبيعة‭ ‬البشرية،‭ ‬ولن‭ ‬يتوقفوا‭ ‬عند‭ ‬مسعاهم‭ ‬الإجرامي‭ ‬الرامي‭ ‬الى‭ ‬جعل‭ ‬الرجال‭ ‬يحبلون‭ ‬أي‭ ‬يحملون‭ ‬أطفالا،‭ ‬او‭ ‬بالأحرى‭ ‬أجنة‭ ‬في‭ ‬بطونهم،‭ ‬أي‭ ‬كروشهم‭ (‬وسيقولون‭ ‬ما‭ ‬فيها‭ ‬شي‭ ‬لأنه‭ ‬عادي‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تحمل‭ ‬خارج‭ ‬الرحم‭) ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬بزعم‭ ‬ان‭ ‬حمل‭ ‬الرجال‭ ‬يكفل‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭.‬

‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬يعتبر‭ ‬برايان‭ ‬وودوارد‭ ‬أشهر‭ ‬خبراء‭ ‬علم‭ ‬الأجنة،‭ ‬وقد‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬أغرب‭ ‬عملية‭ ‬ولادة،‭ ‬وبما‭ ‬أنني‭ ‬ضعيف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الجبر‭ ‬والرياضيات‭ ‬عموما،‭ ‬فقد‭ ‬قرأت‭ ‬حكاية‭ ‬العملية‭ ‬خمس‭ ‬مرات‭ ‬حتى‭ ‬فهمت‭ ‬بعض‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬خطوطها‭ ‬العامة‭: ‬العملية‭ ‬انتهت‭ ‬بمولد‭ ‬توأم‭ ‬ولد‭ ‬وبنت‭ ‬ينتمون‭ ‬الى‭ ‬خمسة‭ ‬آباء‭ ‬وأمهات‭. ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬استخدمنا‭ ‬القاموس‭ ‬البريطاني،‭ ‬اما‭ ‬بقاموسنا‭ ‬فإن‭ ‬التوأم‭ ‬‮«‬عيال‭ ‬حرام‮»‬،‭ ‬بلا‭ ‬لف‭ ‬او‭ ‬دوران،‭ ‬وبدأت‭ ‬الحكاية‭ ‬عندما‭ ‬تبرع‭ ‬زوجان‭ ‬لعيادة‭ ‬تخصيب‭ ‬ببويضة‭ ‬مخصبة‭ ‬تم‭ ‬تجميدها‭ ‬مدة‭ ‬طويلة،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬والعشرين‭ ‬قد‭ ‬خضعت‭ ‬في‭ ‬طفولتها‭ ‬لعلاج‭ ‬إشعاعي‭ ‬قضى‭ ‬على‭ ‬سرطان‭ ‬الدم‭ ‬الذي‭ ‬عانت‭ ‬منه،‭ ‬وبعد‭ ‬الزواج‭ ‬اكتشفت‭ ‬انها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإنجاب،‭ ‬وفشلت‭ ‬كل‭ ‬محاولاتها‭ ‬للحمل‭ ‬بالأنابيب‭ ‬والمواسير‭ ‬والتحاميل‭/ ‬اللبوس،‭ ‬لأن‭ ‬رحمها‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مهيئا‭ ‬للحمل‭. ‬ذهبت‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬الى‭ ‬العيادة‭ ‬التي‭ ‬فيها‭ ‬البيبي‭ ‬المجمد‭ ‬بنفس‭ ‬طريقة‭ ‬الدجاج‭ ‬‮«‬الطازج‮»‬‭!! ‬نعم‭ ‬فالدجاج‭ ‬الطازج‭ ‬المجمد‭ ‬اختراع‭ ‬عربي‭ ‬لأن‭ ‬العربي‭ ‬يشتري‭ ‬الدجاج‭ ‬الطازج‭ ‬المذبوح‭ ‬قبل‭ ‬ساعات‭ ‬ثم‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬الفريزر،‭ ‬ويزعم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يشتري‭ ‬الدجاج‭ ‬المجمد‭. ‬المهم‭ ‬ذهبت‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬واشترت‭ ‬البيبي‭ ‬من‭ ‬ثلاجة‭ ‬العيادة‭! ‬طيب‭ ‬ما‭ ‬العمل‭ ‬ورحمها‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬لحمل‭ ‬البيبي‭ ‬الجاهز‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬تذويبه»؟‭ ‬فكرت‭ ‬وقدرت‭ ‬وذهبت‭ ‬الى‭ ‬أمها‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الطمث‭ ‬قد‭ ‬انقطع‭ ‬عنها‭ ‬وقالت‭ ‬لها‭: ‬ايه‭ ‬رأيك‭ ‬يا‭ ‬مامي‭ ‬تجيبي‭ ‬جوز‭ ‬بيبي‭.. ‬يعني‭ ‬توينز‭.. ‬توأم،‭ ‬وتكوني‭ ‬أمهم‭ ‬وجدتهم‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت؟‭ ‬بالذمة‭ ‬مو‭ ‬فكرة‭ ‬هايلة‭ ‬تهبل‭ ‬تجنن‭.. ‬وتدخلي‭ ‬التاريخ‭.. ‬فكرت‭ ‬الأم،‭ ‬وراقت‭ ‬لها‭ ‬حكاية‭ ‬دخول‭ ‬التاريخ‭ ‬وقالت‭ ‬لها‭: ‬أوكي‭.. ‬نو‭ ‬بروبليم‭! ‬مفيش‭ ‬مشكلة‭ ‬طالما‭ ‬فيها‭ ‬دخول‭ ‬التاريخ،‭ ‬كما‭ ‬ميري‭ ‬كوري‭ ‬التي‭ ‬اكتشفت‭ ‬الراديوم‭ ‬والبولونيوم‭. ‬وهكذا‭ ‬انطلقتا‭ ‬الى‭ ‬العيادة‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬الجنين‭ ‬المجمد‭ ‬في‭ ‬فرن‭ ‬المايكروويف‭ (‬هذه‭ ‬من‭ ‬عندي‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬يقومون‭ ‬بتسييح‭ ‬وتذويب‭ ‬البيبي‭ ‬المجمد‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬زرعوا‭ ‬التوأم‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬أم‭ ‬السيدة‭ ‬بنت‭ ‬السابعة‭ ‬والعشرين‭.. ‬وسار‭ ‬الحمل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬وولد‭ ‬التوأم‭ ‬بعملية‭ ‬قيصرية‭.‬

طيب‭: ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية‭ ‬فإن‭ ‬للتوأم‭ ‬أم‭ ‬طبيعية‭ ‬هي‭ ‬صاحبة‭ ‬البويضة‭ ‬المخصبة‭ ‬وأم‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬ام‭ ‬السيدة‭ ‬العاقر‭ ‬التي‭ ‬حملته‭ ‬وهْناً‭ ‬على‭ ‬وهْن‭ ‬لتسعة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬بطنها‭! ‬هنا‭ ‬ظهرت‭ ‬الأم‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬العاقر‭ ‬التي‭ ‬اشترت‭ ‬بيبي‭ ‬الفريزر‭ ‬وأقنعت‭ ‬أمها‭ ‬بأن‭ ‬تحمله‭ ‬في‭ ‬بطنها،‭ ‬فقد‭ ‬ذهبت‭ ‬وزوجها‭ ‬الى‭ ‬المحكمة‭ ‬حيث‭ ‬نالتا‭ ‬حق‭ ‬تبني‭ ‬التوأم،‭ ‬وصارا‭ ‬‮«‬والديه‮»‬‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬القانون‭. ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬هناك‭ ‬الأب‭ ‬الفحل‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بتخصيب‭ ‬البيبي‭ ‬وكانت‭ ‬بالتالي‭ ‬زوجته‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬التبرع‭ ‬به،‭ ‬وهناك‭ ‬زوج‭ ‬المرأة‭ ‬العاقر‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬أبا‭ ‬للتوأم‭ ‬بحكم‭ ‬القانون‭ ‬البريطاني‭ ‬الذي‭ ‬يبيح‭ ‬التبني‭. ‬ثلاثة‭ ‬أمهات‭ ‬وأبوان‭.. ‬تذكروا‭ ‬ان‭ ‬علماء‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬نجحوا‭ ‬قبل‭ ‬أعوام‭ ‬في‭ ‬تخليق‭ ‬كائن‭ ‬نصف‭ ‬أرنب‭ ‬ونصف‭ ‬آدمي‭/ ‬بشري،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬القانون‭ ‬الصيني‭ ‬يجرم‭ ‬إنجاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬طفلين‭ ‬وان‭ ‬القانون‭ ‬البريطاني‭ ‬رفض‭ ‬تحريم‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬العبث‭ ‬بحجة‭ ‬انه‭ ‬سيضر‭ ‬بالبحث‭ ‬العلمي‭.‬

الآن‭ ‬أدركت‭ ‬لماذا‭ ‬توكل‭ ‬معظم‭ ‬الشعوب‭ ‬أمور‭ ‬الحكم‭ ‬والإدارة‭ ‬لخريج‭ ‬كليات‭ ‬الآداب‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ (‬قانون‭ ‬واقتصاد‭ ‬وجغرافيا‭ ‬وتاريخ‭ ‬وعلم‭ ‬نفس‭ ‬وتجارة‭ ‬ولغات‭ ‬إلخ‭). ‬لأنهم‭ ‬غير‭ ‬متورطين‭ ‬في‭ ‬الشطط‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬باسم‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا