زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
رهق المراهقة على الطرفين
قلبي لا يطاوعني على التخلص من أي مجلة محترمة، ولهذا تجد عندي أعدادا قديمة من مجلة العربي الكويتية والدوحة القطرية والمجلة السعودية وتايم ونيوزويك الأمريكيتين، وخلال الحرب الإجرامية التي تطحن البشر والحجر والبقر، في وطني (السودان) حاليا، تعرض بيتي في الخرطوم بحري للاقتحام والخراب، وما حزنت على شيء مما فقدته، مثل حزني على أرشيفي الضخم من المجلات والقصاصات.
وعندي حاليا في بيتي في العاصمة القطرية الدوحة أعداد كثيرة من مجلتي تايم ونيوزويك الأمريكيتين احتفظ بها في خزانة بلاستيكية في الحمام، لأنني ممنوع بحكم «القوي -أي المدام- على الضعيف الذي هو شخصي من تخزينها في الغرف، وبالأمس توقفت عند موضوع الغلاف لأحد الأعداد القديمة لمجلة تايم، وهو «أسرار أدمغة المراهقين»، واستوقفني في التقارير الممتعة التي جاءت في سياق ذلك الموضوع مجموعة من الملاحظات والنصائح التي وجهها عدد من علماء النفس والتربية الى الآباء حول كيفية التعامل مع عيالهم المراهقين، وبعض تلك الملاحظات من البديهيات منها ان بعض الآباء والأمهات يعتبرون ان بلوغ البنت او الولد سن الخامسة عشرة مثلا يرفع عن كواهلهم مسؤوليات الرعاية والتوجيه، وتكون في بيت شخص ما وتسأله عند منتصف الليل عن ولده فيقول: والله ما أدري. أظن انه بره البيت مع أصدقائه. خلاص الولد كبر وصار رجلا!! ومن قال لك يا هذا ان من حق الرجل ان يضيع خارج البيت إلى ما بعد منتصف الليل بلا غاية محددة ومبرر مقبول حتى لو كان عمره 51 سنة؟ وبعكس هؤلاء، هناك فئة أخرى تعتقد أنه من غير اللائق إبداء عواطف المحبة والحنان تجاه من بلغ مرحلة المراهقة او الشباب الباكر، مع ان الإنسان حتى لو بلغ السبعين يرتاح للمسة الحانية، وكان أمتع شيء عندي، عندما كان عيالي في سن الصبا، ان يمرر أحد عيالي أصابعه على شعري الحريري ويفرك فروة رأسي برفق، وإذا واصل أحدهم فعل ذلك فإنني أنام مثل طفل نال كفايته من الحليب، بعد أن ارتدى قطعة بامبرز افتراضية جديدة ونظيفة، وكان عيالي يبتزونني لفرك فروة رأسي ووضعوا لها تسعيرة تعسفية تبدأ بعشرة ريالات، وقد تصل أحيانا الى قرص بيتزا من الحجم الكبير، أطرافه محشوة بجبن مطاطي تقضم منه قطعة فيمتد بينك وبين البيتزا خيط طويل مقرف، ينقطع أحيانا ويتدلى على صدرك.
الكثير من المراهقين يتضايقون من قيام أهلهم بتدليعهم أمام زملائهم، ولن أنسى أبدا آخر مرة استقبلت فيها أمي مطار الدوحة فاحتضنتني امام المئات وأمطرت وجهي بالقبلات. يبدو أنها لم تقرأ التصريح الذي أدلى به الأديب والشاعر السعودي حبيبي غازي القصيبي – رحمه الله - نيابة عني قبل سنوات: جعفر عباس، الذي لا يبوس ولا ينباس، وبالطبع هناك خيط رفيع بين معاملة شاب او شابة بحنان، وتلقيه او تلقيها بالأحضان، والتدليل لدرجة الإفساد بجعل كل طلبات المراهق مستجابة، فحتى علماء التربية الامريكان يطالبون بان تكون هناك حدود لحرية المراهق ويقولون ان عليه ان يفهم ان هناك خطوطا حمراء لا يجوز له تخطيها، وطبعا مثل هذه المسائل شديدة الحساسية فأحيانا لا يعترف بعض الآباء والأمهات بأن العيال كبرت وصارت «تفهم» ولديها منطق وحجج، ومن ثم لا ينبغي ان نفسر معارضتهم لبعض أفكارنا وسعيهم لإثبات ذواتهم ووجودهم بأنه بالضرورة سوء أدب وتمرد، بالعكس من المستحسن ان نشجع عيالنا على ممارسة قدر معقول من الاستقلالية، وأن نحترم خصوصيتهم طالما ان كل ذلك في إطار السلوك المقبول، بل وعندما نختلف معهم في أمر ما ينبغي ان نحاورهم بدلا من استخدام الجملة الإرهابية: بلاش قلة أدب وفصاحة! كلامي يمشي وبس! كما ان قيام ولدك بقص شعره بحيث يبدو وكأنه يضع قطعة بيرغر نصف مستوية في منتصف رأسه ليس بالضرورة دليلا على أنه فاسد!! على كل حال المسألة شائكة وصعبة وتتطلب مهارة وحذقا في تمييز الخيط الرفيع بين هذه وتلك.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك