العدد : ١٧٤٦٨ - الاثنين ١٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٨ - الاثنين ١٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

رهق المراهقة على الطرفين

قلبي‭ ‬لا‭ ‬يطاوعني‭ ‬على‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مجلة‭ ‬محترمة،‭ ‬ولهذا‭ ‬تجد‭ ‬عندي‭ ‬أعدادا‭ ‬قديمة‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬العربي‭ ‬الكويتية‭ ‬والدوحة‭ ‬القطرية‭ ‬والمجلة‭ ‬السعودية‭ ‬وتايم‭ ‬ونيوزويك‭ ‬الأمريكيتين،‭ ‬وخلال‭ ‬الحرب‭ ‬الإجرامية‭ ‬التي‭ ‬تطحن‭ ‬البشر‭ ‬والحجر‭ ‬والبقر،‭ ‬في‭ ‬وطني‭ (‬السودان‭) ‬حاليا،‭ ‬تعرض‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري‭ ‬للاقتحام‭ ‬والخراب،‭ ‬وما‭ ‬حزنت‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬مما‭ ‬فقدته،‭ ‬مثل‭ ‬حزني‭ ‬على‭ ‬أرشيفي‭ ‬الضخم‭ ‬من‭ ‬المجلات‭ ‬والقصاصات‭.‬

وعندي‭ ‬حاليا‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬القطرية‭ ‬الدوحة‭ ‬أعداد‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬مجلتي‭ ‬تايم‭ ‬ونيوزويك‭ ‬الأمريكيتين‭ ‬احتفظ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬بلاستيكية‭ ‬في‭ ‬الحمام،‭ ‬لأنني‭ ‬ممنوع‭ ‬بحكم‭ ‬‮«‬القوي‭ -‬أي‭ ‬المدام‭- ‬على‭ ‬الضعيف‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬شخصي‭ ‬من‭ ‬تخزينها‭ ‬في‭ ‬الغرف،‭ ‬وبالأمس‭ ‬توقفت‭ ‬عند‭ ‬موضوع‭ ‬الغلاف‭ ‬لأحد‭ ‬الأعداد‭ ‬القديمة‭ ‬لمجلة‭ ‬تايم،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬أسرار‭ ‬أدمغة‭ ‬المراهقين‮»‬،‭ ‬واستوقفني‭ ‬في‭ ‬التقارير‭ ‬الممتعة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬ذلك‭ ‬الموضوع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الملاحظات‭ ‬والنصائح‭ ‬التي‭ ‬وجهها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬والتربية‭ ‬الى‭ ‬الآباء‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬عيالهم‭ ‬المراهقين،‭ ‬وبعض‭ ‬تلك‭ ‬الملاحظات‭ ‬من‭ ‬البديهيات‭ ‬منها‭ ‬ان‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬يعتبرون‭ ‬ان‭ ‬بلوغ‭ ‬البنت‭ ‬او‭ ‬الولد‭ ‬سن‭ ‬الخامسة‭ ‬عشرة‭ ‬مثلا‭ ‬يرفع‭ ‬عن‭ ‬كواهلهم‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الرعاية‭ ‬والتوجيه،‭ ‬وتكون‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬وتسأله‭ ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬عن‭ ‬ولده‭ ‬فيقول‭: ‬والله‭ ‬ما‭ ‬أدري‭. ‬أظن‭ ‬انه‭ ‬بره‭ ‬البيت‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭. ‬خلاص‭ ‬الولد‭ ‬كبر‭ ‬وصار‭ ‬رجلا‭!! ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬لك‭ ‬يا‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الرجل‭ ‬ان‭ ‬يضيع‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬بلا‭ ‬غاية‭ ‬محددة‭ ‬ومبرر‭ ‬مقبول‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬عمره‭ ‬51‭ ‬سنة؟‭ ‬وبعكس‭ ‬هؤلاء،‭ ‬هناك‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬اللائق‭ ‬إبداء‭ ‬عواطف‭ ‬المحبة‭ ‬والحنان‭ ‬تجاه‭ ‬من‭ ‬بلغ‭ ‬مرحلة‭ ‬المراهقة‭ ‬او‭ ‬الشباب‭ ‬الباكر،‭ ‬مع‭ ‬ان‭ ‬الإنسان‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بلغ‭ ‬السبعين‭ ‬يرتاح‭ ‬للمسة‭ ‬الحانية،‭ ‬وكان‭ ‬أمتع‭ ‬شيء‭ ‬عندي،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬عيالي‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الصبا،‭ ‬ان‭ ‬يمرر‭ ‬أحد‭ ‬عيالي‭ ‬أصابعه‭ ‬على‭ ‬شعري‭ ‬الحريري‭ ‬ويفرك‭ ‬فروة‭ ‬رأسي‭ ‬برفق،‭ ‬وإذا‭ ‬واصل‭ ‬أحدهم‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬فإنني‭ ‬أنام‭ ‬مثل‭ ‬طفل‭ ‬نال‭ ‬كفايته‭ ‬من‭ ‬الحليب،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ارتدى‭ ‬قطعة‭ ‬بامبرز‭ ‬افتراضية‭ ‬جديدة‭ ‬ونظيفة،‭ ‬وكان‭ ‬عيالي‭ ‬يبتزونني‭ ‬لفرك‭ ‬فروة‭ ‬رأسي‭ ‬ووضعوا‭ ‬لها‭ ‬تسعيرة‭ ‬تعسفية‭ ‬تبدأ‭ ‬بعشرة‭ ‬ريالات،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬أحيانا‭ ‬الى‭ ‬قرص‭ ‬بيتزا‭ ‬من‭ ‬الحجم‭ ‬الكبير،‭ ‬أطرافه‭ ‬محشوة‭ ‬بجبن‭ ‬مطاطي‭ ‬تقضم‭ ‬منه‭ ‬قطعة‭ ‬فيمتد‭ ‬بينك‭ ‬وبين‭ ‬البيتزا‭ ‬خيط‭ ‬طويل‭ ‬مقرف،‭ ‬ينقطع‭ ‬أحيانا‭ ‬ويتدلى‭ ‬على‭ ‬صدرك‭.‬

الكثير‭ ‬من‭ ‬المراهقين‭ ‬يتضايقون‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬أهلهم‭ ‬بتدليعهم‭ ‬أمام‭ ‬زملائهم،‭ ‬ولن‭ ‬أنسى‭ ‬أبدا‭ ‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬استقبلت‭ ‬فيها‭ ‬أمي‭ ‬مطار‭ ‬الدوحة‭ ‬فاحتضنتني‭ ‬امام‭ ‬المئات‭ ‬وأمطرت‭ ‬وجهي‭ ‬بالقبلات‭. ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تقرأ‭ ‬التصريح‭ ‬الذي‭ ‬أدلى‭ ‬به‭ ‬الأديب‭ ‬والشاعر‭ ‬السعودي‭ ‬حبيبي‭ ‬غازي‭ ‬القصيبي‭ ‬–‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ - ‬نيابة‭ ‬عني‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭: ‬جعفر‭ ‬عباس،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يبوس‭ ‬ولا‭ ‬ينباس،‭ ‬وبالطبع‭ ‬هناك‭ ‬خيط‭ ‬رفيع‭ ‬بين‭ ‬معاملة‭ ‬شاب‭ ‬او‭ ‬شابة‭ ‬بحنان،‭ ‬وتلقيه‭ ‬او‭ ‬تلقيها‭ ‬بالأحضان،‭ ‬والتدليل‭ ‬لدرجة‭ ‬الإفساد‭ ‬بجعل‭ ‬كل‭ ‬طلبات‭ ‬المراهق‭ ‬مستجابة،‭ ‬فحتى‭ ‬علماء‭ ‬التربية‭ ‬الامريكان‭ ‬يطالبون‭ ‬بان‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬حدود‭ ‬لحرية‭ ‬المراهق‭ ‬ويقولون‭ ‬ان‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬يفهم‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬خطوطا‭ ‬حمراء‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬له‭ ‬تخطيها،‭ ‬وطبعا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المسائل‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬فأحيانا‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬بأن‭ ‬العيال‭ ‬كبرت‭ ‬وصارت‭ ‬‮«‬تفهم‮»‬‭ ‬ولديها‭ ‬منطق‭ ‬وحجج،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬نفسر‭ ‬معارضتهم‭ ‬لبعض‭ ‬أفكارنا‭ ‬وسعيهم‭ ‬لإثبات‭ ‬ذواتهم‭ ‬ووجودهم‭ ‬بأنه‭ ‬بالضرورة‭ ‬سوء‭ ‬أدب‭ ‬وتمرد،‭ ‬بالعكس‭ ‬من‭ ‬المستحسن‭ ‬ان‭ ‬نشجع‭ ‬عيالنا‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬قدر‭ ‬معقول‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬وأن‭ ‬نحترم‭ ‬خصوصيتهم‭ ‬طالما‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬السلوك‭ ‬المقبول،‭ ‬بل‭ ‬وعندما‭ ‬نختلف‭ ‬معهم‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬نحاورهم‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬الجملة‭ ‬الإرهابية‭: ‬بلاش‭ ‬قلة‭ ‬أدب‭ ‬وفصاحة‭! ‬كلامي‭ ‬يمشي‭ ‬وبس‭! ‬كما‭ ‬ان‭ ‬قيام‭ ‬ولدك‭ ‬بقص‭ ‬شعره‭ ‬بحيث‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬يضع‭ ‬قطعة‭ ‬بيرغر‭ ‬نصف‭ ‬مستوية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬رأسه‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬فاسد‭!! ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬المسألة‭ ‬شائكة‭ ‬وصعبة‭ ‬وتتطلب‭ ‬مهارة‭ ‬وحذقا‭ ‬في‭ ‬تمييز‭ ‬الخيط‭ ‬الرفيع‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬وتلك‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا