العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

استحموا يرحمكم الله

تناولت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬تجربتي‭ ‬المشينة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬زيارة‭ ‬لي‭ ‬للندن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬إقامتي‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬للشباب‭ ‬تديره‭ ‬كنيسة‭ ‬كاثوليكية‭ ‬يفترض‭ ‬انها‭ ‬‮«‬محافظة‮»‬،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بأن‭ ‬بها‭ ‬صفين‭ ‬متقابلين‭ ‬من‭ ‬الحمامات،‭ ‬كلها‭ ‬بلا‭ ‬أبواب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬دورهم‭ ‬للاستحمام‭ ‬كانوا‭ ‬يتسامرون‭ ‬عراة‭ ‬في‭ ‬مجموعات‭ ‬صغيرة،‭ ‬وهكذا‭ ‬عشت‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬بلا‭ ‬استحمام،‭ ‬وبداهة‭ ‬فإنه‭ ‬حتى‭ ‬التيس‭ ‬البالغ،‭ ‬ينفر‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬يغسل‭ ‬جسمه‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬متتالية،‭ ‬وهكذا‭ ‬أفرطت‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الديودرانت‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬مزيل‭ ‬رائحة‭ ‬العرق‭. ‬ورغم‭ ‬انني‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬الاستحمام‭ ‬بالتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الحمامات‭ ‬فجرا‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬جميع‭ ‬الطلاب‭ ‬نائمين‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬البيرة،‭ ‬فإنني‭ ‬فوجئت‭ ‬بورم‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬إبطي،‭ ‬ولجأت‭ ‬إلى‭ ‬الطبيب‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬إنه‭ ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬انسداد‭ ‬المسامات‭ ‬التي‭ ‬تفرز‭ ‬العرق‭ ‬بسبب‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬مزيل‭ ‬رائحة‭ ‬العرق،‭ ‬وعندما‭ ‬أتيت‭ ‬إلى‭ ‬الخليج‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬قررت‭ ‬عدم‭ ‬خوض‭ ‬تجربة‭ ‬قيادة‭ ‬سيارة،‭ ‬بسبب‭ ‬التهور‭ ‬الذي‭ ‬لمسته‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬سائقي‭ ‬السيارات،‭ ‬وكانت‭ ‬الخرطوم‭ ‬وقتها‭ ‬مدينة‭ ‬منظمة‭ ‬ومنضبطة‭ ‬مروريا‭ (‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬وأثناء‭ ‬زيارتي‭ ‬للسودان‭ ‬استضافتني‭ ‬فضائية‭ ‬سودانية‭ ‬في‭ ‬بث‭ ‬مباشر‭ ‬وسألني‭ ‬مقدم‭ ‬البرنامج‭ ‬عن‭ ‬انطباعاتي‭ ‬عن‭ ‬الخرطوم‭ ‬التي‭ ‬انقطعت‭ ‬عنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬سنة‭ - ‬تخللتها‭ ‬إجازات‭ ‬عابرة‭ - ‬كاد‭ ‬الرجل‭ ‬يسقط‭ ‬من‭ ‬كرسيه‭ ‬عندما‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬الانطباع‭ ‬الأول‭ ‬بأن‭ ‬المدينة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬فوضى‭ ‬مقننة‭ ‬وانفلات‭ ‬مروري‭ ‬شامل‭. ‬وكانت‭ ‬القناة‭ ‬حكومية‭ ‬وكان‭ ‬الرجل‭ ‬يعتقد‭ ‬أنني‭ ‬سأقول‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬لفت‭ ‬نظري‭ ‬هو‭ ‬العمران‭ ‬الجميل‭ ‬او‭ ‬تحسين‭ ‬وتأهيل‭ ‬الطرق‭!!).. ‬على‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬أمضيت‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬وانا‭ ‬أتنقل‭ ‬بسيارات‭ ‬الأجرة،‭ ‬وذات‭ ‬صيف‭ ‬جلست‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬منها،‭ ‬فأرسل‭ ‬دماغي‭ ‬إشارة‭ ‬بأنني‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مياه‭!! ‬كان‭ ‬مكيف‭ ‬السيارة‭ ‬يعمل‭ ‬بكفاءة‭ ‬ليهزم‭ ‬الحر‭ ‬والرطوبة،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬ان‭ ‬السائق‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬تديره‭ ‬الكنيسة‭ ‬الكاثوليكية،‭ ‬ولم‭ ‬يستحم‭ ‬طوال‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭! ‬فطلبت‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يوقف‭ ‬المكيف‭ ‬ويفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬السيارة،‭ ‬لكنه‭ ‬اتهمني‭ ‬بأنني‭ ‬‮«‬ما‭ ‬في‭ ‬مُك‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أنني‭ ‬بلا‭ ‬مخ‭!! ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬فمن‭ ‬يفضل‭ ‬حر‭ ‬ورطوبة‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬المكيف‭ ‬بالتأكيد‭ ‬‮«‬ما‭ ‬في‭ ‬مُك‮»‬‭! ‬وعندما‭ ‬لمس‭ ‬عنادي‭ ‬وإصراري‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬النوافذ‭ ‬صاح‭: ‬انت‭ ‬يريد‭ ‬جنجال؟‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬قد‭ ‬سمعت‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ولكنني‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الجنجلة‭ ‬أمر‭ ‬غير‭ ‬طيب‭ ‬فطلبت‭ ‬منه‭ ‬إيقاف‭ ‬السيارة‭ ‬ودفعت‭ ‬له‭ ‬الأجرة‭ ‬مضاعفة‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬الجنجال‭!! ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬شرطة‭ ‬المرور‭ ‬وقدمت‭ ‬أوراقي‭ ‬لنيل‭ ‬رخصة‭ ‬قيادة‭ ‬سيارة،‭ ‬واستعنت‭ ‬بمدرس‭ ‬خصوصي‭ ‬للنجاح‭ ‬في‭ ‬الاختبار‭ ‬اللازم‭.‬

بسبب‭ ‬البرد‭ ‬الشديد‭ ‬فان‭ ‬الجنس‭ ‬الأبيض‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الاستحمام‭ ‬بنفس‭ ‬الحماس‭ ‬الذي‭ ‬نتعامل‭ ‬به‭ ‬نحن‭ ‬معه،‭ ‬ويلجأون‭ ‬إلى‭ ‬مزيلات‭ ‬العرق‭ ‬أو‭ ‬مانعات‭ ‬التعرق،‭ ‬ولكن‭ ‬البحوث‭ ‬الطبية‭ ‬أكدت‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬قاطع‭ ‬ان‭ ‬بعضها‭ ‬يسبب‭ ‬سرطان‭ ‬الثدي،‭ ‬ويقول‭ ‬بحث‭ ‬علمي‭ ‬نشره‭ ‬فريق‭ ‬طبي‭ ‬قادته‭ ‬الدكتورة‭ ‬فيليبا‭ ‬داربري‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ريدنغ‭ ‬ان‭ ‬العنصر‭ ‬المسرطن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬العطور‭ ‬هو‭ ‬المادة‭ ‬الكيميائية‭ ‬الحافظة‭ ‬‮«‬بارابنز‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تقلد‭ ‬وظيفة‭ ‬هورمون‭ ‬الاوستروجين‭ ‬الذي‭ ‬ينشِّط‭ ‬الأورام‭ ‬في‭ ‬ثلثي‭ ‬حالات‭ ‬سرطان‭ ‬الثدي‭. ‬شركات‭ ‬العطور‭ ‬ومواد‭ ‬التجميل‭ ‬تزعم‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬مؤكد‭ ‬وتقول‭ ‬ان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العطور‭ ‬الخاصة‭ ‬بالتعرق‭ ‬لا‭ ‬تحوي‭ ‬البارابنز،‭ ‬ولكنني‭ ‬ألعب‭ ‬على‭ ‬المضمون،‭ ‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬ان‭ ‬أصاب‭ ‬بسرطان‭ ‬الثدي‭!!!  ‬وعدم‭ ‬كتابة‭ ‬اسم‭ ‬تلك‭ ‬المواد‭ ‬الكيميائية‭ ‬ضمن‭ ‬مكونات‭ ‬أي‭ ‬عطر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬مستخدم‭ ‬فيه،‭ ‬فصناعة‭ ‬العطور‭ ‬تجارة‭ ‬والتجارة‭ ‬شطارة‭.. ‬قل‭ ‬وداعا‭ ‬لمزيلات‭ ‬رائحة‭ ‬العرق‭ ‬واستحم‭ ‬جيدا‭ ‬واستخدم‭ ‬العطور‭ ‬العادية‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا