زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عواقب تحكيم الكرة
سأل الصغير أباه: منذ كم سنة وأنت وأمي متزوجان؟ فأجاب الأب: منذ 37 سنة. فسأله الصغير: وكم كلفك الزواج بأمي؟ فأجاب الأب: لا أدري لأنني ما زلت أدفع تكاليف الزواج. وتذكرت تلك الفترة التي قررت فيها الزواج، أو بالأحرى عندما قررت «حجز» أي أن أخطب شفهيا، الفتاة التي اعتزمت الزواج بها (والتي صارت لاحقا أم الجعافر)، لم يكن في جيبي من المال ما يكفي لأجرة سيارة التاكسي التي ستقل أمي وأخواتي ليتوجهن الى بيت العروس سعيدة الحظ لإبرام الاتفاقية المبدئية، والتوقيع على «مذكرة تفاهم». وكنت وقتها مدرسا، فما كان مني إلا أن أخذت المدارس المسائية مقاولة، ولحسن حظي فإن كل المدارس الحكومية النهارية تتحول إلى مسائية في كل أنحاء السودان، لإتاحة فرصة مواصلة التعليم لمن فاتهم قطار التعليم النظامي لأسباب عائلية أو اقتصادية، وكان من بين طلابي واحد في منتصف الثلاثينات، كان يريد نيل الشهادة الثانوية ودخول الجامعة، وكان مجتهدا وخلوقا ومنضبطا، ولكنني كنت ألاحظ أنه كثيرا ما يحضر إلى المدرسة وهو يعاني من الكدمات، وتحاشيت سؤاله عن أسباب إصابته لاعتقادي بأنها قد تكون ناجمة عن عدوان شنته عليه زوجته، وبأن ما سأسمعه منه عن زوجته «الشرّانية» قد يدفعني إلى صرف النظر عن مشروع الزواج طلبا للسلامة، ثم غاب عن المدرسة بضعة أيام على غير عادته، فسألت زملاءه عنه، فقالوا لي إنه يعاني من إصابات جسيمة! لماذا؟ لأنه كان يعمل في مجال التحكيم في كرة القدم بين فرق الدرجة الرابعة، التي كان جانب من مبارياتها يقام في مكان في مدينة الخرطوم بحري اسمه ميدان عقرب، وهو اسم يدل على نوع المباريات التي تقام فيه، وكان صاحبي يأكل علقة (وجبة ضرب) عقب معظم المباريات التي كان يديرها، مما يفسر الكدمات التي كنت أشهدها على جسمه بين الحين والآخر، ولم يكن يتعرض للضرب لأنه حكم سيء أو غير محايد، بل - كما هو الحال في كل الدول العربية - لأن مشجعي الفريق المنهزم يعتبرون الحكم مسؤولا عن سد مرمى الخصم بالخرسانة المسلحة، ويفشون غلهم فيه ويعتدون عليه بالضرب، ويتهمونه بالخيانة والعمالة للفريق الآخر وإسرائيل، وكان ذلك الطالب بحاجة إلى الخمسين قرشا التي كان يتقاضاها نظير كل مباراة ومن ثم فقد كان يعرض نفسه للضرب حتى لا يخسر مبلغا كان يعني الكثير بالنسبة إلى شخص متزوج، ويتعين عليه دفع رسوم دراسية، وقد ساعدته إدارة المدرسة المسائية بأن عثرت له على وظيفة كتابية في مصنع بالمدينة فاستأنف دراسته وصار جسمه ناعما وخاليا من الكدمات، وبعد بضعة أشهر فوجئت به يدخل حجرة الدراسة وفي رأسه جرح ينزف وعلمت منه أنه استأنف تحكيم المباريات وبرر ذلك بأنه يحلم بأن يصبح حكما في الدرجة الثانية ثم الأولى، وقلت له: عمرك الآن 36 سنة وتحتاج إلى نحو عشرين سنة كي ترتقي من الدرجة الرابعة إلى مصاف حكام الدرجة الأولى، هذا إذا لم تصب بعاهة مستديمة خلال الأشهر القليلة المقبلة!! ولا أعرف ماذا فعل الله به لأنني لا أتابع أي شيء يتعلق بكرة القدم، ولكنني صرت أتعاطف مع حكام مباريات كرة القدم رغم أن معرفتي بقوانين اللعبة مثل معرفة بعض المطربات العربيات بأصول الحشمة!
ولكنني لا أتعاطف مع حكم الكرة البرازيلي كارلوس خوسيه فيرا، الذي كتبت عنه من قبل، فقد قرر طرد لاعب، وأخرج فيرا من جيبه شيئا أحمر، ولكنه لم يكن بطاقة، بل قطعة ملابس نسائية، وكان ذلك قبل «الهاف تايم»!!!! أي قبل نهاية الشوط الأول!! ونقلت كاميرات التلفزيون ذلك المشهد وعاد فيرا إلى البيت فضربته زوجته بمطرقة خشبية، حتى خرج من جسمه سائل أحمر، ثم أخرجت له بطاقة حمراء وطردته من حياتها!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك