العدد : ١٧٤٦٤ - الخميس ١٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٤ - الخميس ١٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

خذوا مني العظة والعبر

كدت‭ ‬أن‭ ‬أصاب‭ ‬بنوبة‭ ‬ربو‭ ‬والتهاب‭ ‬الأذن‭ ‬والأنف‭ ‬والحنجرة‭ ‬عندما‭ ‬قرأت‭ ‬تقريرا‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬المدخنين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬يحرقون‭ ‬زهاء‭ ‬7‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬سنويا،‭ ‬ومن‭ ‬يمارسون‭ ‬هذا‭ ‬الضرب‭ ‬من‭ ‬الحرق‭ ‬يحسبون‭ ‬ان‭ ‬المسألة‭ ‬تستأهل،‭ ‬فالمهم‭ ‬عندهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬السيجارة‭ ‬تجعل‭ ‬المزاج‭ ‬رائقا‭ ‬والأعصاب‭ ‬هادئة،‭ ‬طيب‭ ‬هناك‭ ‬كذا‭ ‬مليار‭ ‬آدمي‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬لا‭ ‬يدخنون‭ ‬ولا‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬انفلات‭ ‬الأعصاب‭ ‬والتوتر‭. ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السجائر‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬التوتر‭ ‬والنرفزة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬مدخنا‭ ‬لما‭ ‬جعلك‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬التدخين‭ ‬عصبيا‭. ‬ولأنني‭ ‬أعرف‭ ‬ان‭ ‬الإنسان‭ ‬بطبعه‭ ‬يضيق‭ ‬بالوعظ‭ ‬والنصائح،‭ ‬لأنها‭ ‬تعطيه‭ ‬الإحساس‭ ‬بأنه‭ ‬مقصر‭ ‬او‭ ‬قاصر،‭ ‬وبأن‭ ‬الناصح‭ ‬او‭ ‬الواعظ‭ ‬يقوم‭ ‬بدور‭ ‬‮«‬الوصيّ‮»‬،‭ ‬فإنني‭ ‬أقول‭ ‬للمدخنين‭ ‬إنني‭ ‬صاحب‭ ‬تجربة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التدخين،‭ ‬وقد‭ ‬كتبت‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭ ‬عن‭ ‬أنني‭ ‬بدأت‭ ‬التدخين‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التبغ‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬قَمْشه‮»‬‭ ‬يُزرع‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬السودان،‭ ‬رائحته‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬رائحة‭ ‬الجورب‭ (‬الشُرّاب‭) ‬المحترق‭ ‬بعد‭ ‬استخدامه‭ ‬سبعة‭ ‬أشهر‭ ‬بدون‭ ‬غسيل،‭ ‬ثم‭ ‬مررت‭ ‬بطفرة‭ ‬حسبتها‭ ‬حضارية‭ ‬واستخدمت‭ ‬سجائرا‭ ‬ينتجه‭ ‬مصنع‭ ‬محلي،‭ ‬وكنت‭ ‬طوال‭ ‬استخدامي‭ ‬لتلك‭ ‬السجائر‭ ‬أصاب‭ ‬بالسعال‭ ‬الدجاجي‭ ‬ست‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬السنة‭. ‬وتلت‭ ‬ذلك‭ ‬طفرة‭ ‬أخرى‭ ‬باللجوء‭ ‬إلى‭ ‬سجائر‭ ‬محلية‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬جيدة،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬ايضا‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬المسيل‭ ‬للدموع‭ ‬بل‭ ‬وكانت‭ ‬تنفجر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬وتتصاعد‭ ‬منها‭ ‬شرارات‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الطفرة‭ ‬البرجوازية‭ ‬بدخول‭ ‬عالم‭ ‬سجائر‭ ‬روثمانز‭ (‬وليس‭ ‬روثمان‭) ‬وبنسون‭ ‬آند‭ ‬هيدجز،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬فإن‭ ‬السوداني‭ ‬يعتقد‭ ‬ان‭ ‬هذين‭ ‬الصنفين‭ ‬من‭ ‬السجائر‭ ‬ومعهما‭ ‬معجون‭ ‬الاسنان‭ ‬سيجنال‭ ‬وسيارات‭ ‬تويوتا‭ ‬كريسيدا‭ ‬وكورولا،‭ ‬ولاحقا‭ ‬هيونداي،‭ ‬صنعت‭ ‬جميعا‭ ‬من‭ ‬أجلهم‭ ‬فقط،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬تلك‭ ‬السلع‭ ‬جزءا‭ ‬مكملا‭ ‬للشخصية‭ ‬السودانية،‭ ‬بدرجة‭ ‬ان‭ ‬شائعات‭ ‬راجت‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الجاليات‭ ‬السودانية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬المهجر‭ ‬بأنني‭ ‬صرت‭ ‬عميلا‭ ‬للمخابرات‭ ‬المصرية‭ ‬قبل‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬عندما‭ ‬اشتريت‭ ‬سيارة‭ ‬بيجو‭ (‬فرنسية‭ ‬الصنع‭).. ‬واضطررت‭ ‬لبيعها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سارت‭ ‬بي‭ ‬كيلومترات‭ ‬معدودة‭ ‬لأن‭ ‬شبهة‭ ‬العمالة‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬أمريكا،‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أطيقه‭ (‬في‭ ‬زمن‭ ‬خطف‭ ‬رؤساء‭ ‬الدول،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬مغازلة‭ ‬أمريكا‭).‬

المهم‭ ‬يا‭ ‬سادة‭ ‬انني‭ ‬وفي‭ ‬مطلع‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬الطبيب‭ ‬لعلة‭ ‬ما‭ ‬أصبت‭ ‬بها،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يفاجئني‭ ‬بالقول‭ ‬إنني‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭! ‬صحت‭: ‬الله‭ ‬أكبر،‭ ‬هذا‭ ‬نصيبي‭ ‬من‭ ‬‮«‬الورثة‮»‬‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬والدي‭ ‬عباس‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المرض‭. ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬تعاطي‭ ‬عقار‭ ‬اسمه‭ ‬إنديرال،‭ ‬أصابني‭ ‬بوهن‭ ‬شديد،‭ ‬وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬التنورمين،‭ ‬وكنت‭ ‬مواظبا‭ ‬على‭ ‬تعاطي‭ ‬تلك‭ ‬العقاقير،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬مواظبا‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬توجيهات‭ ‬الطبيب‭ ‬القاضية‭ ‬بالتوقف‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭. ‬مارست‭ ‬الفهلوة‭ ‬وقمت‭ ‬بتخفيض‭ ‬عدد‭ ‬السجائر‭ ‬التي‭ ‬أتعاطاها‭ ‬يوميا،‭ ‬ولكن‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬لم‭ ‬ينخفض‭. ‬فخفضت‭ ‬عدد‭ ‬السجائر‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.. ‬برضو‭ ‬مفيش‭ ‬فايدة‭.. ‬لم‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬مقتنعا‭ ‬بأنني‭ ‬سأرتكب‭ ‬جريمة‭ ‬لو‭ ‬حرمت‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬التبغ،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬السجائر‭ ‬عندي‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬بضع‭ ‬دقائق‭ ‬يصيبني‭ ‬بتوتر‭ ‬وشد‭ ‬عصبي‭.. ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬مما‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬بد،‭ ‬وتوقفت‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭.. ‬ولم‭ ‬ارتكب‭ ‬جريمة‭ ‬ولم‭ ‬أطلق‭ ‬أم‭ ‬الجعافر‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تطن‭ ‬وتزن‭ ‬في‭ ‬أذني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عدة‭ ‬أعوام‭ ‬كي‭ ‬أتوقف‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭.. ‬وبعد‭ ‬نحو‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬التبغ‭ ‬كان‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬عندي‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬معدلاته‭ ‬الطبيعية‭.. ‬وظللت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬أدخن‭ ‬سيجارة‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬او‭ ‬الشهرين‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬على‭ ‬سفر‭.. ‬واعترف‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬الإرادة‭ ‬واستهتار‭ ‬بنعمة‭ ‬الحياة‭.. ‬ولكن‭ ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬انني‭ ‬لم‭ ‬اعد‭ ‬عبدا‭ ‬للنيكوتين‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬حلقي‭ ‬يصدر‭ ‬أصواتا‭ ‬ويفرز‭ ‬مواد‭ ‬مقرفة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا