زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
خذوا مني العظة والعبر
كدت أن أصاب بنوبة ربو والتهاب الأذن والأنف والحنجرة عندما قرأت تقريرا يفيد بأن المدخنين في دول مجلس التعاون الخليجي يحرقون زهاء 7 مليارات دولار سنويا، ومن يمارسون هذا الضرب من الحرق يحسبون ان المسألة تستأهل، فالمهم عندهم هو أن السيجارة تجعل المزاج رائقا والأعصاب هادئة، طيب هناك كذا مليار آدمي على وجه الأرض لا يدخنون ولا يعانون من انفلات الأعصاب والتوتر. ما يعني أن السجائر هي التي تسبب التوتر والنرفزة، بمعنى أنه لو لم تكن أو تصبح مدخنا لما جعلك الحرمان من التدخين عصبيا. ولأنني أعرف ان الإنسان بطبعه يضيق بالوعظ والنصائح، لأنها تعطيه الإحساس بأنه مقصر او قاصر، وبأن الناصح او الواعظ يقوم بدور «الوصيّ»، فإنني أقول للمدخنين إنني صاحب تجربة ضخمة في مجال التدخين، وقد كتبت عشرات المرات عن أنني بدأت التدخين بنوع من التبغ اسمه «قَمْشه» يُزرع عندنا في شمال السودان، رائحته أسوأ من رائحة الجورب (الشُرّاب) المحترق بعد استخدامه سبعة أشهر بدون غسيل، ثم مررت بطفرة حسبتها حضارية واستخدمت سجائرا ينتجه مصنع محلي، وكنت طوال استخدامي لتلك السجائر أصاب بالسعال الدجاجي ست مرات في السنة. وتلت ذلك طفرة أخرى باللجوء إلى سجائر محلية قيل إنها جيدة، ولكنها كانت ايضا من النوع المسيل للدموع بل وكانت تنفجر في بعض الأحيان وتتصاعد منها شرارات كما في الألعاب النارية. ثم جاءت الطفرة البرجوازية بدخول عالم سجائر روثمانز (وليس روثمان) وبنسون آند هيدجز، وكما هو معروف فإن السوداني يعتقد ان هذين الصنفين من السجائر ومعهما معجون الاسنان سيجنال وسيارات تويوتا كريسيدا وكورولا، ولاحقا هيونداي، صنعت جميعا من أجلهم فقط، حتى صارت تلك السلع جزءا مكملا للشخصية السودانية، بدرجة ان شائعات راجت في أوساط الجاليات السودانية في مختلف دول المهجر بأنني صرت عميلا للمخابرات المصرية قبل حين من الزمان عندما اشتريت سيارة بيجو (فرنسية الصنع).. واضطررت لبيعها بعد أن سارت بي كيلومترات معدودة لأن شبهة العمالة لأي دولة غير أمريكا، أمر ما كنت أطيقه (في زمن خطف رؤساء الدول، لابد من مغازلة أمريكا).
المهم يا سادة انني وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي لجأت إلى الطبيب لعلة ما أصبت بها، فإذا به يفاجئني بالقول إنني أعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم! صحت: الله أكبر، هذا نصيبي من «الورثة» فقد كان والدي عباس رحمه الله يعاني من ذلك المرض. وبدأت في تعاطي عقار اسمه إنديرال، أصابني بوهن شديد، وانتقلت إلى التنورمين، وكنت مواظبا على تعاطي تلك العقاقير، ولكنني لم أكن مواظبا على اتباع توجيهات الطبيب القاضية بالتوقف عن التدخين. مارست الفهلوة وقمت بتخفيض عدد السجائر التي أتعاطاها يوميا، ولكن ضغط الدم لم ينخفض. فخفضت عدد السجائر مرة أخرى.. برضو مفيش فايدة.. لم أفكر في التوقف عن التدخين لأنني كنت مقتنعا بأنني سأرتكب جريمة لو حرمت نفسي من التبغ، فقد كان عدم توافر السجائر عندي في لحظات معينة لا تزيد على بضع دقائق يصيبني بتوتر وشد عصبي.. ولكن كان لابد مما ليس منه بد، وتوقفت عن التدخين.. ولم ارتكب جريمة ولم أطلق أم الجعافر التي كانت تطن وتزن في أذني على مدى عدة أعوام كي أتوقف عن التدخين.. وبعد نحو شهرين من الحرمان من التبغ كان ضغط الدم عندي قد عاد إلى معدلاته الطبيعية.. وظللت على مدى سنوات أدخن سيجارة مرة في الشهر او الشهرين فقط عندما أكون على سفر.. واعترف بأن ذلك ضعف في الإرادة واستهتار بنعمة الحياة.. ولكن المهم هو انني لم اعد عبدا للنيكوتين ولم يعد حلقي يصدر أصواتا ويفرز مواد مقرفة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك