العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لماذا استحق ياب الضرب

كنت‭ ‬لحين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬‮«‬متعصبا‮»‬‭ ‬في‭ ‬إعجابي‭ ‬بنادي‭ ‬المريخ‭ ‬السوداني‭ ‬لكرة‭ ‬القدم،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬زمان‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الفرق‭ ‬الأوروبية‭ ‬تتوافد‭ ‬على‭ ‬السودان‭ ‬لمنازلة‭ ‬أنديتها‭ ‬استعدادا‭ ‬لمنافسات‭ ‬حاسمة،‭ ‬وهكذا‭ ‬شهدت‭ ‬بالعين‭ ‬المجردة‭ ‬مباريات‭ ‬حية‭ ‬كان‭ ‬أطرافها‭ ‬نادي‭ ‬ليفربول‭ ‬الإنجليزي‭ ‬والهونفيد‭ ‬المجري‭ ‬وفاسكو‭ ‬دي‭ ‬غاما‭ ‬البرازيلي‭ ‬ودينامو‭ ‬موسكو‭ ‬ضد‭ ‬أندية‭ ‬سودانية‭. ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬صرت‭ ‬شديد‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬الولاء‭ ‬لأندية‭ ‬الكرة‭ ‬مقدما‭ ‬على‭ ‬الولاء‭ ‬للأوطان‭.‬

ومراعاة‭ ‬للدقة‭ ‬أقول‭ ‬إنني‭ ‬صرت‭ ‬أكره‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نتعاطى‭ ‬بها‭ ‬كرة‭ ‬القدم،‭ ‬وانشغالنا‭ ‬بها‭ ‬وكأنها‭ ‬مفتاح‭ ‬التنمية‭ ‬والمعرفة‭ ‬والسعادة‭ ‬الزوجية‭. ‬وكرة‭ ‬القدم‭ ‬لعبة‭ ‬جميلة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬يلعبونها‭ ‬يعرفون‭ ‬فنونها‭ ‬وأصولها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنني‭ ‬أعجب‭ ‬عندما‭ ‬أرى‭ ‬وأسمع‭ ‬أناسا‭ ‬يتشاتمون‭ ‬ويتعاركون‭ ‬حول‭ ‬فرقنا‭ ‬العرجاء،‭ ‬ولاعبينا‭ ‬الذين‭ ‬يهيمون‭ ‬في‭ ‬الملاعب‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬عدسة‭ ‬لاصقة‭ ‬سقطت‭ ‬من‭ ‬عينه،‭ ‬فبينما‭ ‬اللاعبون‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬يتعاطون‭ ‬عقاقير‭ ‬منشطة‭ ‬ومحفزة،‭ ‬ويلاحقون‭ ‬الكرة‭ ‬وكأنهم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المردة،‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬لاعبينا‭ ‬يتعاطون‭ ‬عقاقير‭ ‬هلوسة‭ ‬بدليل‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الملعب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬دقيقة‭ ‬هائما‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تلامس‭ ‬رجله‭ ‬الكرة،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬المرة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يستخدم‭ ‬فيها‭ ‬ذلك‭ ‬البعض‭ ‬أرجلهم‭ ‬لتوجيه‭ ‬ركلة‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬المباراة‭!!‬

الهوس‭ ‬الكروي‭ ‬بلغ‭ ‬عندنا‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬الدوري‭ ‬الأوروبي‭ ‬والإنجليزي‭ ‬بالتحديد‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬يحظيان‭ ‬أحيانا‭ ‬باهتمام‭ ‬عربي‭ ‬هؤلاء‭ ‬يشجعون‭ ‬برشلونة‭ ‬وأولئك‭ ‬يشجعون‭ ‬مانشستر‭ ‬يونايتد،‭ ‬أو‭ ‬إيه‭ ‬سي‭ ‬ميلان‭. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشجع‭ ‬فريق‭ ‬شيخن‭ ‬بيخن‭ ‬الألماني‭!! ‬وفي‭ ‬المواسم‭ ‬الكروية‭ ‬فإن‭ ‬أم‭ ‬الجعافر‭ ‬هي‭ ‬الزوجة‭ ‬الأكثر‭ ‬سعادة‭ ‬لأن‭ ‬بعلها‭ ‬ينصرف‭ ‬تماما‭ ‬خلال‭ ‬الدورات‭ ‬الكروية‭ ‬عن‭ ‬التلفزيون‭ ‬ويستخدمه‭ ‬ك«رف‮»‬‭ ‬للمجلات‭ ‬والصحف‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬وبداهة‭ ‬فإنني‭ ‬متعاطف‭ ‬مع‭ ‬السيدة‭ ‬المليزية‭ ‬مدام‭ ‬‮«‬ياب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬شكاها‭ ‬زوجها‭ ‬إلى‭ ‬الشرطة‭ ‬لأنها‭ ‬ضربته‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬بالريموت‭ ‬كونترول،‭ ‬وكانت‭ ‬الزوجة‭ ‬قد‭ ‬أخذت‭ ‬تعهدا‭ ‬من‭ ‬زوجها‭ ‬بعدم‭ ‬متابعة‭ ‬مباريات‭ ‬الدوري‭ ‬والبطولات‭ ‬الأوروبية‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬لأنها،‭ ‬وبسبب‭ ‬فروق‭ ‬الوقت،‭ ‬تبث‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬مليزيا،‭ ‬مما‭ ‬يجعله‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬الاستيقاظ‭ ‬المبكر‭ ‬لتوصيل‭ ‬العيال‭ ‬إلى‭ ‬المدارس،‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬ليلة‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬نادي‭ ‬آرسنال‭ ‬الذي‭ ‬يشجعه‭ ‬مستر‭ ‬ياب‭ ‬يلعب‭ ‬مباراة‭ ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬إنجليزي‭ ‬آخر،‭ ‬تسلل‭ ‬ياب‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬والنصف‭ ‬صباحا،‭ ‬وجلس‭ ‬أمام‭ ‬التلفزيون‭ ‬متابعا‭ ‬المباراة،‭ ‬مستخدما‭ ‬كاتم‭ ‬الصوت‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تستيقظ‭ ‬زوجته‭ ‬وتضبطه‭ ‬متلبسا‭ ‬بالجرم‭ ‬المشهود،‭ ‬وتقدم‭ ‬الفريق‭ ‬الآخر‭ ‬بهدف‭ ‬مما‭ ‬أصاب‭ ‬ياب‭ ‬بالحزن‭ ‬الشديد،‭ ‬وجلس‭ ‬يتابع‭ ‬المباراة‭ ‬محبطا‭ ‬متألما‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬لأن‭ ‬عواطفه‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬آرسنال،‭ (‬أليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬العرب‭ ‬يشجعون‭ ‬البرازيل‭ ‬في‭ ‬المنافسات‭ ‬الكروية‭ ‬الدولية؟‭ ‬مالنا‭ ‬ومالهم؟‮»‬‭!!) ‬وفجأة‭ ‬‮«‬فعلها‮»‬‭ ‬أحد‭ ‬مهاجمي‭ ‬آرسنال‭ ‬وسجل‭ ‬هدفا‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬الخصم،‭ ‬وصارت‭ ‬النتيجة‭ ‬تعادل‭ ‬الطرفين‭ ‬وكتم‭ ‬ياب‭ ‬فرحته‭ ‬ورقص‭ ‬حول‭ ‬التلفزيون‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يصدر‭ ‬منه‭ ‬صوت،‭ ‬ثم‭ ‬جلس‭ ‬يتابع‭ ‬المباراة‭. ‬ثم‭ ‬فعلها‭ ‬اللاعب‭ ‬ثانية‭ ‬وسجل‭ ‬هدف‭ ‬الفوز،‭ ‬و‭... ‬لا‭ ‬إراديا‭ ‬وجد‭ ‬ياب‭ ‬نفسه‭ ‬يصرخ‭ ‬بأعلى‭ ‬صوته‭: ‬يييييهووووو‭... ‬يييييس،‭.. ‬واااااااو‭... ‬ياهوو‭ .. ‬غوغل،‭ ‬بص‭ ‬شوف‭ ‬آرسنال‭ ‬بيعمل‭ ‬إيه‭. ‬رقصني‭ ‬يا‭ ‬جدع‭. ‬نسي‭ ‬المسكين‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬الانتشاء‭ ‬بالهدف‭ ‬الثاني‭ ‬أمر‭ ‬زوجته‭ ‬الداعشية،‭ ‬وتعهده‭ ‬لها‭ ‬بعدم‭ ‬متابعة‭ ‬المباريات‭. ‬وطبعا‭ ‬استيقظت‭ ‬الزوجة‭ ‬ووقفت‭ ‬وراء‭ ‬الزوج‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يحس‭ ‬بوجودها،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فوجئ‭ ‬بها‭ ‬تنتزع‭ ‬الريموت‭ ‬كونترول‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬وتغلق‭ ‬التلفزيون‭ ‬ثم‭ ‬تضربه‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬بقوة‭ ‬180‭ ‬درجة‭ ‬على‭ ‬مقياس‭ ‬ريختر‭ ‬المستخدم‭ ‬لقياس‭ ‬قوة‭ ‬الزلازل،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬أمام‭ ‬مستر‭ ‬ياب‭ ‬سوى‭ ‬الهرب‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تستبدل‭ ‬الزوجة‭ ‬الكونترول‭ ‬بالشبشب‭ ‬أو‭ ‬المكنسة‭ ‬وتوجه‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬وفتح‭ ‬بلاغا‭ ‬على‭ ‬زوجته،‭ ‬وهو‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬كدمة‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬هي‭ ‬دليل‭ ‬إدانتها‭!! ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬انتهت‭ ‬القضية‭ ‬ولكنني‭ ‬أدعو‭ ‬جميع‭ ‬الزوجات‭ ‬إلى‭ ‬مجاراة‭ ‬مدام‭ ‬ياب‭ ‬ومنع‭ ‬الأزواج‭ ‬من‭ ‬احتكار‭ ‬التلفزيون‭ ‬والسهر‭ ‬والجدل‭ ‬حول‭ ‬شيء‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬ولا‭ ‬شأن‭ ‬لنا‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أصابنا‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬صوب‭ ‬و«تحت‭ ‬رأس‮»‬‭ ‬أوروبا‭!!.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا