زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
تسكت تكسب
عملت حينا من الدهر، مدرسا للغة الإنجليزية بالمرحلة الثانوية، في السودان، وكان أحد طلابي يتمتع بمناعة وحصانة ضد تلك اللغة، تماثل حصانتي ضد علم الحساب والجبر والهندسة والجذر التربيعي واللوغريثمات، وعلى مدى سنتين متتاليتين لم أسمع له حسا خلال وجودي في حجرة الدراسة فأطلقت عليه اسم ابو الهول، لأنه كان يجلس واضعا يديه على الدرج، ومحملقا في الهواء دون ان تبدر منه أي حركة، وكلما وجهت اليه سؤالا اكتفى بهز رأسه بما معناه «حِل عني»، ومن مقتضيات الأمانة ان أقول إنه كان يعرف جملة إنجليزية واحدة وينطق بها بكفاءة: آي دونت نو (لا أدري). أوجه إليه سؤالا بالإنجليزية، فيأتي الرد: آي دونت نو؟ وحتى «واتس يور نيم؟» ما اسمك؟ يرد: آي دونت نو،
وعرضت عليه أكثر من مرة ان أقدم له مساعدة خاصة كي يقوم بتطبيع العلاقات مع اللغة الإنجليزية، ولكنه كان مقتنعا بأنه غير مبرمج لنطق ما هو أكثر من «آي دونت نو»، وكلما ضغطت عليه اتهمني بالعمالة للاستعمار (لأن السودان كان مستعمرة بريطانية) وواجهني بالسؤال: هل البريطانيون والأمريكان والأستراليون يدرسون العربية في مدارسهم أو جامعاتهم؟ ثم عرفت أنه يمارس دور أبو الهول ايضا في دروس الفيزياء والكيمياء، وأن غاية الطموح عنده هي أن ينال شهادة «إكمال» المرحلة الثانوية، كي «يحِل» أبوه عنه، لأنه «لا أبوه ولا اللي خلفوا أبو أبوه» يستطيعون تسجيله في جامعة، وكان صمت أبو الهول السوداني من نحاس، لأنه لم يكسب من ورائه شيئا. بعكس صمت الخواجة البريطاني جيمس كران، عضو البرلمان عن حزب المحافظين عن دائرة بيفرلي آند هولدرنيس، ويخيل إلي ان الرجل من أصل عربي أو يحمل جينات عربية، وربما كان اسمه الأصلي جمعة قرعان، فمنذ ان أن دخل البرلمان في عام 2001، وهو يقول لنفسه في كل جلسة: لسانك حصانك، إن صنته صانك وإن لم تصنه رفسك!! يعني النائب المحترم كران لم يفتح فمه بكلمة واحدة في البرلمان طوال ربع قرن، لم يشارك في نقاش او يطرح سؤالا، لا منطوقا ولا مكتوبا، وحتى عندما يتطلب الأمر رفع الأيدي للتصويت فإن كران وفي غالب الأحوال يضع يديه في جيبيه أو يتفادى الجلسات البرلمانية التي تتطلب التصويت، ومع هذا فقد ظل يتقاضى سنويا راتبا قدره 184 ألف استرليني، وفوقه بدلات للمكاتب والمساعدين تبلغ اكثر من 170 الف إسترليني، ولأن دائرته تقع خارج لندن حيث مقر البرلمان فإنه يتقاضى 56 الف استرليني نظير الإقامة في لندن خمسة ايام في الأسبوع، فضلا عن «نثريات» تبلغ 19 ألف إسترليني!! هل فهمتم لماذا أعتقد ان هذا الرجل برلماني عربي أو من أصل عربي؟.. يعني لا يحل ولا يربط ولا يهش ولا ينش، ويدخل جيبه نحو 700 الف دولار سنويا!! وفي مجلس اللوردات البريطاني وهو أكبر تجمع للتنابلة على وجه الأرض، احتفل أحد اللوردات بمرور 32 سنة عليه في المجلس دون ان يقول كلمة واحدة، رغم أنه لا يفوِّت جلسة، فهو حريص على حضور الجلسات وعندما يشتد النقاش يضع رأسه على كتفه الأيمن، و... خ خ خ خ خ خ، ولم تصدر شكوى من أي من أعضاء المجلس من شخيره، لأن معظمهم يعانون من ضعف السمع أو الصمم التام!! وأعود الى جيمس كران او جمعة قرعان فأقول ان جيناته العربية تتجلى ايضا في أنه يفعل ما يفعله البرلمانيون العرب، الذين يعرفون ان سبيلهم الوحيد للمحافظة على مقاعدهم، هو ان يكونوا ببغاوات يرددون الكلام المعلب الذي يتم توزيعه عليهم، وإذا كان الواحد منهم لا يتحلى بمواهب ببغاوية فإن المطلوب منه هو الصمت التام.. فالصمت البرلماني العربي من ذهب.. تصمت تكسب.. تتكلم «تذهب».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك