العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٧ - الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ما لي ولك ولزيجاتهم؟

ما‭ ‬يجعلني‭ ‬أواصل‭ ‬الزعم‭ ‬بأن‭ ‬عمري‭ ‬ثابت‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬الـ39‭ ‬سنة‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ذاكرتي‭ ‬بعيدة‭ ‬الأمد،‭ ‬أي‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالأحداث‭ ‬الماضية،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬بخير‭.‬

وما‭ ‬زال‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬محفورا‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬عليه‭ ‬فقد‭ ‬شهد‭ ‬حدثا‭ ‬إعلاميا‭ ‬تاريخيا‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬وقائع‭ ‬حفل‭ ‬زفاف‭ ‬لتيسيا‭ ‬اورتيث،‭ ‬من‭ ‬فيليبي‭ ‬دي‭ ‬بوربون،‭ ‬وهو‭ ‬ملك‭ ‬إسبانيا‭ ‬الحالي،‭ ‬وكان‭ ‬وقتها‭ ‬ولي‭ ‬عهد‭ ‬إسبانيا،‭ ‬ففي‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬منعت‭ ‬إسبانيا‭ ‬دخول‭ ‬أي‭ ‬طائرة‭ ‬مجالها‭ ‬الجوي،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إحاطة‭ ‬مكان‭ ‬الحفل‭ ‬بالدبابات‭ ‬والعربات‭ ‬المصفحة،‭ ‬ورغم‭ ‬هطول‭ ‬أمطار‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الإسبانية‭ ‬مدريد‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الإسبان‭ ‬وقفوا‭ ‬في‭ ‬الساحات‭ ‬العامة‭ ‬يشاهدون‭ ‬مراسيم‭ ‬الزواج‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬ضخمة،‭ ‬وتم‭ ‬نقل‭ ‬الحفل‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬وقُدِّر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬تابعوا‭ ‬الحفل‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بمليار‭ ‬ونصف‭ ‬المليار‭ ‬نسمة،‭ ‬بفضل‭ ‬جهود‭ ‬آلاف‭ ‬الصحفيين‭ ‬الذين‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬تصاريح‭ ‬لتغطية‭ ‬الحفل‭.‬

هناك‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬أفهمها‭: ‬لماذا‭ ‬يحرص‭ ‬مشاهير‭ ‬أهل‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬التلفزة‭ ‬الحية‭ ‬لمراسيم‭ ‬زواجهم،‭ ‬ولو‭ ‬وجدنا‭ ‬لهم‭ ‬العذر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فلماذا‭ ‬هوس‭ ‬المواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬بأفراح‭ ‬وأتراح‭ ‬المشاهير؟‭ ‬وعطفا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬لماذا‭ ‬تهتم‭ ‬الصحف‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬بأخبار‭ ‬المطربات‭ ‬والممثلات،‭ ‬ويتبع‭ ‬ذلك‭ ‬السؤال‭: ‬لماذا‭ ‬يهتم‭ ‬قراء‭ ‬الصحف‭ ‬بمثل‭ ‬تلك‭ ‬الأخبار؟‭ (‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬تحفل‭ ‬أي‭ ‬صحيفة‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬غربية‭ ‬بأمر‭ ‬طلب‭ ‬الوجيه‭ ‬السوداني‭ ‬صاحب‭ ‬الزوايا‭ ‬المنفرجة‭ ‬والحادة‭ ‬والغائمة‭ ‬طلب‭ ‬يد‭ ‬الممثلة‭ ‬الحسناء‭ ‬نبيلة‭ ‬عبيد‭ ‬على‭ ‬سنة‭ ‬الله‭ ‬ورسوله؟‭ ‬هل‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬خيار‭ ‬وفقوس؟‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الفقوس‭ ‬أصلا؟‭)‬

كنت‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الاتحاد‭ ‬بدولة‭ ‬الإمارات‭ ‬عندما‭ ‬تزوج‭ ‬ولي‭ ‬عهد‭ ‬بريطانيا‭ ‬الأمير‭ (‬الملك‭ ‬حاليا‭) ‬تشارلس‭ ‬بالراحلة‭ ‬ديانا‭ ‬سبنسر،‭ ‬ووضع‭ ‬كبير‭ ‬المحررين‭ ‬أمامي‭ ‬كومة‭ ‬من‭ ‬الأوراق‭ ‬الواردة‭ ‬من‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬حول‭ ‬تفاصيل‭ ‬مراسيم‭ ‬حفل‭ ‬الزواج،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬إعداد‭ ‬مادة‭ ‬مختصرة‭ ‬عن‭ ‬الحفل‭ ‬تنشر‭ ‬على‭ ‬الصفحة‭ ‬الأولى،‭ ‬وملء‭ ‬صفحتين‭ ‬داخليتين‭ ‬بتقارير‭ ‬مطولة‭ ‬وصور‭ ‬الحفل،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭: ‬والله‭ ‬لو‭ ‬جاءني‭ ‬تشارلس‭ ‬شخصيا‭ ‬ووضع‭ ‬أمامي‭ ‬جواهر‭ ‬التاج‭ ‬البريطاني‭ ‬مقابل‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬عن‭ ‬الحفل،‭ ‬لأخذت‭ ‬الجواهر‭ ‬ثم‭ ‬رفضت‭ ‬تلبية‭ ‬طلبه‭!! ‬أنا‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬عباس‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬العبسي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬كلام‭ ‬أعتبره‭ ‬مسخرة؟‭ ‬هل‭ ‬كتب‭ ‬تشارلس‭ ‬سطرا‭ ‬يوم‭ ‬زواجي؟‭ ‬هل‭ ‬أرسل‭ ‬لي‭ ‬بطاقة‭ ‬تهنئة؟‭ ‬هل‭ ‬بيني‭ ‬وبينه‭ ‬معرفة؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬تزوج‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬سيتزوج؟‭ ‬سبقت‭ ‬تشارلس‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬والإنجاب‭ ‬فلماذا‭ ‬لم‭ ‬تنشر‭ ‬صحيفة‭ ‬ولو‭ ‬عشر‭ ‬كلمات‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬الإعلانات‭ ‬المبوبة؟‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬كبير‭ ‬المحررين‭ ‬كان‭ ‬لحسن‭ ‬حظي‭ ‬صعيديا‭ ‬مصريا‭ ‬حمشا،‭ ‬وتفهم‭ ‬مسببات‭ ‬رفضي‭ ‬لكتابة‭ ‬التقارير‭ ‬المطلوبة‭ ‬حول‭ ‬زواج‭ ‬تشارلس‭ ‬وديانا‭ ‬وكلف‭ ‬زميلا‭ ‬آخر‭ ‬بالمهمة‭!! ‬ولو‭ ‬قمت‭ ‬بكتابة‭ ‬تلك‭ ‬التقارير‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬بأس‭ ‬أو‭ ‬حرج،‭ ‬لأن‭ ‬الصحفي‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬مواضيع‭ ‬يعتبرها‭ ‬تافهة‭ ‬وهايفة‭ ‬انصياعا‭ ‬لتوجيهات‭ ‬عليا،‭ ‬ولكنني‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يهم‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬القارات‭ ‬إذا‭ ‬تزوج‭ ‬أمير‭ ‬إسبانيا‭ ‬أو‭ ‬‮«‬انفلق‮»‬‭. ‬والله‭ ‬لولا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬‮«‬العيب‮»‬‭ ‬لما‭ ‬حضرت‭ ‬حفل‭ ‬زواجي‭. ‬هرج‭ ‬ومرج‭ ‬وعبارات‭ ‬محفوظة‭ ‬وأفواه‭ ‬مملوءة‭ ‬بطعام‭ ‬اشتريته‭ ‬بكد‭ ‬وشقاء‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬يختفي‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭!! ‬وأكثر‭ ‬ما‭ ‬عانيت‭ ‬منه‭ ‬يوم‭ ‬حفل‭ ‬زواجي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الجوع‮»‬‭ ‬فكلما‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬زاوية‭ ‬ما‭ ‬لتناول‭ ‬لقمة‭ ‬تعطيني‭ ‬طاقة‭ ‬لتحمل‭ ‬الوقوف‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬جاءني‭ ‬سرب‭ ‬من‭ ‬المهنئين‭ ‬وظللت‭ ‬أصافح‭ ‬مئات‭ ‬الأيدي‭ ‬وكأنني‭ ‬مرشح‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬يطوف‭ ‬بالأحياء‭ ‬الفقيرة‭ ‬مصافحا‭ ‬أهلها‭ ‬مستجديا‭ ‬أصواتهم‭ ‬ثم‭ ‬يفوز‭ ‬ويصبح‭ ‬نائبا‭ ‬من‭ ‬نوائب‭ ‬الزمان،‭ ‬ولا‭ ‬نرى‭ ‬خلقته‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭! ‬الشاهد‭: ‬الزواج‭ ‬شأن‭ ‬شديد‭ ‬الخصوصية‭ ‬ويهم‭ ‬شخصين‭ ‬فقط‭ ‬وإلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬أقاربهما‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬يتلهف‭ ‬لمتابعة‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج‭ ‬‮«‬حشري‮»‬‭ ‬ويستأهل‭ ‬قص‭ ‬الأنف‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا