زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
ما لي ولك ولزيجاتهم؟
ما يجعلني أواصل الزعم بأن عمري ثابت عند محطة الـ39 سنة هو أن ذاكرتي بعيدة الأمد، أي المتعلقة بالأحداث الماضية، ما زالت بخير.
وما زال ذلك اليوم محفورا في ذاكرتي رغم مرور سنوات عديدة عليه فقد شهد حدثا إعلاميا تاريخيا تمثل في نقل وقائع حفل زفاف لتيسيا اورتيث، من فيليبي دي بوربون، وهو ملك إسبانيا الحالي، وكان وقتها ولي عهد إسبانيا، ففي ذلك اليوم منعت إسبانيا دخول أي طائرة مجالها الجوي، كما تم إحاطة مكان الحفل بالدبابات والعربات المصفحة، ورغم هطول أمطار غير مسبوقة في العاصمة الإسبانية مدريد إلا أن مئات الآلاف من الإسبان وقفوا في الساحات العامة يشاهدون مراسيم الزواج عبر شاشات ضخمة، وتم نقل الحفل على الهواء على كل الأقمار الصناعية وقُدِّر عدد من تابعوا الحفل في مختلف أنحاء العالم بمليار ونصف المليار نسمة، بفضل جهود آلاف الصحفيين الذين حصلوا على تصاريح لتغطية الحفل.
هناك أمور لا أفهمها: لماذا يحرص مشاهير أهل الغرب على التلفزة الحية لمراسيم زواجهم، ولو وجدنا لهم العذر في ذلك فلماذا هوس المواطنين العاديين بأفراح وأتراح المشاهير؟ وعطفا على ذلك لماذا تهتم الصحف في الشرق والغرب بأخبار المطربات والممثلات، ويتبع ذلك السؤال: لماذا يهتم قراء الصحف بمثل تلك الأخبار؟ (ولماذا لم تحفل أي صحيفة عربية أو غربية بأمر طلب الوجيه السوداني صاحب الزوايا المنفرجة والحادة والغائمة طلب يد الممثلة الحسناء نبيلة عبيد على سنة الله ورسوله؟ هل في الأمر خيار وفقوس؟ ثم ما هو الفقوس أصلا؟)
كنت أعمل في صحيفة الاتحاد بدولة الإمارات عندما تزوج ولي عهد بريطانيا الأمير (الملك حاليا) تشارلس بالراحلة ديانا سبنسر، ووضع كبير المحررين أمامي كومة من الأوراق الواردة من وكالات الأنباء حول تفاصيل مراسيم حفل الزواج، وطلب مني إعداد مادة مختصرة عن الحفل تنشر على الصفحة الأولى، وملء صفحتين داخليتين بتقارير مطولة وصور الحفل، فقلت له: والله لو جاءني تشارلس شخصيا ووضع أمامي جواهر التاج البريطاني مقابل أن أكتب كلمة واحدة عن الحفل، لأخذت الجواهر ثم رفضت تلبية طلبه!! أنا جعفر بن عباس بن شداد العبسي أسهم في كتابة كلام أعتبره مسخرة؟ هل كتب تشارلس سطرا يوم زواجي؟ هل أرسل لي بطاقة تهنئة؟ هل بيني وبينه معرفة؟ هل هو أول من تزوج أو آخر من سيتزوج؟ سبقت تشارلس في الزواج والإنجاب فلماذا لم تنشر صحيفة ولو عشر كلمات عن كل ذلك ولو في صفحة الإعلانات المبوبة؟ المهم أن كبير المحررين كان لحسن حظي صعيديا مصريا حمشا، وتفهم مسببات رفضي لكتابة التقارير المطلوبة حول زواج تشارلس وديانا وكلف زميلا آخر بالمهمة!! ولو قمت بكتابة تلك التقارير لما كان في الأمر بأس أو حرج، لأن الصحفي يكتب في أحيان كثيرة تقارير عن مواضيع يعتبرها تافهة وهايفة انصياعا لتوجيهات عليا، ولكنني لا أفهم ما الذي يهم مئات الملايين من البشر في كل القارات إذا تزوج أمير إسبانيا أو «انفلق». والله لولا الخوف من «العيب» لما حضرت حفل زواجي. هرج ومرج وعبارات محفوظة وأفواه مملوءة بطعام اشتريته بكد وشقاء سنوات طويلة يختفي خلال ساعات!! وأكثر ما عانيت منه يوم حفل زواجي هو «الجوع» فكلما تسللت إلى زاوية ما لتناول لقمة تعطيني طاقة لتحمل الوقوف ساعات طويلة جاءني سرب من المهنئين وظللت أصافح مئات الأيدي وكأنني مرشح في الانتخابات يطوف بالأحياء الفقيرة مصافحا أهلها مستجديا أصواتهم ثم يفوز ويصبح نائبا من نوائب الزمان، ولا نرى خلقته مرة أخرى! الشاهد: الزواج شأن شديد الخصوصية ويهم شخصين فقط وإلى حد ما أقاربهما من الدرجة الأولى وكل من يتلهف لمتابعة حفلات الزواج «حشري» ويستأهل قص الأنف!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك