العدد : ١٧٤٥٠ - الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٠ - الخميس ٠١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ رجب ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

يا لها من إنجازات

ها‭ ‬هو‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬يلفظ‭ ‬أنفاسه‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وأنظر‭ ‬في‭ ‬سنام‭ ‬الذاكرة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬إنجاز‭ ‬حققته‭ ‬خلاله،‭ ‬ينقلب‭ ‬الي‭ ‬البصر‭ ‬خاسئا‭ ‬وهو‭ ‬حسير،‭ ‬واستخدم‭ ‬عصا‭ ‬تعشيق‭ ‬التاريخ‭ ‬وأعود‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬إنجاز‭ ‬وتظهر‭ ‬النتيجة‭ ‬‮«‬ماكو‭ ‬شيء‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬‮«‬بح‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬إنجازاتي‭ ‬المذهلة‭ ‬كانت‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ففي‭ ‬مدرسة‭ ‬البرقيق‭ ‬المتوسطة‭ ‬امتلكت‭ ‬ساعة‭ ‬رومر،‭ ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬بلا‭ ‬عقرب‭ ‬دقائق،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬قيمة‭ ‬الدقائق‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬ونحن‭ ‬قوم‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬للوقت‭ ‬قيمة،‭ ‬ثم‭ ‬اكتشفت‭ ‬الآيس‭ ‬كريم‭ ‬والكوكا‭ ‬كولا،‭ ‬وكرهت‭ ‬الكوكا‭ ‬كولا‭ ‬لأنها‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬أنفي‭ ‬وأشعلت‭ ‬فيه‭ ‬النار‭. ‬ثم‭ ‬توالت‭ ‬الطفرات،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬تحقيقاً‭ ‬آخر‭ ‬لنبوءة‭ ‬والدي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سمع‭ ‬أنني‭ ‬استخدمت‭ ‬التليفون‭ ‬بكفاءة‭ ‬ونجاح‭ ‬وأنا‭ ‬بعد‭ ‬طالب‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭: ‬سيكون‭ ‬لهذا‭ ‬الولد‭ ‬مستقبل‭ ‬باهر‭. ‬وبعد‭ ‬دخولي‭ ‬الحياة‭ ‬العملية‭ ‬بسنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬أصبحت‭ ‬أمتلك‭ ‬سيارة‭. ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأحوال،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬العظام‭ ‬وضعف‭ ‬العضلات‭ ‬وتمزق‭ ‬الأربطة‭ ‬وقرحة‭ ‬الأمعاء‭ (‬كانت‭ ‬المسكينة‭ ‬تنزف‭ ‬باستمرار‭)‬،‭ ‬ولكنها‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬الملامح‭ ‬العامة‭ ‬للسيارات،‭ ‬وكانت‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬إلا‭ ‬بالدفع‭ ‬الرباعي،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬تشغيلها‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬يدفعها‭ ‬أربعة‭ ‬أشخاص،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬فألا‭ ‬حسناً،‭  ‬إذ‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬أبو‭ ‬ظبي‭ ‬في‭ ‬اقتناء‭ ‬سيارة‭ ‬تويوتا‭ ‬كرولا‭ ‬جديدة،‭ ‬تمسكاً‭ ‬بالتقاليد‭ ‬السودانية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تقضي‭ ‬بالتمسك‭ ‬بمنتجات‭ ‬تويوتا،‭ ‬ربما‭ ‬اعتقاداً‭ ‬بأن‭ ‬اسم‭ ‬الشركة‭ ‬مشتق‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬توتي‭ ‬الواقعة‭ ‬عند‭ ‬ملتقى‭ ‬النيلين‭ ‬الأزرق‭ ‬والأبيض‭ ‬قبالة‭ ‬مدن‭ ‬الخرطوم‭ ‬والخرطوم‭ ‬بحري‭ ‬وأم‭ ‬درمان‭.‬

ركبت‭ ‬الطائرة‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬وعمري‭ ‬24‭ ‬سنة،‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬طراز‭ ‬كوميت‭ ‬فور‭ ‬سي،‭ ‬ووصلت‭ ‬وجهتي‭ ‬سالما،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الطراز‭ ‬من‭ ‬الطائرات‭ ‬تابوتا‭ ‬طائرا،‭ ‬وتم‭ ‬سحبها‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سقط‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬متسببة‭ ‬بوفيات‭ ‬بالجملة،‭ ‬وعملت‭ ‬ضابط‭ ‬إعلام‭ ‬ومترجما‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬وكان‭ ‬معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬استخدم‭ ‬الأسانسير‭ ‬للصعود‭ ‬إلى‭ ‬مكتبي،‭ ‬وتعلمت‭ ‬ربط‭ ‬الكرافتة،‭ ‬وكان‭ ‬أصدقائي‭ ‬يستجدونني‭ ‬كي‭ ‬أدعوهم‭ ‬لزيارتي‭ ‬في‭ ‬المكتب،‭ ‬كي‭ ‬يتسنى‭ ‬لهم‭ ‬استخدام‭ ‬الأسانسير‭ ‬ثم‭ ‬ركبت‭ ‬الطائرة‭ ‬مجددا،‭ ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬مبتعثا‭ ‬لدراسة‭ ‬فنون‭ ‬العمل‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬وسبقت‭ ‬جيلي‭ ‬بأكل‭ ‬الكورن‭ ‬فليكس‭ ‬ودجاج‭ ‬كنتاكي،‭ ‬والدو‭-‬نط،‭ ‬واستخدمت‭ ‬السلالم‭ ‬الكهربائية‭ ‬المتحركة‭ ‬بنجاح،‭ ‬واشتريت‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬ملابس‭ ‬لسعيدة‭ ‬الحظ‭ ‬التي‭ ‬اخترتها‭ ‬زوجة،‭ ‬ومعها‭ ‬عطر‭ ‬كاشيه‭ (‬كاشيت‭) ‬الذي‭ ‬حققت‭ ‬به‭ ‬سبقا،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفا‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬السودان،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬عروسي‭ ‬تقنع‭ ‬بأنها‭ ‬فازت‭ ‬بزوج‭ ‬‮«‬لقطة‮»‬‭.‬

وعندما‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬اشتريت‭ ‬تويوتا‭ ‬كريسيدا‭ ‬‮«‬جديدة‮»‬‭ ‬فانتشر‭ ‬الخبر‭ ‬وذاع‭ ‬وعم‭ ‬القرى‭ ‬والحضر‭ ‬وزلزلت‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬النوبة‭ ‬السودانية‭ ‬وجاءتني‭ ‬برقيات‭ ‬التهنئة‭: ‬ينْسُر‭ ‬دِينك‭ (‬ينصر‭ ‬دينك‭. ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬لحرف‭ ‬وصوت‭ ‬الصاد‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭). ‬ثم‭ ‬‮«‬رفأت‭ ‬رأسنا‭ ‬آليا‮»‬‭ (‬رفعت‭ ‬رأسنا‭ ‬عاليا‭- ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬لحرف‭ ‬العين‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭). ‬وكانت‭ ‬الكريسيدا‭ ‬وقتها‭ ‬تباع‭ ‬لنواب‭ ‬البرلمان‭ ‬السوداني،‭ ‬بمبلغ‭ ‬رمزي،‭ ‬وصارت‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬الوجاهة‭. ‬وإذا‭ ‬رأيت،‭ ‬عزيزي‭ ‬القارئ‭ ‬سودانياً‭ ‬يركب‭ ‬مرسيدس‭ ‬أو‭ ‬بي‭ ‬إم‭ ‬دبليو،‭ ‬فتأكد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يحمل‭ ‬جواز‭ ‬سفر‭ ‬مزوراً،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬سيارة‭ ‬أمريكية‭ ‬فمعنى‭ ‬هذا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭.‬

والدليل‭ ‬القاطع‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬إنجازاتي‭ ‬التي‭ ‬‮«‬عليها‭ ‬القيمة‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬وأن‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬تلافيفها‭ ‬وتجاويفها‭ ‬حاليا،‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬أي‭ ‬طفرة‭ ‬جديرة‭ ‬بالتوثيق،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬سمعتي‭ ‬ساءت‭ ‬بين‭ ‬أهلي‭ ‬السودانيين،‭ ‬لأنني‭ ‬اقتنيت‭ ‬قبل‭ ‬شهور‭ ‬سيارة‭ ‬صينية،‭ ‬فعاد‭ ‬عليّ‭ ‬ذلك‭ ‬بالاتهام‭ ‬بالعمالة‭ ‬والشيوعية‭ ‬والخروج‭ ‬عن‭ ‬التقاليع‭ ‬السودانية،‭ ‬والقول‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬انتمائي‭ ‬إلى‭ ‬السودان،‭ ‬سوى‭ ‬استخدامي‭ ‬لمعجون‭ ‬سيجنال‭ ‬للأسنان‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا