زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
يا لها من إنجازات
ها هو عام 2025 يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأنظر في سنام الذاكرة بحثا عن إنجاز حققته خلاله، ينقلب الي البصر خاسئا وهو حسير، واستخدم عصا تعشيق التاريخ وأعود 25 سنة إلى الوراء بحثا عن إنجاز وتظهر النتيجة «ماكو شيء»، التي تعني «بح»، ثم وجدت العزاء في أن إنجازاتي المذهلة كانت كلها في القرن العشرين، ففي مدرسة البرقيق المتوسطة امتلكت ساعة رومر، صحيح أنها كانت بلا عقرب دقائق، ولكن ما قيمة الدقائق في حياتنا ونحن قوم لا نعرف للوقت قيمة، ثم اكتشفت الآيس كريم والكوكا كولا، وكرهت الكوكا كولا لأنها تسللت إلى أنفي وأشعلت فيه النار. ثم توالت الطفرات، وكان ذلك تحقيقاً آخر لنبوءة والدي الذي قال بعد أن سمع أنني استخدمت التليفون بكفاءة ونجاح وأنا بعد طالب في السنة الثانية من المرحلة الثانوية: سيكون لهذا الولد مستقبل باهر. وبعد دخولي الحياة العملية بسنوات قليلة، أصبحت أمتلك سيارة. صحيح أنها لم تكن قادرة على السير في معظم الأحوال، لأنها كانت تعاني من هشاشة العظام وضعف العضلات وتمزق الأربطة وقرحة الأمعاء (كانت المسكينة تنزف باستمرار)، ولكنها على الأقل كانت تحمل الملامح العامة للسيارات، وكانت لا تسير إلا بالدفع الرباعي، أي ان تشغيلها كان يتطلب أن يدفعها أربعة أشخاص، ولكنها كانت فألا حسناً، إذ نجحت في أبو ظبي في اقتناء سيارة تويوتا كرولا جديدة، تمسكاً بالتقاليد السودانية التي كانت تقضي بالتمسك بمنتجات تويوتا، ربما اعتقاداً بأن اسم الشركة مشتق من جزيرة توتي الواقعة عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض قبالة مدن الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان.
ركبت الطائرة لأول مرة وعمري 24 سنة، وكانت من طراز كوميت فور سي، ووصلت وجهتي سالما، فقد كان ذلك الطراز من الطائرات تابوتا طائرا، وتم سحبها من الخدمة بعد أن سقط العديد منها متسببة بوفيات بالجملة، وعملت ضابط إعلام ومترجما في السفارة البريطانية في الخرطوم، وكان معنى ذلك أن استخدم الأسانسير للصعود إلى مكتبي، وتعلمت ربط الكرافتة، وكان أصدقائي يستجدونني كي أدعوهم لزيارتي في المكتب، كي يتسنى لهم استخدام الأسانسير ثم ركبت الطائرة مجددا، وذهبت إلى بريطانيا مبتعثا لدراسة فنون العمل التلفزيوني، وسبقت جيلي بأكل الكورن فليكس ودجاج كنتاكي، والدو-نط، واستخدمت السلالم الكهربائية المتحركة بنجاح، واشتريت من لندن ملابس لسعيدة الحظ التي اخترتها زوجة، ومعها عطر كاشيه (كاشيت) الذي حققت به سبقا، أي أنه لم يكن معروفا في أسواق السودان، ما جعل عروسي تقنع بأنها فازت بزوج «لقطة».
وعندما انتقلت إلى قطر اشتريت تويوتا كريسيدا «جديدة» فانتشر الخبر وذاع وعم القرى والحضر وزلزلت الأرض في بلاد النوبة السودانية وجاءتني برقيات التهنئة: ينْسُر دِينك (ينصر دينك. ولا مكان لحرف وصوت الصاد في اللغة النوبية). ثم «رفأت رأسنا آليا» (رفعت رأسنا عاليا- ولا مكان لحرف العين في اللغة النوبية). وكانت الكريسيدا وقتها تباع لنواب البرلمان السوداني، بمبلغ رمزي، وصارت علامة على الوجاهة. وإذا رأيت، عزيزي القارئ سودانياً يركب مرسيدس أو بي إم دبليو، فتأكد من أنه يحمل جواز سفر مزوراً، أما إذا كان يقود سيارة أمريكية فمعنى هذا أنه من أنصار التطبيع مع إسرائيل.
والدليل القاطع على أن كل إنجازاتي التي «عليها القيمة»، كانت قبل ربع قرن، وأن الألفية الثالثة التي نعيش في تلافيفها وتجاويفها حاليا، لم تشهد أي طفرة جديرة بالتوثيق، هو أن سمعتي ساءت بين أهلي السودانيين، لأنني اقتنيت قبل شهور سيارة صينية، فعاد عليّ ذلك بالاتهام بالعمالة والشيوعية والخروج عن التقاليع السودانية، والقول بأنه لم يعد هناك ما يثبت انتمائي إلى السودان، سوى استخدامي لمعجون سيجنال للأسنان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك