العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٧ - الاثنين ٠٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وصار التعليم فقط للتباهي

في‭ ‬ذات‭ ‬دولة‭ ‬عربية،‭ ‬التحقت‭ ‬سيدة‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬الى‭ ‬حدّ‭ ‬ما،‭ ‬بمركز‭ ‬لتعليم‭ ‬الكبار،‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬محو‭ ‬أميتها‭ ‬أي‭ ‬لتعلم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬قبل‭ ‬الماضي‭ ‬جلست‭ ‬للامتحان‭ ‬النهائي‭ ‬للصف‭ ‬الأول‭ ‬الابتدائي‭ ‬ورسبت،‭ ‬فاضطرت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إعادة‮»‬‭ ‬السنة‭ ‬وجلست‭ ‬للامتحان‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬المنصرم،‭ ‬ورسبت،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬توجهت‭ ‬الى‭ ‬معلمتها‭ ‬وأبلغتها‭ ‬بأنها‭ ‬ستأتي‭ ‬بأولادها‭ ‬ليضربوها‭ ‬ويدشدشوا‭ ‬عظامها،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬بتعديل‭ ‬النتيجة‭. ‬وبلغ‭ ‬الأمر‭ ‬مديرية‭ ‬التعليم‭ ‬فشرعت‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬حول‭ ‬التهديد،‭ ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬فإنه‭ ‬نظرا‭ ‬الى‭ ‬كبر‭ ‬سن‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬فسينتهي‭ ‬الأمر‭ ‬بالقول‭ ‬لها‭: ‬عيب‭ ‬يا‭ ‬خالة‭.. ‬ولو‭ ‬عيالك‭ ‬سووها‭ ‬فسيدخلون‭ ‬السجن،‭ ‬وستتعرضين‭ ‬أنت‭ ‬أيضا‭ ‬للمساءلة‭ ‬القانونية‭.‬

هذه‭ ‬امرأة‭ ‬فاتها‭ ‬قطار‭ ‬التعليم،‭ ‬ولكنها‭ ‬وبقرار‭ ‬شخصي‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬تنال‭ ‬حظا‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ .. ‬برافو‭ .. ‬فعندما‭ ‬يكبر‭ ‬العيال‭ ‬ويغادرون‭ ‬‮«‬البيت‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬يحدث‭ ‬فراغ‭ ‬عريض‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الوالدين‭ ‬وتصبح‭ ‬القراءة‭ ‬خير‭ ‬وسيلة‭ ‬لنفي‭ ‬الملل،‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السيدة‭ ‬المسنة‭ ‬لم‭ ‬تسع‭ ‬لنيل‭ ‬قسط‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬مؤهل‭ ‬أكاديمي‭ ‬تدخل‭ ‬به‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تهديدها‭ ‬لمعلمتها‭ ‬باللجوء‭ ‬الى‭ ‬العنف‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تعتبرها‭ ‬ناجحة،‭ ‬أمر‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة‭ ‬والعجب‭.‬

ولكن‭ ‬إذا‭ ‬فكرت‭ ‬مليا‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ننظر‭ ‬بها‭ ‬الى‭ ‬التعليم‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬فإنك‭ ‬ستتفهم‭ ‬سلوك‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬العجوز‭: ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬عيالنا‭ ‬على‭ ‬‮«‬ترتيب‮»‬‭ ‬متقدم‭ ‬بأساليب‭ ‬ملتوية،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬أولياء‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬يترددون‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الرشوة‭ ‬للمعلمين‭ ‬إما‭ ‬لتحصين‭ ‬عيالهم‭ ‬ضد‭ ‬الرسوب‭ ‬أو‭ ‬لرفع‭ ‬درجاتهم‭ ‬حتى‭ ‬يصبحوا‭ ‬في‭ ‬‮«‬طليعة‭ ‬الناجحين‮»‬‭. ‬وسبق‭ ‬ان‭ ‬سمعت‭ ‬صديقا‭ ‬يشكو‭: ‬لو‭ ‬مرشد‭ ‬الصف‭ ‬الحمار‭ ‬أعطى‭ ‬الولد‭ ‬12‭ ‬درجة‭ ‬كان‭ ‬يدخل‭ ‬العشرة‭ ‬الأوائل‭!! ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬الترتيب‭ ‬الذي‭ ‬أحرزه‭ ‬ولده‭ ‬فقال‭: ‬‮«‬الثاني‭ ‬والعشرين‮»‬‭. ‬قلت‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬مرشد‭/ ‬مربي‭ ‬الصف‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬صلاحيات‭ ‬تعديل‭ ‬درجات‭ ‬الطالب‭ ‬في‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والرياضيات‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬الخ‭ ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬الدرجات‭ ‬تأتيه‭ ‬من‭ ‬مدرسي‭ ‬كل‭ ‬مادة‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬ويقتصر‭ ‬دوره‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬مجاميع‭ ‬الدرجات‭ ‬وإصدار‭ ‬النتائج‭. ‬لم‭ ‬يقتنع‭ ‬بكلامي‭ ‬وأصر‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬مربي‭ ‬الصف‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬درجات‭ ‬ولده‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬كي‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬العشرة‭ ‬الأوائل‭!! ‬عندئذ‭ ‬نشطت‭ ‬جينات‭ ‬التدريس‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬عقلي‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أوتيت‭ ‬من‭ ‬وقاحة‭: ‬ولدك‭ ‬هذا‭ ‬مستواه‭ ‬‮«‬وسط‮»‬‭ ‬والعشرة‭ ‬الأوائل‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬ليسوا‭ ‬مبشرين‭ ‬بالجنة،‭ ‬وقد‭ ‬تخسر‭ ‬نصف‭ ‬درجة‭ ‬فيكون‭ ‬ترتيبك‭ ‬‮«‬الثاني‮»‬،‭ ‬وأنت‭ ‬حسبتها‭ ‬بالكمبيوتر‭ ‬واستنتجت‭ ‬ان‭ ‬ولدك‭ ‬تنقصه‭ ‬12‭ ‬درجة‭ ‬ليقفز‭ ‬من‭ ‬المرتبة‭ ‬الثانية‭ ‬والعشرين‭ ‬الى‭ ‬المرتبة‭ ‬العاشرة‭ ‬او‭ ‬الثامنة‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يستحقها‭. ‬راجع‭ ‬نفسك‭ ‬واسألها‭: ‬هل‭ ‬مربي‭ ‬الصف‭ ‬هو‭ ‬الحمار؟

ما‭ ‬هو‭ ‬حادث‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬والدرجات‭ ‬عندنا‭ ‬دخلت‭ ‬أيضا‭ ‬سوق‭ ‬الفشخرة‭ (‬التباهي‭): ‬البنت‭ ‬جابت‭ ‬مجموع‭ ‬449‭.. ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬عليها‭.. (‬اسم‭ ‬الله‭ ‬عليك‭ ‬أنت‭ ‬الذي‭ ‬تعرف‭ ‬أنها‭ ‬قضت‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا‭ ‬وهي‭ ‬تزين‭ ‬طرحتها‭ ‬بالملخصات‭ ‬التي‭ ‬تسمى‭ ‬برشام‭). ‬وكما‭ ‬اننا‭ ‬نقترض‭ ‬أموالا‭ ‬فوق‭ ‬طاقاتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬لشراء‭ ‬الأثاث‭ ‬او‭ ‬للسفر‭ ‬في‭ ‬الإجازات‭ ‬أو‭ ‬لتنظيم‭ ‬حفلات‭ ‬الزفاف‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬أعياد‭ ‬الميلاد‮»‬،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نمانع‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬يقترض‭ ‬عيالنا‭ ‬درجات‭ (‬عن‭ ‬غير‭ ‬استحقاق‭) ‬من‭ ‬زملائهم‭ ‬او‭ ‬مدرسيهم‭. ‬ولهذا‭ ‬فوجئ‭ ‬بأن‭ ‬ولد‭ ‬فلان‭ ‬الذي‭ ‬نجح‭ ‬بالعافية‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ (‬المساق‭ ‬الأدبي‭) ‬عاد‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬أوروبي‭ ‬غير‭ ‬مذكور‭ ‬في‭ ‬الأطلس‭ ‬حاملا‭ ‬بكالوريوس‭ ‬طب‭. ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الشهادة‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬محتواها‭.‬

‭(‬كتبت‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬المواطن‭ ‬الإماراتي‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬الذي‭ ‬جلس‭ ‬ذات‭ ‬عام‭ ‬لامتحانات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭ ‬وفوجئ‭ ‬بأن‭ ‬مراقب‭ ‬إحدى‭ ‬المواد‭ ‬كان‭ ‬زميلا‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬وحدثت‭ ‬المفارقة‭ ‬لأن‭ ‬عبد‭ ‬الصمد‭ ‬جلس‭ ‬لذلك‭ ‬الامتحان‭ ‬18‭ ‬مرة‭ ‬متتالية‭ ‬بسبب‭ ‬الرسوب‭ ‬الشامل‭ ‬في‭ ‬مادة‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬محاولة،‭ ‬وانتقل‭ ‬الى‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية‭ ‬وعمره‭ ‬36‭ ‬سنة‭).‬

لا‭ ‬يفوتكم‭ ‬مقال‭ ‬الغد‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬ايضا‭.. ‬ستأكلون‭ ‬‮«‬صوابعكم‭ ‬وراه‮»‬‭.. ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الغضب‭!‬زاوية

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا