العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٧ - الأحد ٣١ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

روشتة الحرب والسلم من يكتبها؟!

{ رواية‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭ ‬للكاتب‭ ‬الروسي‭ ‬المعروف‭ ‬‮«‬ليو‭ ‬تولستوي‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬نُشرت‭ ‬عام‭ ‬1869،‭ ‬لا‭ ‬تروي‭ ‬فقط‭ ‬قصة‭ ‬المجتمع‭ ‬الروسي‭ ‬إبان‭ ‬حملات‭ ‬نابليون‭ ‬على‭ ‬روسيا،‭ ‬ولكن‭ ‬تتداخل‭ ‬أحداثها‭ ‬بين‭ ‬التاريخ‭ ‬والرومنسية‭ ‬ووحشية‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬دمج‭ ‬‮«‬تولستوي‮»‬‭ ‬شخصيات‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬التاريخية‭ ‬التوثيقية‭ ‬وأخرى‭ ‬خيالية،‭ ‬ليعطي‭ ‬الصورة‭ ‬الواسعة‭ ‬عن‭ ‬أحداث‭ ‬بداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وتعد‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الروايات‭ ‬العالمية،‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬النظرة‭ ‬الفلسفية‭ ‬للحياة،‭ ‬وهي‭ ‬تطمس‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الخيال‭ ‬والتاريخ‭ ‬ليقترب‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭! ‬التي‭ ‬تتوه‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬الوقائع‭ ‬الظاهرية،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬أعمق‭ ‬لسبر‭ ‬البواطن،‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬نزعات‭ ‬البشرية‭ ‬سواء‭ ‬نحو‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬السلم‭! ‬وحيث‭ ‬تتناول‭ ‬الرواية‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬الطبقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وفوارق‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬طبقة‭ ‬النبلاء‭ ‬أو‭ ‬الأثرياء‭ ‬والفلاحين،‭ ‬مستكشفا‭ ‬أثر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعدالة‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للأحداث‭ ‬التاريخية‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭.‬

{ في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الصيني‭ ‬‮«‬سون‭ ‬تزو‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬تمت‭ ‬كتابته‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2500‭ ‬عام،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مخطوطات‭ ‬صينية‭ ‬للاستراتيجيات‭ ‬العسكرية‭ ‬ومؤلفها‭ ‬‮«‬سون‭ ‬تزو‮»‬‭ ‬قائد‭ ‬عسكري‭ ‬أسطوري،‭ ‬دمج‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الفلسفة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬التجربة‭ ‬العملية،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وكتابه‭ ‬متداول‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بين‭ ‬أغلب‭ ‬زعماء‭ ‬وقادة‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وكتابه‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬عنوانه‭ ‬‮«‬فن‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يتصل‭ ‬فلسفيا‭ ‬بفن‭ ‬إدارة‭ ‬الحياة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الإدارة‭ ‬والتفاوض‭ ‬وفن‭ ‬تغليب‭ ‬رؤية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلم‭! ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬كتابه‭ ‬مخزونا‭ ‬معرفيا‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬كبيرة‭ ‬ليس‭ ‬للعسكريين‭ ‬وإنما‭ ‬للسياسيين‭ ‬والاقتصاديين‭ ‬ولكل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬إدارة‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬استراتيجي‭ ‬حكيم‭!‬

{ في‭ ‬حياة‭ ‬البشرية‭ ‬عبر‭ ‬العصور،‭ ‬كان‭ ‬العنف‭ ‬والحروب‭ ‬من‭ ‬الطبائع‭ ‬المتأصلة،‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬ركام‭ ‬المآسي‭ ‬البشرية‭ ‬أيقونة‭ ‬لتراكم‭ ‬الصراعات‭ ‬أيضاً‭! ‬وغلبة‭ ‬الأطماع‭ ‬والأنانية‭ ‬بمقياس‭ ‬القوة‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬والأمان‭ ‬اللذين‭ ‬تبحث‭ ‬عنهما‭ ‬الشعوب‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬ضحية‭ ‬ووقود‭ ‬للحروب‭ ‬الدائرة،‭ ‬ليبرز‭ ‬السلم‭ ‬المنشود‭ ‬وكأنه‭ ‬مجرد‭ ‬نتاج‭ ‬للحرب‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلم،‭ ‬وليس‭ ‬أساساً‭ ‬للحياة‭ ‬البشرية‭ ‬الطبيعية‭! ‬والحرب‭ ‬هي‭ ‬النشاز‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭! ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬القواعد‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يحتكم‭ ‬إليها‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬شؤونهم‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة،‭ ‬مثلما‭ ‬تحتكم‭ ‬إليها‭ ‬الدول،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعبأ‭ ‬بالحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صراعها‭ ‬للهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والأطماع‭ ‬المغلفة‭ ‬بأردية‭ ‬مختلفة‭ ‬قومية‭ ‬ودينية‭ ‬وأيديولوجية،‭ ‬فيما‭ ‬الجوهر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬الأضداد،‭ ‬ولا‭ ‬مجال‭ ‬فيها‭ ‬لخطاب‭ ‬السلم‭ ‬أو‭ ‬التعايش‭ ‬أو‭ ‬التكامل‭!‬

{ في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ذهب‭ ‬في‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭ ‬عشرات،‭ ‬بل‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬دول‭ ‬تديرها‭ ‬أيد‭ ‬خفية‭ ‬من‭ ‬اللاعبين‭ ‬بالمال‭ ‬والذهب،‭ ‬لتواصل‭ ‬خلفيتها‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬بواجهات‭ ‬شركات‭ ‬تحرك‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬البائد‭ ‬والقرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬والمال‭ ‬والإعلام‭ ‬والسياسة‭!‬

وتجعل‭ ‬قادة‭ ‬دول‭ ‬عظمى‭ ‬أدوات‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬المليارية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭! ‬ولعل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المقررة‭ ‬الأممية‭ ‬‮«‬فرانشسيكا‭ ‬البانيز‮»‬‭ ‬حول‭ ‬تورط‭ ‬60‭ ‬شركة‭ ‬عالمية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬إبادة‭ ‬غزة،‭ ‬آخر‭ ‬مثال‭ ‬لدور‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬واستمرارها،‭ ‬دون‭ ‬تعرضها‭ ‬لأية‭ ‬مساءلة‭ ‬قانونية‭ ‬أو‭ ‬تهم‭ ‬بانتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬والحقوقي‭ ‬الإنساني‭! ‬المهم‭ ‬المليارات‭!‬

{ ولندرك‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬روشتة‭ ‬الحروب‭ ‬المستمرة،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القرن‭ ‬هي‭ ‬ذات‭ ‬الشركات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقطاع‭ ‬العسكري‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬يضاف‭ ‬إليها‭ ‬اليوم‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العملاقة‭ ‬مثل‭ (‬الفابت‭ ‬وأمازون‭ ‬وما‭ ‬يكروسوفت‭ ‬وآي‭. ‬بي‭. ‬أم‭) ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬يتناسخ‭ ‬أداؤها‭ ‬القاتل‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬شركات‭ ‬السلاح‭ ‬وشركات‭ ‬الأدوية‭ ‬وشركات‭ ‬الحروب‭ ‬البيولوجية‭ ‬ونشر‭ ‬الأمراض‭! ‬وهي‭ ‬الأيادي‭ ‬الظاهرة‭ ‬والخفية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬معاً،‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬قيادات‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬لتغليب‭ ‬لغة‭ ‬الأزمات‭ ‬والصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬السلم‭ ‬والتعايش‭ ‬دون‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬شرور‭ ‬الجشع‭ ‬والأطماع‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التي‭ ‬خلقت‭ ‬المآسي‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشرية‭!‬

هناك‭ ‬مسافة‭ ‬ضوئية‭ ‬بين‭ ‬لغة‭ ‬الحرب‭ ‬ولغة‭ ‬السلم‭ ‬ولغة‭ ‬الكراهية‭ ‬ولغة‭ ‬الحب،‭ ‬والمنطلقات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬الدينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬أو‭ ‬المنطلقات‭ ‬العرقية‭ ‬والعنصرية،‭ ‬ولغة‭ ‬التكامل‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬هيأت‭ ‬الأرض‭ ‬كل‭ ‬عواملها‭ ‬ليعيش‭ ‬كل‭ ‬البشر‭ ‬بنعمة‭ ‬ثرواتها‭ ‬بعدالة‭ ‬ومساواة‭! ‬ولكن‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬1%‭ ‬هم‭ ‬اللاعبون‭ ‬بمصائر‭ ‬99%‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬كل‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭! ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬التلاعب‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إفناء‭ ‬البشرية‭ ‬كلها‭ ‬بالحروب‭ ‬والفيروسات‭ ‬واستبدالها‭ ‬بشعوب‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬الروبوتات‭ ‬والآلات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لكي‭ ‬ينعم‭ ‬أشرار‭ ‬الـ1%‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأرض‭ ‬وخيراتها‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬منافس‭ ‬اسمه‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭! ‬هكذا‭ ‬هم‭ ‬يفكرون‭ ‬وهكذا‭ ‬هم‭ ‬يخططون‭ ‬وهكذا‭ ‬هم‭ ‬يمهدون‭ ‬لحكم‭ ‬الدجال‭ ‬القادم،‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬الفوضى‭ ‬والحروب‭ ‬والأمراض‭ ‬وفناء‭ ‬البشرية‭ ‬إلا‭ ‬أتباعه‭! ‬وبهذا‭ ‬تكتمل‭ ‬حلقات‭ ‬السلسلة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم،‭ ‬وتتناثر‭ ‬الفلسفات‭ ‬والتراث‭ ‬الإنساني‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬المخططات‭ ‬الشيطانية‭ ‬لاستدامة‭ ‬الحروب‭! ‬فهل‭ ‬ينجح‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشرار‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬عدالة‭ ‬السماء‭ ‬ستقلب‭ ‬سحرهم‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬النهاية؟‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا