عالم يتغير

فوزية رشيد
روشتة الحرب والسلم من يكتبها؟!
{ رواية الحرب والسلام للكاتب الروسي المعروف «ليو تولستوي»، والتي نُشرت عام 1869، لا تروي فقط قصة المجتمع الروسي إبان حملات نابليون على روسيا، ولكن تتداخل أحداثها بين التاريخ والرومنسية ووحشية الحرب، حيث دمج «تولستوي» شخصيات عديدة منها التاريخية التوثيقية وأخرى خيالية، ليعطي الصورة الواسعة عن أحداث بداية القرن التاسع عشر، وتعد من أعظم الروايات العالمية، التي أظهرت من ناحية أخرى النظرة الفلسفية للحياة، وهي تطمس الخط الفاصل بين الخيال والتاريخ ليقترب الكاتب من الحقيقة! التي تتوه عادة في الوقائع الظاهرية، وتحتاج إلى رؤية أعمق لسبر البواطن، التي تقف خلف نزعات البشرية سواء نحو الحرب أو السلم! وحيث تتناول الرواية الفروق بين الطبقات الاجتماعية في القرن التاسع عشر وفوارق الحياة بين طبقة النبلاء أو الأثرياء والفلاحين، مستكشفا أثر ذلك على مفهوم العدالة الاجتماعية والعدالة بشكل عام، وكيف يمكن للأحداث التاريخية الكبرى أن تؤدي إلى تغييرات فادحة في بنية المجتمع.
{ في كتاب «فن الحرب» للكاتب الصيني «سون تزو»، الذي تمت كتابته منذ أكثر من 2500 عام، وهو عبارة عن مخطوطات صينية للاستراتيجيات العسكرية ومؤلفها «سون تزو» قائد عسكري أسطوري، دمج في كتابه الفلسفة العسكرية مع التجربة العملية، مما جعله واحداً من أعظم الاستراتيجيين في التاريخ، وكتابه متداول حتى الآن بين أغلب زعماء وقادة دول العالم، وكتابه وإن كان عنوانه «فن الحرب» إلا أنه يتصل فلسفيا بفن إدارة الحياة، سواء في ساحة المعركة، أو في مجالات الإدارة والتفاوض وفن تغليب رؤية الوصول إلى السلم! مما يجعل كتابه مخزونا معرفيا ذا قيمة كبيرة ليس للعسكريين وإنما للسياسيين والاقتصاديين ولكل من يريد إدارة الحياة من منطلق استراتيجي حكيم!
{ في حياة البشرية عبر العصور، كان العنف والحروب من الطبائع المتأصلة، التي جعلت من ركام المآسي البشرية أيقونة لتراكم الصراعات أيضاً! وغلبة الأطماع والأنانية بمقياس القوة على السلم والأمان اللذين تبحث عنهما الشعوب بشكل عام، لتجد نفسها في النهاية ضحية ووقود للحروب الدائرة، ليبرز السلم المنشود وكأنه مجرد نتاج للحرب أي لا بد من الحرب للوصول إلى السلم، وليس أساساً للحياة البشرية الطبيعية! والحرب هي النشاز الذي تحول إلى قاعدة! بعيداً عن القواعد الطبيعية التي من المفترض أن يحتكم إليها البشر في شؤونهم الخاصة والعامة، مثلما تحتكم إليها الدول، التي لا تعبأ بالحياة الإنسانية في ظل صراعها للهيمنة والسيطرة والأطماع المغلفة بأردية مختلفة قومية ودينية وأيديولوجية، فيما الجوهر في كل الحروب هو صراع الأضداد، ولا مجال فيها لخطاب السلم أو التعايش أو التكامل!
{ في القرن العشرين ذهب في الحربين العالميتين الأولى والثانية عشرات، بل مئات الملايين في صراعات دول تديرها أيد خفية من اللاعبين بالمال والذهب، لتواصل خلفيتها في حروب أخرى كثيرة بواجهات شركات تحرك في القرن البائد والقرن الحادي والعشرين الاقتصاد، والمال والإعلام والسياسة!
وتجعل قادة دول عظمى أدوات لتحقيق الأرباح المليارية على حساب حياة الشعوب! ولعل ما جاء في تقرير المقررة الأممية «فرانشسيكا البانيز» حول تورط 60 شركة عالمية كبرى في إبادة غزة، آخر مثال لدور هذه الشركات في الحروب واستمرارها، دون تعرضها لأية مساءلة قانونية أو تهم بانتهاك القانون الدولي والحقوقي الإنساني! المهم المليارات!
{ ولندرك من يكتب روشتة الحروب المستمرة، فإنها في هذا القرن هي ذات الشركات المرتبطة بالقطاع العسكري بشكل كبير، يضاف إليها اليوم شركات التكنولوجيا العملاقة مثل (الفابت وأمازون وما يكروسوفت وآي. بي. أم) وغيرها من الشركات العملاقة التي يتناسخ أداؤها القاتل ما بين شركات السلاح وشركات الأدوية وشركات الحروب البيولوجية ونشر الأمراض! وهي الأيادي الظاهرة والخفية في آن معاً، للضغط على قيادات الدول الكبرى الاستعمارية في الغرب، لتغليب لغة الأزمات والصراعات والحروب على لغة السلم والتعايش دون التخلص من شرور الجشع والأطماع الاستعمارية التي خلقت المآسي في حياة البشرية!
هناك مسافة ضوئية بين لغة الحرب ولغة السلم ولغة الكراهية ولغة الحب، والمنطلقات الأيديولوجية أو الدينية المتطرفة أو المنطلقات العرقية والعنصرية، ولغة التكامل العالمي الذي هيأت الأرض كل عواملها ليعيش كل البشر بنعمة ثرواتها بعدالة ومساواة! ولكن الذي يحدث اليوم هو أن 1% هم اللاعبون بمصائر 99% من البشر الذين يشكلون كل شعوب العالم! وأن هذا التلاعب وصل إلى حد التفكير في إفناء البشرية كلها بالحروب والفيروسات واستبدالها بشعوب قادمة من الروبوتات والآلات والذكاء الاصطناعي، لكي ينعم أشرار الـ1% بالسيطرة على كل الأرض وخيراتها دون وجود منافس اسمه شعوب العالم! هكذا هم يفكرون وهكذا هم يخططون وهكذا هم يمهدون لحكم الدجال القادم، الذي يريد الفوضى والحروب والأمراض وفناء البشرية إلا أتباعه! وبهذا تكتمل حلقات السلسلة في الصراع بين الحرب والسلم، وتتناثر الفلسفات والتراث الإنساني الباحث عن الأمن في غياهب المخططات الشيطانية لاستدامة الحروب! فهل ينجح هؤلاء الأشرار أم أن عدالة السماء ستقلب سحرهم عليهم في النهاية؟!
إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك