زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الصدام الحضاري مستمر
أثبت قبل ثلاثة أيام ان المفكر المعروف صمويل هنتنغتون سرق مني فكرة صدام الحضارات، وألّف كتابا بهذا الاسم ونال شهرة واسعة، بينما مارس أبو الجعافر صدام الحضارات فيزيائيا وشخصيا، وكان ذلك بركوب طائرة نفاثة في وقت كان فيه كثير من العرب والأفارقة لا يرون الطائرات إلا وهي في الأجواء.
وصلت لندن مع رهط من زملائي لدراسة فنون العمل التلفزيوني، وقضينا ليلتنا الأولى في فندق، واستيقظنا مبكرين للبحث عن موقع المعهد الذي سنلتحق به، وكان معنا رقم هاتف المعهد، فاستخدمنا هاتفا عموميا يعمل بالقطع المعدنية، وتوليت أنا الاتصال، ورد علي صوت نسائي بادرته بالتحية، ولكنها لم ترد على التحية وواصلت الثرثرة، وكتمت غيظي إلى ان توقفت عن الحديث، وقلت لها إننا المجموعة السودانية المقرر التحاقها بالمعهد.... ولكنها لم تجعلني أكمل بل قاطعتني وصارت تتفوه بكلام لا أفهمه، فقاطعتها بدوري غاضبا: اسمعي يا ست انت.. نحن لا نعرف موقع المعهد... ولكنها واصلت الكلام ولم تتوقف لسماع ما أقوله.. وما إن صمتت حتى عاودت شرح موقفنا لها، ولكنها قاطعتني مجددا ففقدت القدرة على الكلام من فرط الغضب.. فصمتت برهة ثم واصلت الكلام، وأصغيت.. فإذا بها تردد بعد كل فترة صمت ان المعهد مغلق لأن «اليوم هو السبت» ثم تحدد ساعات العمل.. أصبحت مثل السمسمة من فرط الخجل، بعد أن أدركت انني كنت استمع الى تسجيل صوتي، وأنه فات علينا ان العطلة الأسبوعية في بريطانيا يوما السبت والأحد. وكان التعامل مع الهاتف الذي يحوي تسجيلات صوتية أمرا جديدا علينا، بل كان لدينا هاتف في مكتبنا في التلفزيون السوداني، لا يصلح إلا لاستقبال المكالمات، أما إرسالها فلم يكن ممكنا.
وقد ذهبت الى بريطانيا وأنا أحسب أنني أجيد الإنجليزية، ولكنني اكتشفت ان «إنجليزي لندن» حاجة تانية خالص. مثلا في لندن عندهم حساسية مع حرف الإتش، وبالتالي لا ينطقون «الهاء» في معظم الكلمات ودرسونا في المدرسة ان «يدي» بالإنجليزية هي «ماي هاند» ولكنها في لندن تصبح «مي آند» والزبادي في إنجليزي المدارس «يوقرْت» ولكنه في لندن «يوقا» ولأنهم لا ينطقون الراء في معظم أواخر الكلمات فقد صار اسمي في لندن «جافا» وهي التسمية الإنجليزية لمدينة يافا الفلسطينية (سابقا!!)، وبما ان متاجر لندن كانت ممتلئة بعصائر وبسكويت جافا (يافا) فقد صار اسمي موضع تندر.
وبعد ان تمكنا من الوصول الى المعهد في ثالث يوم لوصولنا الى لندن، سارت أمورنا بسلاسة، وتم نقلنا من الفندق الى «بيت الشباب الكاثوليكي» في منطقة فينسبوري بارك، بالقرب من محطة مانر هاوس لقطار الأنفاق على خط البيكاديللي، في موقع قريب من استاد نادي آرسنال الرياضي، وكعادتنا فكرنا في الاستحمام في مساء يومنا الأول هناك، ونزلنا الى حيث الحمامات تحت سطح الأرض، وكدنا نسقط هلعا لهول ما رأينا: شباب بيض وسود وصفر يستحمون في حمامات متقابلة بلا أبواب، ومن ينتظرون الدور يقفون عراة يتجاذبون الحديث وعلى أكتافهم بشاكير (فوط) الاستحمام.. طيب يا أولاد الـ.... فيها إيه لو غطيتم عوراتكم؟ تقهقرنا مذعورين وأعدنا المحاولة صباح اليوم التالي، ولكن الوضع كان سيم سيم من حيث قلة الحياء و«انكشاف الحال»، وكان بالقرب من مكان إقامتنا محل لبيع دجاج كنتاكي جميع العاملين فيه مصريون، ومررت بالقرب من المطعم ذات يوم وسمعت مطربة تقول: الطشت قال لي/ يا حلوة يللي/ قومي استحمي/ حلفت ما استحماش يا.... ولأن الحرامي على رأسه ريشة أو بطحة ولأن المريب يكاد أن يقول خذوني، فقد حسبت أن المصريين «أولاد الذين» علموا بأمر عدم استحمامي لأيام طوال وشغلوا تلك الأغنية للتريقة علي.
ولم نمارس الاستحمام طوال فترة بقائنا في بيت الشباب الكاثوليكي إلا في نحو الثالثة فجرا والخلق نيام، ولكن «للضمان» بالمايوه.. وفوق كل هذا كنا نفتح صنابير المياه الساخنة في الحمامات التي من حولنا حتى تتشكل طبقة من الضباب الكثيف تجعل الرؤية متعذرة حتى وأبواب الحمامات مفتوحة، أو بالأحرى بلا أبواب أصلا.
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك