العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الصدام الحضاري مستمر

أثبت‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬ان‭ ‬المفكر‭ ‬المعروف‭ ‬صمويل‭ ‬هنتنغتون‭ ‬سرق‭ ‬مني‭ ‬فكرة‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات،‭ ‬وألّف‭ ‬كتابا‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم‭ ‬ونال‭ ‬شهرة‭ ‬واسعة،‭ ‬بينما‭ ‬مارس‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات‭ ‬فيزيائيا‭ ‬وشخصيا،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بركوب‭ ‬طائرة‭ ‬نفاثة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬والأفارقة‭ ‬لا‭ ‬يرون‭ ‬الطائرات‭ ‬إلا‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الأجواء‭.‬

وصلت‭ ‬لندن‭ ‬مع‭ ‬رهط‭ ‬من‭ ‬زملائي‭ ‬لدراسة‭ ‬فنون‭ ‬العمل‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬وقضينا‭ ‬ليلتنا‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬فندق،‭ ‬واستيقظنا‭ ‬مبكرين‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬المعهد‭ ‬الذي‭ ‬سنلتحق‭ ‬به،‭ ‬وكان‭ ‬معنا‭ ‬رقم‭ ‬هاتف‭ ‬المعهد،‭ ‬فاستخدمنا‭ ‬هاتفا‭ ‬عموميا‭ ‬يعمل‭ ‬بالقطع‭ ‬المعدنية،‭ ‬وتوليت‭ ‬أنا‭ ‬الاتصال،‭ ‬ورد‭ ‬علي‭ ‬صوت‭ ‬نسائي‭ ‬بادرته‭ ‬بالتحية،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬التحية‭ ‬وواصلت‭ ‬الثرثرة،‭ ‬وكتمت‭ ‬غيظي‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬الحديث،‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭ ‬إننا‭ ‬المجموعة‭ ‬السودانية‭ ‬المقرر‭ ‬التحاقها‭ ‬بالمعهد‭.... ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تجعلني‭ ‬أكمل‭ ‬بل‭ ‬قاطعتني‭ ‬وصارت‭ ‬تتفوه‭ ‬بكلام‭ ‬لا‭ ‬أفهمه،‭ ‬فقاطعتها‭ ‬بدوري‭ ‬غاضبا‭: ‬اسمعي‭ ‬يا‭ ‬ست‭ ‬انت‭.. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬موقع‭ ‬المعهد‭... ‬ولكنها‭ ‬واصلت‭ ‬الكلام‭ ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬لسماع‭ ‬ما‭ ‬أقوله‭.. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬صمتت‭ ‬حتى‭ ‬عاودت‭ ‬شرح‭ ‬موقفنا‭ ‬لها،‭ ‬ولكنها‭ ‬قاطعتني‭ ‬مجددا‭ ‬ففقدت‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الكلام‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬الغضب‭.. ‬فصمتت‭ ‬برهة‭ ‬ثم‭ ‬واصلت‭ ‬الكلام،‭ ‬وأصغيت‭.. ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تردد‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬فترة‭ ‬صمت‭ ‬ان‭ ‬المعهد‭ ‬مغلق‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬السبت‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬تحدد‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭.. ‬أصبحت‭ ‬مثل‭ ‬السمسمة‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬الخجل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدركت‭ ‬انني‭ ‬كنت‭ ‬استمع‭ ‬الى‭ ‬تسجيل‭ ‬صوتي،‭ ‬وأنه‭ ‬فات‭ ‬علينا‭ ‬ان‭ ‬العطلة‭ ‬الأسبوعية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬يوما‭ ‬السبت‭ ‬والأحد‭. ‬وكان‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الهاتف‭ ‬الذي‭ ‬يحوي‭ ‬تسجيلات‭ ‬صوتية‭ ‬أمرا‭ ‬جديدا‭ ‬علينا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬لدينا‭ ‬هاتف‭ ‬في‭ ‬مكتبنا‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬السوداني،‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬إلا‭ ‬لاستقبال‭ ‬المكالمات،‭ ‬أما‭ ‬إرسالها‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬ممكنا‭.‬

وقد‭ ‬ذهبت‭ ‬الى‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأنا‭ ‬أحسب‭ ‬أنني‭ ‬أجيد‭ ‬الإنجليزية،‭ ‬ولكنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬ان‭ ‬‮«‬إنجليزي‭ ‬لندن‮»‬‭ ‬حاجة‭ ‬تانية‭ ‬خالص‭. ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬عندهم‭ ‬حساسية‭ ‬مع‭ ‬حرف‭ ‬الإتش،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬ينطقون‭ ‬‮«‬الهاء‮»‬‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الكلمات‭ ‬ودرسونا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬ان‭ ‬‮«‬يدي‮»‬‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬ماي‭ ‬هاند‮»‬‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬مي‭ ‬آند‮»‬‭ ‬والزبادي‭ ‬في‭ ‬إنجليزي‭ ‬المدارس‭ ‬‮«‬يوقرْت‮»‬‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬‮«‬يوقا‮»‬‭ ‬ولأنهم‭ ‬لا‭ ‬ينطقون‭ ‬الراء‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أواخر‭ ‬الكلمات‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬اسمي‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬‮«‬جافا‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬التسمية‭ ‬الإنجليزية‭ ‬لمدينة‭ ‬يافا‭ ‬الفلسطينية‭ (‬سابقا‭!!)‬،‭ ‬وبما‭ ‬ان‭ ‬متاجر‭ ‬لندن‭ ‬كانت‭ ‬ممتلئة‭ ‬بعصائر‭ ‬وبسكويت‭ ‬جافا‭ (‬يافا‭) ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬اسمي‭ ‬موضع‭ ‬تندر‭.‬

وبعد‭ ‬ان‭ ‬تمكنا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬المعهد‭ ‬في‭ ‬ثالث‭ ‬يوم‭ ‬لوصولنا‭ ‬الى‭ ‬لندن،‭ ‬سارت‭ ‬أمورنا‭ ‬بسلاسة،‭ ‬وتم‭ ‬نقلنا‭ ‬من‭ ‬الفندق‭ ‬الى‭ ‬‮«‬بيت‭ ‬الشباب‭ ‬الكاثوليكي‮»‬‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬فينسبوري‭ ‬بارك،‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬مانر‭ ‬هاوس‭ ‬لقطار‭ ‬الأنفاق‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬البيكاديللي،‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬استاد‭ ‬نادي‭ ‬آرسنال‭ ‬الرياضي،‭ ‬وكعادتنا‭ ‬فكرنا‭ ‬في‭ ‬الاستحمام‭ ‬في‭ ‬مساء‭ ‬يومنا‭ ‬الأول‭ ‬هناك،‭ ‬ونزلنا‭ ‬الى‭ ‬حيث‭ ‬الحمامات‭ ‬تحت‭ ‬سطح‭ ‬الأرض،‭ ‬وكدنا‭ ‬نسقط‭ ‬هلعا‭ ‬لهول‭ ‬ما‭ ‬رأينا‭: ‬شباب‭ ‬بيض‭ ‬وسود‭ ‬وصفر‭ ‬يستحمون‭ ‬في‭ ‬حمامات‭ ‬متقابلة‭ ‬بلا‭ ‬أبواب،‭ ‬ومن‭ ‬ينتظرون‭ ‬الدور‭ ‬يقفون‭ ‬عراة‭ ‬يتجاذبون‭ ‬الحديث‭ ‬وعلى‭ ‬أكتافهم‭ ‬بشاكير‭ (‬فوط‭) ‬الاستحمام‭.. ‬طيب‭ ‬يا‭ ‬أولاد‭ ‬الـ‭.... ‬فيها‭ ‬إيه‭ ‬لو‭ ‬غطيتم‭ ‬عوراتكم؟‭ ‬تقهقرنا‭ ‬مذعورين‭ ‬وأعدنا‭ ‬المحاولة‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬ولكن‭ ‬الوضع‭ ‬كان‭ ‬سيم‭ ‬سيم‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬قلة‭ ‬الحياء‭ ‬و«انكشاف‭ ‬الحال‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إقامتنا‭ ‬محل‭ ‬لبيع‭ ‬دجاج‭ ‬كنتاكي‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬فيه‭ ‬مصريون،‭ ‬ومررت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المطعم‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬وسمعت‭ ‬مطربة‭ ‬تقول‭: ‬الطشت‭ ‬قال‭ ‬لي‭/ ‬يا‭ ‬حلوة‭ ‬يللي‭/ ‬قومي‭ ‬استحمي‭/ ‬حلفت‭ ‬ما‭ ‬استحماش‭ ‬يا‭.... ‬ولأن‭ ‬الحرامي‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬ريشة‭ ‬أو‭ ‬بطحة‭ ‬ولأن‭ ‬المريب‭ ‬يكاد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬خذوني،‭ ‬فقد‭ ‬حسبت‭ ‬أن‭ ‬المصريين‭ ‬‮«‬أولاد‭ ‬الذين‮»‬‭ ‬علموا‭ ‬بأمر‭ ‬عدم‭ ‬استحمامي‭ ‬لأيام‭ ‬طوال‭ ‬وشغلوا‭ ‬تلك‭ ‬الأغنية‭ ‬للتريقة‭ ‬علي‭.‬

ولم‭ ‬نمارس‭ ‬الاستحمام‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬بقائنا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الشباب‭ ‬الكاثوليكي‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬الثالثة‭ ‬فجرا‭ ‬والخلق‭ ‬نيام،‭ ‬ولكن‭ ‬‮«‬للضمان‮»‬‭ ‬بالمايوه‭.. ‬وفوق‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬كنا‭ ‬نفتح‭ ‬صنابير‭ ‬المياه‭ ‬الساخنة‭ ‬في‭ ‬الحمامات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬حتى‭ ‬تتشكل‭ ‬طبقة‭ ‬من‭ ‬الضباب‭ ‬الكثيف‭ ‬تجعل‭ ‬الرؤية‭ ‬متعذرة‭ ‬حتى‭ ‬وأبواب‭ ‬الحمامات‭ ‬مفتوحة،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬بلا‭ ‬أبواب‭ ‬أصلا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا