زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الجن في الخرطوم ولندن
سردت بالأمس ما وصفته بالنقلة الكبيرة في مسار حياتي بعد خروجي من السجن الذي كنت معتقلا سياسيا فيه، واستأجرت غرفة في عمارة في سوق مدينة الخرطوم بحري، وتفرغت للقراءة والاطلاع، ثم نعمت بفترة خصبة أخرى خلال عملي مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة التجارة الثانوية بالخرطوم، حيث واصلت التثقيف الذاتي المكثف، فقد دخل طلاب المدرسة في إضراب عن الدراسة بسبب رفع سنوات الدارسة فيها من ثلاث إلى أربع، بينما بقية المدارس الثانوية تتألف من ثلاثة صفوف، وظلت المدرسة مغلقة طوال نحو ستة أشهر، وبحكم أنني كنت ضابط داخلية (أي أحد المشرفين على السكن الداخلي للطلاب)، فقد كنت أتمتع بسكن مجاني في حرم المدرسة. كان بيتا فخما أقام فيه الضباط الإنجليز خلال الحقبة الاستعمارية وبه حديقة واسعة وجميلة، وكان معنا مدرس الرياضيات، وكان صاحبنا هذا شخصا منظما ومرتبا، وبالتالي كان من الصعب علي مشاركته السكن في نفس الغرفة، واخترت وزميلي «صلاح يحيى» السكن سويا، في «الصالون» الذي جعلناه أقرب إلى حظيرة للأبقار، وكان كل شبر من الأرضية مغطى بالأوراق والكتب، وكأنما إعصار مر بالغرفة، ولم تأت فرق الإغاثة لنجدة المقيمين فيها، فقد كنا نصحو ثم يمسك كل واحد منا بكتاب ونظل نقرأ من دون ان نتبادل كلمة، إلى أن يشكو أحدنا من الجوع ونتدبر أمر الوجبة، وظللنا على هذا الحال نحو 4 أشهر، وذات «عصرية» رمى صلاح الكتاب الذي كان ممسكا به بقوة نحو السقف وصاح: إيه العباطة دي؟ نقرأ ليل نهار ثم ما النتيجة؟ الذين لم يقرأوا حرفا منذ مغادرة مقاعد الدراسة ماسكين كل شيء، ونحن نرهق عيوننا وعقولنا ولا نجد قوتا سوى سندويتشات الفول! ثم خرج من الغرفة وحسبت انه سيجلس في الحديقة فواصلت القراءة، وبعد نحو ساعتين، أدركت أن سكونا داويا ومزعجا يحيط بالمكان. كان البيت في المنطقة الفاصلة بين وزارة التربية و«سلاح الأسلحة» التابع للقوات المسلحة، حيث مخازن الذخيرة، وكانت كل تلك المباني من حولنا خالية لحلول الليل ولكون الدراسة معطلة في المدرسة وخرجت من الغرفة ولم أجد أحدا في البيت، فعدت مواصلا القراءة.
كنت اقرأ رواية إكزورسِيست Exorcist The (طارد الأرواح الشريرة) وجميع وقائعها عن الشياطين والأشباح وعمايلها المهببة، وسرت الرعدة في أوصالي عندما رأيت أشباحا على حائط الغرفة.. تخيل نفسك في منطقة مساحتها نحو 100 ألف متر مربع وليس حولك آدمي في نحو العاشرة ليلا، وهناك نحو ألف شجرة بلوط عملاقة وآلاف الشجيرات الأخرى التي تشكل ملاذات آمنة للجن.
وتذكر أنني من جزيرة بدين حيث في كل حي خرابة تعسكر فيها الشياطين. وتناهت إلى أذني هسهسات ووشوشات أوراق الشجر الجافة وكأنها دوي مدافع. خرجت من الغرفة على أطراف أصابعي وقد سقط قلبي من صدري والتصق بمثانتي ضاغطا عليها، ولم تكن الطرق الموصلة الى حيث بني البشر في الشارع العام توحي بالطمأنينة، فقد كانت محاطة بالأشجار ومباني حقبة الاستعمار بمعمارها الكئيب.. وتحولت الى بطل أولمبي ولكن وقع خطواتي المرتكبة زادني خوفا.
وتعثرت وسقطت أكثر من مرة.. ثم انتبهت الى ان الكتاب اللعين مازال في يدي فرميت به بعيدا فاطمأن قلبي بعض الشيء، وأخيرا وصلت الى الشارع الموصل الى جسر النيل الأزرق ورأيت كائنات من بني البشر، فنفضت الغبار عن ملابسي وأصلحت هيئتي، وركبت سيارة تاكسي وانطلقت إلى بيت أقاربي في الخرطوم بحري، وبعد دخول البيت انتبهت إلى أنني كنت حافيا.
تعرضت لتجربة مماثلة وأنا في لندن في أواخر سبعينيات القرن الماضي عندما كنت أقرأ مجموعة كتب للعالم الأنثروبولوجي الأمريكي كارلوس كاستنيدا، وأولها «تعاليم دون خوان» The teachings of Don Juan عن تجاربه بين هنود أمريكا الوسطى واللاتينية والهلوسات الناجمة عن تعاطي أعشاب معينة، ولأن الكتب تتعلق بأمور وقعت وليست من نسج الخيال فقد كان محتواها مرعبا وصرت لا أقرأ تلك السلسلة إلا وأنا في القطار بين بني البشر تفاديا لغارات الأشباح، ثم قاطعت ذلك الكاتب وعلم الأنثروبولوجي الذي كنت أعشقه.
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك