العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الجن في الخرطوم ولندن

سردت‭ ‬بالأمس‭ ‬ما‭ ‬وصفته‭ ‬بالنقلة‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬حياتي‭ ‬بعد‭ ‬خروجي‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬معتقلا‭ ‬سياسيا‭ ‬فيه،‭ ‬واستأجرت‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬عمارة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬مدينة‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري،‭ ‬وتفرغت‭ ‬للقراءة‭ ‬والاطلاع،‭ ‬ثم‭ ‬نعمت‭ ‬بفترة‭ ‬خصبة‭ ‬أخرى‭ ‬خلال‭ ‬عملي‭ ‬مدرسا‭ ‬للغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬التجارة‭ ‬الثانوية‭ ‬بالخرطوم،‭ ‬حيث‭ ‬واصلت‭ ‬التثقيف‭ ‬الذاتي‭ ‬المكثف،‭ ‬فقد‭ ‬دخل‭ ‬طلاب‭ ‬المدرسة‭ ‬في‭ ‬إضراب‭ ‬عن‭ ‬الدراسة‭ ‬بسبب‭ ‬رفع‭ ‬سنوات‭ ‬الدارسة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬إلى‭ ‬أربع،‭ ‬بينما‭ ‬بقية‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬صفوف،‭ ‬وظلت‭ ‬المدرسة‭ ‬مغلقة‭ ‬طوال‭ ‬نحو‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬وبحكم‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬ضابط‭ ‬داخلية‭ (‬أي‭ ‬أحد‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬الداخلي‭ ‬للطلاب‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أتمتع‭ ‬بسكن‭ ‬مجاني‭ ‬في‭ ‬حرم‭ ‬المدرسة‭. ‬كان‭ ‬بيتا‭ ‬فخما‭ ‬أقام‭ ‬فيه‭ ‬الضباط‭ ‬الإنجليز‭ ‬خلال‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬وبه‭ ‬حديقة‭ ‬واسعة‭ ‬وجميلة،‭ ‬وكان‭ ‬معنا‭ ‬مدرس‭ ‬الرياضيات،‭ ‬وكان‭ ‬صاحبنا‭ ‬هذا‭ ‬شخصا‭ ‬منظما‭ ‬ومرتبا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬علي‭ ‬مشاركته‭ ‬السكن‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الغرفة،‭ ‬واخترت‭ ‬وزميلي‭ ‬‮«‬صلاح‭ ‬يحيى‮»‬‭ ‬السكن‭ ‬سويا،‭ ‬في‭ ‬‮«‬الصالون‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬جعلناه‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬حظيرة‭ ‬للأبقار،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬من‭ ‬الأرضية‭ ‬مغطى‭ ‬بالأوراق‭ ‬والكتب،‭ ‬وكأنما‭ ‬إعصار‭ ‬مر‭ ‬بالغرفة،‭ ‬ولم‭ ‬تأت‭ ‬فرق‭ ‬الإغاثة‭ ‬لنجدة‭ ‬المقيمين‭ ‬فيها،‭ ‬فقد‭ ‬كنا‭ ‬نصحو‭ ‬ثم‭ ‬يمسك‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬بكتاب‭ ‬ونظل‭ ‬نقرأ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬نتبادل‭ ‬كلمة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يشكو‭ ‬أحدنا‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬ونتدبر‭ ‬أمر‭ ‬الوجبة،‭ ‬وظللنا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحال‭ ‬نحو‭ ‬4‭ ‬أشهر،‭ ‬وذات‭ ‬‮«‬عصرية‮»‬‭ ‬رمى‭ ‬صلاح‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ممسكا‭ ‬به‭ ‬بقوة‭ ‬نحو‭ ‬السقف‭ ‬وصاح‭: ‬إيه‭ ‬العباطة‭ ‬دي؟‭ ‬نقرأ‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬النتيجة؟‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقرأوا‭ ‬حرفا‭ ‬منذ‭ ‬مغادرة‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬ماسكين‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ونحن‭ ‬نرهق‭ ‬عيوننا‭ ‬وعقولنا‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬قوتا‭ ‬سوى‭ ‬سندويتشات‭ ‬الفول‭! ‬ثم‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬وحسبت‭ ‬انه‭ ‬سيجلس‭ ‬في‭ ‬الحديقة‭ ‬فواصلت‭ ‬القراءة،‭ ‬وبعد‭ ‬نحو‭ ‬ساعتين،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬سكونا‭ ‬داويا‭ ‬ومزعجا‭ ‬يحيط‭ ‬بالمكان‭. ‬كان‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬و‮«‬سلاح‭ ‬الأسلحة‮»‬‭ ‬التابع‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬حيث‭ ‬مخازن‭ ‬الذخيرة،‭ ‬وكانت‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬المباني‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬خالية‭ ‬لحلول‭ ‬الليل‭ ‬ولكون‭ ‬الدراسة‭ ‬معطلة‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬وخرجت‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬ولم‭ ‬أجد‭ ‬أحدا‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬فعدت‭ ‬مواصلا‭ ‬القراءة‭.‬

‭ ‬كنت‭ ‬اقرأ‭ ‬رواية‭ ‬إكزورسِيست‭ ‬Exorcist  The ‭(‬طارد‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة‭) ‬وجميع‭ ‬وقائعها‭ ‬عن‭ ‬الشياطين‭ ‬والأشباح‭ ‬وعمايلها‭ ‬المهببة،‭ ‬وسرت‭ ‬الرعدة‭ ‬في‭ ‬أوصالي‭ ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬أشباحا‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬الغرفة‭.. ‬تخيل‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬مساحتها‭ ‬نحو‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬متر‭ ‬مربع‭ ‬وليس‭ ‬حولك‭ ‬آدمي‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬العاشرة‭ ‬ليلا،‭ ‬وهناك‭ ‬نحو‭ ‬ألف‭ ‬شجرة‭ ‬بلوط‭ ‬عملاقة‭ ‬وآلاف‭ ‬الشجيرات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬ملاذات‭ ‬آمنة‭ ‬للجن‭. ‬

وتذكر‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬بدين‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حي‭ ‬خرابة‭ ‬تعسكر‭ ‬فيها‭ ‬الشياطين‭. ‬وتناهت‭ ‬إلى‭ ‬أذني‭ ‬هسهسات‭ ‬ووشوشات‭ ‬أوراق‭ ‬الشجر‭ ‬الجافة‭ ‬وكأنها‭ ‬دوي‭ ‬مدافع‭. ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الغرفة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬أصابعي‭ ‬وقد‭ ‬سقط‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬صدري‭ ‬والتصق‭ ‬بمثانتي‭ ‬ضاغطا‭ ‬عليها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الطرق‭ ‬الموصلة‭ ‬الى‭ ‬حيث‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬العام‭ ‬توحي‭ ‬بالطمأنينة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬محاطة‭ ‬بالأشجار‭ ‬ومباني‭ ‬حقبة‭ ‬الاستعمار‭ ‬بمعمارها‭ ‬الكئيب‭.. ‬وتحولت‭ ‬الى‭ ‬بطل‭ ‬أولمبي‭ ‬ولكن‭ ‬وقع‭ ‬خطواتي‭ ‬المرتكبة‭ ‬زادني‭ ‬خوفا‭. ‬

وتعثرت‭ ‬وسقطت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭.. ‬ثم‭ ‬انتبهت‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الكتاب‭ ‬اللعين‭ ‬مازال‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬فرميت‭ ‬به‭ ‬بعيدا‭ ‬فاطمأن‭ ‬قلبي‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬وأخيرا‭ ‬وصلت‭ ‬الى‭ ‬الشارع‭ ‬الموصل‭ ‬الى‭ ‬جسر‭ ‬النيل‭ ‬الأزرق‭ ‬ورأيت‭ ‬كائنات‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬البشر،‭ ‬فنفضت‭ ‬الغبار‭ ‬عن‭ ‬ملابسي‭ ‬وأصلحت‭ ‬هيئتي،‭ ‬وركبت‭ ‬سيارة‭ ‬تاكسي‭ ‬وانطلقت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أقاربي‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري،‭ ‬وبعد‭ ‬دخول‭ ‬البيت‭ ‬انتبهت‭ ‬إلى‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬حافيا‭.‬

تعرضت‭ ‬لتجربة‭ ‬مماثلة‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬مجموعة‭ ‬كتب‭ ‬للعالم‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬كارلوس‭ ‬كاستنيدا،‭ ‬وأولها‭ ‬‮«‬تعاليم‭ ‬دون‭ ‬خوان‮»‬ The teachings of Don Juan‭ ‬عن‭ ‬تجاربه‭ ‬بين‭ ‬هنود‭ ‬أمريكا‭ ‬الوسطى‭ ‬واللاتينية‭ ‬والهلوسات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬تعاطي‭ ‬أعشاب‭ ‬معينة،‭ ‬ولأن‭ ‬الكتب‭ ‬تتعلق‭ ‬بأمور‭ ‬وقعت‭ ‬وليست‭ ‬من‭ ‬نسج‭ ‬الخيال‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬محتواها‭ ‬مرعبا‭ ‬وصرت‭ ‬لا‭ ‬أقرأ‭ ‬تلك‭ ‬السلسلة‭ ‬إلا‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬القطار‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر‭ ‬تفاديا‭ ‬لغارات‭ ‬الأشباح،‭ ‬ثم‭ ‬قاطعت‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬وعلم‭ ‬الأنثروبولوجي‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أعشقه‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا