زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
واصلت الدراسة بنفس مفتوحة
كان العام الدراسي الذي قضيته في لندن (1976-77)، من أمتع فترات حياتي، فقد كان الأمر يتعلق بتفانين العمل التلفزيوني، والهوم ويرك أي الواجب المنزلي يكون غالبا مشاهدة برامج تلفزيونية معينة لمناقشة محتواها وتقنياتها في اليوم التالي، وكنا طلابا من دول مختلفة: هولندا والبرازيل وايران والسعودية وكينيا وفولتا العليا (التي صار اسمها لاحقا بوركينا فاسو)، ولكن السودانيين كانوا يشكلون أكبر مجموعة بين الدارسين، واكتسبوا بين المدرسين والمعلمين في المعهد سمعة طيبة كطلاب منضبطين وجادين، وبالتالي كان تقليدا ثابتا فيه أن يلقي كلمة الخريجين بنهاية كل عام دراسي، أمام «وزير التنمية فيما وراء البحار» البريطاني طالب سوداني.
كان غريبا ان استمتع بالدراسة لأنني كنت قد قررت فور تخرجي في الجامعة أنني نلت كفايتي من التعليم، وذات عام وبعد عامين من التخرج في الجامعة، خضت تجربة الامتحانات والمعاينات للفوز بوظيفة سكرتير ثالث في وزارة الخارجية، وتم قبولي، ولكن ما أن أبلغوني بأنه يتعين علي الالتحاق بمعهد التنمية الإدارية لستة أشهر لدراسة الإدارة واللغة الفرنسية حتى قلت: ما بدهاش.. خلَّصت حصتي و«كوتتي» من القراءة، ولست مستعدا لخوض تجربة الدراسة والامتحانات مجددا، وتركت وزارة الخارجية قبل أن ألتحق بها غير نادم على ذلك.
كانت متعة لا تعادلها متعة مشاهدة برامج تلفزيون بي بي سي وآي تي في، ونشرات أخبار ذات صدقية عالية وبرامج حوارية يلعن فيها المتحاورون خاش الحكومة بقلب جامد، وكان الرئيس السوداني جعفر نميري وقتها يقدم بنفسه برنامجا شهريا اسمه «بين الشعب والقائد»، وذلك أسوة بنظيره الليبي معمر القذافي. ولم تكن للبرنامج مدة معلومة: قد يستمر ساعتين وقد يستمر أربع ساعات، وكان التصور الأصلي للبرنامج ان يتلقى فيه شكاوى ووجهات نظر الجمهور حول مختلف القضايا، وفي تقديري فإنه لم يكن ليمانع في تلقي مكالمات تنتقده او حتى تشتمه، فقد كان صاحب شخصية انفعالية ولا يتردد في رد الصاع صاعين لمنتقديه في المنابر العامة، وبعنف وحدة أحيانا، ولكن شلة المنافقين كانت ترتب مكالمات كلها بكش ومدح وثناء أو استفهامية «بريئة»، وعلى مرِّ تاريخه منذ بدء إرساله في مطلع ستينيات القرن الماضي ظلت نشرات الأخبار في التلفزيون السوداني تفتقر الى الموضوعية والمصداقية لكونها مثل سائر محطات التلفزة العربية تخضع لتوجيهات «الحاكم بأمره»، ويبدو ان الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز سمع بتجربة نميري التلفزيونية، فصار يقدم برنامجا يوميا يبرطم فيه على كيفه ومزاجه آمنا مطمئنا بعدما أسكت جميع محطات البث الإذاعي والتلفزيوني المستقلة، أما الرئيس الإكوادوري من أصل لبناني عبد الله بوكرم، فقد كان يطوف الميادين حاملا جيتارا، فتم تفنيشه بعد شهور من صعوده الى سدة الرئاسة.
وكانت مجموعتنا في لندن مرفهة من الناحية المادية، فقد كنا نتقاضى رواتب أسبوعية عالية على نفقة حكومة ألمانيا الغربية التي قدمت لنا المنح الدراسية، وفوق ذلك كنا رتبنا لتحويل قسم من رواتبنا في السودان الى لندن، وكان الجنيه السوداني يساوي وقتها قرابة جنيهين إسترلينيين، ولم يكن الجنيه السوداني وحده هو الذي يرفع الرأس، بل كان كوننا نحمل شهادات من جامعات سودانية يجعلنا موضع احترام البريطانيين العاملين في المجال الأكاديمي. ذلك زمان كان فيه خريج جامعة الخرطوم يقدم أوراقه لجامعات مثل كيمبردج وأوكسفورد للدراسات العليا فيتم قبوله بالمزيكة، وكنا أثناء الدراسة هناك نتناول وجباتنا بترتيب خاص في مطعم يتبع لجامعة لندن، التي كان بها عدد من القانونيين السودانيين خريجي جامعة الخرطوم، كدارسين ومحاضرين وكانوا بفئتيهم يحظون بتقدير الطلاب والأساتذة. وفي يومنا هذا وفي ظل التصنيف الحالي للجامعات العربية عموما فإن حامل البكالوريوس منها يعامل في بريطانيا كحامل فيروس إنفلونزا الخنازير.
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك