العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٧ - الخميس ٠٣ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٦هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

واصلت الدراسة بنفس مفتوحة

كان‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬الذي‭ ‬قضيته‭ ‬في‭ ‬لندن‭ (‬1976-77‭)‬،‭ ‬من‭ ‬أمتع‭ ‬فترات‭ ‬حياتي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بتفانين‭ ‬العمل‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬والهوم‭ ‬ويرك‭ ‬أي‭ ‬الواجب‭ ‬المنزلي‭ ‬يكون‭ ‬غالبا‭ ‬مشاهدة‭ ‬برامج‭ ‬تلفزيونية‭ ‬معينة‭ ‬لمناقشة‭ ‬محتواها‭ ‬وتقنياتها‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬وكنا‭ ‬طلابا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬مختلفة‭: ‬هولندا‭ ‬والبرازيل‭ ‬وايران‭ ‬والسعودية‭ ‬وكينيا‭ ‬وفولتا‭ ‬العليا‭ (‬التي‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬لاحقا‭ ‬بوركينا‭ ‬فاسو‭)‬،‭ ‬ولكن‭ ‬السودانيين‭ ‬كانوا‭ ‬يشكلون‭ ‬أكبر‭ ‬مجموعة‭ ‬بين‭ ‬الدارسين،‭ ‬واكتسبوا‭ ‬بين‭ ‬المدرسين‭ ‬والمعلمين‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬سمعة‭ ‬طيبة‭ ‬كطلاب‭ ‬منضبطين‭ ‬وجادين،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كان‭ ‬تقليدا‭ ‬ثابتا‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يلقي‭ ‬كلمة‭ ‬الخريجين‭ ‬بنهاية‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬دراسي،‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬وزير‭ ‬التنمية‭ ‬فيما‭ ‬وراء‭ ‬البحار‮»‬‭ ‬البريطاني‭ ‬طالب‭ ‬سوداني‭.‬

‭ ‬كان‭ ‬غريبا‭ ‬ان‭ ‬استمتع‭ ‬بالدراسة‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬قررت‭ ‬فور‭ ‬تخرجي‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬أنني‭ ‬نلت‭ ‬كفايتي‭ ‬من‭ ‬التعليم،‭ ‬وذات‭ ‬عام‭ ‬وبعد‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬التخرج‭ ‬في‭ ‬الجامعة،‭ ‬خضت‭ ‬تجربة‭ ‬الامتحانات‭ ‬والمعاينات‭ ‬للفوز‭ ‬بوظيفة‭ ‬سكرتير‭ ‬ثالث‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬وتم‭ ‬قبولي،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬أبلغوني‭ ‬بأنه‭ ‬يتعين‭ ‬علي‭ ‬الالتحاق‭ ‬بمعهد‭ ‬التنمية‭ ‬الإدارية‭ ‬لستة‭ ‬أشهر‭ ‬لدراسة‭ ‬الإدارة‭ ‬واللغة‭ ‬الفرنسية‭ ‬حتى‭ ‬قلت‭: ‬ما‭ ‬بدهاش‭.. ‬خلَّصت‭ ‬حصتي‭ ‬و«كوتتي‮»‬‭ ‬من‭ ‬القراءة،‭ ‬ولست‭ ‬مستعدا‭ ‬لخوض‭ ‬تجربة‭ ‬الدراسة‭ ‬والامتحانات‭ ‬مجددا،‭ ‬وتركت‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ألتحق‭ ‬بها‭ ‬غير‭ ‬نادم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

كانت‭ ‬متعة‭ ‬لا‭ ‬تعادلها‭ ‬متعة‭ ‬مشاهدة‭ ‬برامج‭ ‬تلفزيون‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬وآي‭ ‬تي‭ ‬في،‭ ‬ونشرات‭ ‬أخبار‭ ‬ذات‭ ‬صدقية‭ ‬عالية‭ ‬وبرامج‭ ‬حوارية‭ ‬يلعن‭ ‬فيها‭ ‬المتحاورون‭ ‬خاش‭ ‬الحكومة‭ ‬بقلب‭ ‬جامد،‭ ‬وكان‭ ‬الرئيس‭ ‬السوداني‭ ‬جعفر‭ ‬نميري‭ ‬وقتها‭ ‬يقدم‭ ‬بنفسه‭ ‬برنامجا‭ ‬شهريا‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬والقائد‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬أسوة‭ ‬بنظيره‭ ‬الليبي‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬للبرنامج‭ ‬مدة‭ ‬معلومة‭: ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬ساعتين‭ ‬وقد‭ ‬يستمر‭ ‬أربع‭ ‬ساعات،‭ ‬وكان‭ ‬التصور‭ ‬الأصلي‭ ‬للبرنامج‭ ‬ان‭ ‬يتلقى‭ ‬فيه‭ ‬شكاوى‭ ‬ووجهات‭ ‬نظر‭ ‬الجمهور‭ ‬حول‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا،‭ ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬فإنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليمانع‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬مكالمات‭ ‬تنتقده‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬تشتمه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬شخصية‭ ‬انفعالية‭ ‬ولا‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬الصاع‭ ‬صاعين‭ ‬لمنتقديه‭ ‬في‭ ‬المنابر‭ ‬العامة،‭ ‬وبعنف‭ ‬وحدة‭ ‬أحيانا،‭ ‬ولكن‭ ‬شلة‭ ‬المنافقين‭ ‬كانت‭ ‬ترتب‭ ‬مكالمات‭ ‬كلها‭ ‬بكش‭ ‬ومدح‭ ‬وثناء‭ ‬أو‭ ‬استفهامية‭ ‬‮«‬بريئة‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬مرِّ‭ ‬تاريخه‭  ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬إرساله‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ظلت‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬في‭ ‬التلفزيون‭ ‬السوداني‭ ‬تفتقر‭ ‬الى‭ ‬الموضوعية‭ ‬والمصداقية‭ ‬لكونها‭ ‬مثل‭ ‬سائر‭ ‬محطات‭ ‬التلفزة‭ ‬العربية‭ ‬تخضع‭ ‬لتوجيهات‭ ‬‮«‬الحاكم‭ ‬بأمره‮»‬،‭ ‬ويبدو‭ ‬ان‭ ‬الرئيس‭ ‬الفنزويلي‭ ‬الراحل‭ ‬هوغو‭ ‬شافيز‭ ‬سمع‭ ‬بتجربة‭ ‬نميري‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬فصار‭ ‬يقدم‭ ‬برنامجا‭ ‬يوميا‭ ‬يبرطم‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬كيفه‭ ‬ومزاجه‭ ‬آمنا‭ ‬مطمئنا‭ ‬بعدما‭ ‬أسكت‭ ‬جميع‭ ‬محطات‭ ‬البث‭ ‬الإذاعي‭ ‬والتلفزيوني‭ ‬المستقلة،‭ ‬أما‭ ‬الرئيس‭ ‬الإكوادوري‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬لبناني‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بوكرم،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يطوف‭ ‬الميادين‭ ‬حاملا‭ ‬جيتارا،‭ ‬فتم‭ ‬تفنيشه‭ ‬بعد‭ ‬شهور‭ ‬من‭ ‬صعوده‭ ‬الى‭ ‬سدة‭ ‬الرئاسة‭.‬

وكانت‭ ‬مجموعتنا‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬مرفهة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المادية،‭ ‬فقد‭ ‬كنا‭ ‬نتقاضى‭ ‬رواتب‭ ‬أسبوعية‭ ‬عالية‭ ‬على‭ ‬نفقة‭ ‬حكومة‭ ‬ألمانيا‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬لنا‭ ‬المنح‭ ‬الدراسية،‭ ‬وفوق‭ ‬ذلك‭ ‬كنا‭ ‬رتبنا‭ ‬لتحويل‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬رواتبنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬الى‭ ‬لندن،‭ ‬وكان‭ ‬الجنيه‭ ‬السوداني‭ ‬يساوي‭ ‬وقتها‭ ‬قرابة‭ ‬جنيهين‭ ‬إسترلينيين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الجنيه‭ ‬السوداني‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬الرأس،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كوننا‭ ‬نحمل‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬جامعات‭ ‬سودانية‭ ‬يجعلنا‭ ‬موضع‭ ‬احترام‭ ‬البريطانيين‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الأكاديمي‭. ‬ذلك‭ ‬زمان‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬خريج‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم‭ ‬يقدم‭ ‬أوراقه‭ ‬لجامعات‭ ‬مثل‭ ‬كيمبردج‭ ‬وأوكسفورد‭ ‬للدراسات‭ ‬العليا‭ ‬فيتم‭ ‬قبوله‭ ‬بالمزيكة،‭ ‬وكنا‭ ‬أثناء‭ ‬الدراسة‭ ‬هناك‭ ‬نتناول‭ ‬وجباتنا‭ ‬بترتيب‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬يتبع‭ ‬لجامعة‭ ‬لندن،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬بها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القانونيين‭ ‬السودانيين‭ ‬خريجي‭ ‬جامعة‭ ‬الخرطوم،‭ ‬كدارسين‭ ‬ومحاضرين‭ ‬وكانوا‭ ‬بفئتيهم‭ ‬يحظون‭ ‬بتقدير‭ ‬الطلاب‭ ‬والأساتذة‭. ‬وفي‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التصنيف‭ ‬الحالي‭ ‬للجامعات‭ ‬العربية‭ ‬عموما‭ ‬فإن‭ ‬حامل‭ ‬البكالوريوس‭ ‬منها‭ ‬يعامل‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬كحامل‭ ‬فيروس‭ ‬إنفلونزا‭ ‬الخنازير‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا