العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

كل هذا الظلم والطغيان!

{‭ ‬رغم‭ ‬أني‭ ‬عايشت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وكتبت‭ ‬عنها‭ ‬طوال‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬إلا‭ ‬أني‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬وحجم‭ ‬الهوان‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي‭ ‬اليوم‭ ‬له‭ ‬مثيل‭ ‬في‭ ‬الحقب‭ ‬الماضية‭! ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬أطلقنا‭ ‬عليه‭ ‬بنكسة‭ ‬67‭ ‬أو‭ ‬هزيمة‭ ‬67،‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬سياسية‭ ‬ومعنوية‭ ‬قاسية،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الروح‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تنكسر‭ ‬رغم‭ ‬الهزيمة،‭ ‬والدليل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬67‭ ‬و69،‭ ‬ثم‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تجلت‭ ‬فيها‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي‭ ‬والعربي،‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬عودة‭ ‬جديدة‭ ‬لتلك‭ ‬الروح‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المآلات‭ ‬اللاحقة‭ ‬لتلك‭ ‬الحرب،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬بدء‭ ‬قطار‭ ‬اتفاقيات‭ ‬السلام‭ ‬ثم‭ ‬التطبيع،‭ ‬لتبقى‭ ‬ذكرى‭ ‬الانتصار‭ ‬وحدها‭ ‬شاخصة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭ ‬العربي،‭ ‬ولندخل‭ ‬مرحلة‭ ‬مختلفة‭!‬

{‭ ‬نقول‭ ‬ذلك‭ ‬ونحن‭ ‬نرى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬من‭ ‬طغيان‭ ‬وظلم‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لهما‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬التي‭ ‬شهد‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬حجم‭ ‬همجيتها،‭ ‬وكارثية‭ ‬العقل‭ ‬العنصري‭ ‬الصهيوني،‭ ‬الذي‭ ‬أوصل‭ ‬للعالم‭ ‬رسالة‭ ‬أنه‭ ‬ماضٍ‭ ‬في‭ ‬الإبادة‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي‭ ‬والتهجير،‭ ‬رُغمًا‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬وقوانينه‭ ‬ومبادئ‭ ‬العالم‭ ‬الحقوقية،‭ ‬ومنها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الدوس‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭! ‬لتتحول‭ ‬أشلاء‭ ‬جثث‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والمدنيين‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬أخبار‭ ‬وصور‭ ‬إعلامية‭ ‬في‭ ‬النهاية‭!‬

ولا‭ ‬أحد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إيقاف‭ ‬المجازر‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬فيها‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬الإسلامي‭ ‬أو‭ ‬الدولي‭! ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬حدّ‭ ‬ذاته‭ ‬حدث‭ ‬يفوق‭ ‬كل‭ ‬تصور‭ ‬حين‭ ‬يتم‭ ‬مأسسة‭ ‬العجز‭ ‬عالميًّا‭!‬

{‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭ ‬كان‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تصرخ‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬وتنادي‭ ‬‮«‬وامعتصماه‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬يتحرك‭ ‬جيش‭ ‬بأكمله‭ ‬لنجدتها‭! ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فصراخ‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬ودموعهم،‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬بحرًا‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬الخارطة‭ ‬العالمية‭! ‬أصبحت‭ ‬مجرد‭ ‬أخبار‭ ‬ومشاهد‭ ‬يتفرج‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬مشاهدي‭ ‬العالم،‭ ‬وقد‭ ‬تنفجر‭ ‬مظاهرات‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬هناك،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬أكثرها‭ ‬في‭ ‬الغرب‭!‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭ ‬العربي‭ ‬رسميًّا‭ ‬وثقافيًّا‭ ‬وفكريًّا‭ ‬وأحزاب‭ ‬سياسية‭ ‬وأهلية‭ ‬عربية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مدنية‭ ‬وحقوقية‭ ‬وقانونية‭ ‬بقي‭ ‬خارج‭ ‬السياق‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني‭ ‬بل‭ ‬والديني‭!‬،‭ ‬وأمام‭ ‬المجازر‭ ‬التي‭ ‬تكررّت‭ ‬منذ‭ ‬رمضان‭ ‬الماضي،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬العشر‭ ‬الأواخر‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بقي‭ ‬العجز‭ ‬هو‭ ‬العنوان‭! ‬الانشغال‭ ‬الشعبي‭ ‬العربي،‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬حول‭ ‬المسلسلات‭ ‬والدراما‭ ‬والنجوم‭ ‬ونسبة‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭ ‬لهذا‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬غيره‭! ‬فيما‭ ‬الحصار‭ ‬والإبادة‭ ‬والتجويع‭ ‬ومخططات‭ ‬التهجير‭ ‬والعذابات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬والبشر‭ ‬والعرب،‭ ‬تجد‭ ‬صداها‭ ‬الضعيف‭ ‬شعبيًا‭ ‬قياسا‭ ‬لحجم‭ ‬المأساة،‭ ‬في‭ ‬السوشال‭ ‬ميديا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها‭!‬،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬تصريحات‭ ‬التنديد‭ ‬والاستهجان‭ ‬الخجولة‭ ‬من‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرسمي‭ ‬والجامعة‭ ‬العربية‭!‬

{‭ ‬بحدث‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وقد‭ ‬أوشك‭ ‬رمضان‭ ‬شهر‭ ‬العبادة‭ ‬على‭ ‬الرحيل،‭ ‬فيما‭ ‬كل‭ ‬العبادات‭ ‬والطاعات‭ ‬والتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬لم‭ ‬تحرّك‭ ‬في‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬من‭ ‬قرون‭ ‬الاستشعار‭! ‬وبأن‭ ‬أهم‭ ‬عبادة‭ ‬هي‭ ‬نُصرة‭ ‬أهل‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬وهم‭ ‬يستنجدون‭ ‬والذين‭ ‬تجاوز‭ ‬صبرهم‭ ‬وتحملهم‭ ‬لكل‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬ما‭ ‬فاق‭ ‬طاقة‭ ‬البشر‭ ‬وكل‭ ‬الحدود‭! ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تتداع‭ ‬بقية‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسد‭ ‬الواحد‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬متوقع‭ ‬لما‭ ‬أصاب‭ ‬مسلمي‭ ‬غزة‭ ‬وفلسطين‭ ‬من‭ ‬وباء‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬وهمجيته،‭ ‬وقد‭ ‬امتلأت‭ ‬كؤوس‭ ‬الظلم‭ ‬والطغيان‭ ‬حتى‭ ‬فاضت‭ ‬وغطت‭ ‬كل‭ ‬جغرافيا‭ ‬العالم‭!‬

فأي‭ ‬عبادة‭ ‬للمسلمين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬وقد‭ ‬مرّت‭ ‬عليهم‭ ‬مناسبتان‭ ‬دينتان‭ ‬هما‭ ‬رمضان‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬والعام‭ ‬الحالي‭ ‬وحج‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬وقريبًا‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬واكتفى‭ ‬كثيرون‭ ‬منهم‭ ‬بالدعاء‭ ‬وبعض‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬أغلبها‭ ‬بسبب‭ ‬الحصار‭ ‬وكفى‭ ‬الله‭ ‬المؤمنين‭ ‬شرّ‭ ‬القتال‭!‬

{‭ ‬طاحونة‭ ‬القتل‭ ‬والإبادة‭ ‬والتهجير‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تدور‭ ‬وتتجدد،‭ ‬وثور‭ ‬الساقية‭ ‬يتحرك‭ ‬حركاته‭ ‬البطيئة‭ ‬والثابتة‭!‬،‭ ‬فيما‭ ‬الملاذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬الوسيط‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتحرك‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬المفاوضات،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يزوِّد‭ ‬الطاغية‭ ‬والطاغوت‭ ‬بأكثر‭ ‬الأسلحة‭ ‬فتكًا،‭ ‬ويتباهى‭ ‬بذلك‭! ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المفاوضات‭ ‬مُجدية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬القمم‭ ‬العربية‭ ‬ذات‭ ‬سياق‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬لجم‭ ‬الطاغية‭! ‬وشعب‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬يستنجد‭ ‬بأشقائه،‭ ‬ويصرخ‭ ‬غير‭ ‬مُصدق‭ ‬أنه‭ ‬وحيد‭ ‬هكذا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الطغاة،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬الذي‭ ‬كابده‭ ‬من‭ ‬فصول‭ ‬عبثية‭ ‬في‭ ‬الإجرام‭ ‬والإبادة‭!‬،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬قتله‭ ‬للأبرياء‭ ‬بصواريخ‭ ‬وقنابل‭ ‬الإبادة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يفرق‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬أصوات‭ ‬مدافع‭ ‬الإفطار‭ ‬أو‭ ‬السحور،‭ ‬أو‭ ‬مدافع‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب،‭ ‬التي‭ ‬تحصد‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والمدنيين‭ ‬في‭ ‬ضربة‭ ‬واحدة‭ ‬وفي‭ ‬العشر‭ ‬الأواخر‭ ‬من‭ ‬رمضان،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬مختلط‭ ‬حتى‭ ‬الأصوات‭!‬

{‭ ‬أي‭ ‬عار‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه؟‭! ‬وهل‭ ‬فعلاً‭ ‬نحن‭ ‬مسلمون؟‭! ‬أين‭ ‬مبادئ‭ ‬وقيم‭ ‬والتزامات‭ ‬ديننا‭ ‬الحنيف؟‭! ‬وأين‭ ‬وصايا‭ ‬نبينا‭ ‬الرسول‭ ‬الأعظم‭ ‬للبشرية؟‭! ‬ما‭ ‬نفعت‭ ‬صلاتنا‭ ‬وصيامنا‭ ‬وبقية‭ ‬عباداتنا،‭ ‬وكل‭ ‬يوم‭ ‬تتحرك‭ ‬أمام‭ ‬عيوننا‭ ‬صور‭ ‬ضحايا‭ ‬الإجرام،‭ ‬وأشلاء‭ ‬الشهداء،‭ ‬ولكن‭ ‬أرواحنا‭ ‬لا‭ ‬تتحرك،‭ ‬ولا‭ ‬تنتفض،‭ ‬ولا‭ ‬تثور‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الظلم،‭ ‬وتقف‭ ‬موقف‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬حقيقي؟‭! ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬فعلاً‭ ‬عاجزون‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ؟‭!‬

ألا‭ ‬يملك‭ ‬العرب‭ ‬أية‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬حقيقي؟‭! ‬ألا‭ ‬نملك‭ ‬نحن‭ ‬حنجرة‭ ‬حتى‭ ‬لصراخ‭ ‬ليهزّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حولنا؟‭! ‬أي‭ ‬ضعف‭ ‬هذا؟‭! ‬وأي‭ ‬هوان؟‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا