عالم يتغير

فوزية رشيد
كل هذا الظلم والطغيان!
{ رغم أني عايشت الكثير من ظروف الأمة العربية وكتبت عنها طوال عقود طويلة، إلا أني لا أعتقد أن الظروف الراهنة وحجم الهوان العربي الرسمي والشعبي اليوم له مثيل في الحقب الماضية! بل إن ما أطلقنا عليه بنكسة 67 أو هزيمة 67، ورغم ما نتج عنها من انعكاسات سياسية ومعنوية قاسية، وعلى كل الشعوب العربية، إلا أن الروح العربية لم تنكسر رغم الهزيمة، والدليل ما حدث بعد ذلك من حرب الاستنزاف بين عامي 67 و69، ثم حرب أكتوبر فهي التي تجلت فيها تلك الروح على المستوى الرسمي والشعبي والعربي، بما كان بمثابة عودة جديدة لتلك الروح رغم أن المآلات اللاحقة لتلك الحرب، أدت إلى بدء قطار اتفاقيات السلام ثم التطبيع، لتبقى ذكرى الانتصار وحدها شاخصة في الوعي الجمعي العربي، ولندخل مرحلة مختلفة!
{ نقول ذلك ونحن نرى كل ما حدث ويحدث من طغيان وظلم لا مثيل لهما في حرب الإبادة على غزة، التي شهد العالم كله حجم همجيتها، وكارثية العقل العنصري الصهيوني، الذي أوصل للعالم رسالة أنه ماضٍ في الإبادة والتطهير العرقي والتهجير، رُغمًا عن الرأي العام العالمي وقوانينه ومبادئ العالم الحقوقية، ومنها في زمن الحرب، بل وصولاً إلى الدوس على كل القيم الإنسانية! لتتحول أشلاء جثث الأطفال والنساء والمدنيين إلى مجرد أخبار وصور إعلامية في النهاية!
ولا أحد قادر على إيقاف المجازر أو التأثير فيها سواء على المستوى العربي أو الإسلامي أو الدولي! وذلك في حدّ ذاته حدث يفوق كل تصور حين يتم مأسسة العجز عالميًّا!
{ في زمن مضى كان يكفي أن تصرخ امرأة واحدة وتنادي «وامعتصماه» حتى يتحرك جيش بأكمله لنجدتها! أما اليوم فصراخ النساء والأطفال ودموعهم، التي شكلت بحرًا جديدًا في الخارطة العالمية! أصبحت مجرد أخبار ومشاهد يتفرج عليها كل مشاهدي العالم، وقد تنفجر مظاهرات هنا أو هناك، وتحديدًا أكثرها في الغرب!، إلا أن ردّ الفعل العربي رسميًّا وثقافيًّا وفكريًّا وأحزاب سياسية وأهلية عربية ومؤسسات مدنية وحقوقية وقانونية بقي خارج السياق بشكل عام، ليس فقط على المستوى الإنساني بل والديني!، وأمام المجازر التي تكررّت منذ رمضان الماضي، وصولاً إلى العشر الأواخر في رمضان هذا العام بقي العجز هو العنوان! الانشغال الشعبي العربي، يدور في رمضان حول المسلسلات والدراما والنجوم ونسبة «الترند» لهذا العمل أو غيره! فيما الحصار والإبادة والتجويع ومخططات التهجير والعذابات التي لا مثيل لها في ذاكرة التاريخ والبشر والعرب، تجد صداها الضعيف شعبيًا قياسا لحجم المأساة، في السوشال ميديا أكثر من غيرها!، وفي بعض تصريحات التنديد والاستهجان الخجولة من أغلب الدول العربية على المستوى الرسمي والجامعة العربية!
{ بحدث كل ذلك وقد أوشك رمضان شهر العبادة على الرحيل، فيما كل العبادات والطاعات والتقرب إلى الله، لم تحرّك في الشعوب العربية ما ينبغي أن يتحرك من قرون الاستشعار! وبأن أهم عبادة هي نُصرة أهل غزة والضفة وهم يستنجدون والذين تجاوز صبرهم وتحملهم لكل جرائم الحرب ما فاق طاقة البشر وكل الحدود! ومع ذلك لم تتداع بقية أعضاء الجسد الواحد كما هو متوقع لما أصاب مسلمي غزة وفلسطين من وباء الكيان الصهيوني وهمجيته، وقد امتلأت كؤوس الظلم والطغيان حتى فاضت وغطت كل جغرافيا العالم!
فأي عبادة للمسلمين في هذا الشهر الفضيل وقد مرّت عليهم مناسبتان دينتان هما رمضان العام الماضي والعام الحالي وحج العام الماضي وقريبًا هذا العام، واكتفى كثيرون منهم بالدعاء وبعض المساعدات التي لا تصل أغلبها بسبب الحصار وكفى الله المؤمنين شرّ القتال!
{ طاحونة القتل والإبادة والتهجير لا تزال تدور وتتجدد، وثور الساقية يتحرك حركاته البطيئة والثابتة!، فيما الملاذ الأمريكي الوسيط لا يزال يتحرك بدوره في المفاوضات، وفي الوقت نفسه يزوِّد الطاغية والطاغوت بأكثر الأسلحة فتكًا، ويتباهى بذلك! وفي هذا لم تعد المفاوضات مُجدية، أو حتى القمم العربية ذات سياق قادر على لجم الطاغية! وشعب فلسطين في غزة يستنجد بأشقائه، ويصرخ غير مُصدق أنه وحيد هكذا في وجه الطغاة، بعد كل الذي كابده من فصول عبثية في الإجرام والإبادة!، حتى أن قتله للأبرياء بصواريخ وقنابل الإبادة، لم يعد يفرق لدى العرب والمسلمين، إن كانت أصوات مدافع الإفطار أو السحور، أو مدافع جرائم الحرب، التي تحصد المئات من الأطفال والنساء والمدنيين في ضربة واحدة وفي العشر الأواخر من رمضان، فكل شيء مختلط حتى الأصوات!
{ أي عار هذا الذي نعيشه؟! وهل فعلاً نحن مسلمون؟! أين مبادئ وقيم والتزامات ديننا الحنيف؟! وأين وصايا نبينا الرسول الأعظم للبشرية؟! ما نفعت صلاتنا وصيامنا وبقية عباداتنا، وكل يوم تتحرك أمام عيوننا صور ضحايا الإجرام، وأشلاء الشهداء، ولكن أرواحنا لا تتحرك، ولا تنتفض، ولا تثور على كل هذا الظلم، وتقف موقف العاجز عن فعل أي شيء حقيقي؟! هل نحن فعلاً عاجزون إلى هذا الحدّ؟!
ألا يملك العرب أية وسيلة ضغط حقيقي؟! ألا نملك نحن حنجرة حتى لصراخ ليهزّ ما هو حولنا؟! أي ضعف هذا؟! وأي هوان؟!
إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك