العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

الحنين إلى زمن مضى أم إلى أنفسنا؟!

{ كثير‭ ‬من‭ ‬المخضرمين‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر،‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬يتأملوا‭ ‬وضع‭ ‬العصر‭ ‬الراهن‭ ‬وزخمه،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬عصرهم‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن،‭ ‬حتى‭ ‬يشغفهم‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬فيتحدثوا‭ ‬عن‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل،‭ ‬حيث‭ ‬الهدوء‭ ‬أكثر‭ ‬جرَّاء‭ ‬بطء‭ ‬الأحداث‭! ‬فهو‭ ‬حنين‭ ‬معكوس‭ ‬لما‭ ‬يتم‭ ‬جرفه‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬بسرعة‭ ‬رهيبة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬المعاصر،‭ ‬فتسارع‭ ‬الأحداث‭ ‬واختلاط‭ ‬الأفكار،‭ ‬وانقلاب‭ ‬القيم‭ ‬وتبدل‭ ‬الأطباع‭ ‬والسلوكيات،‭ ‬والشغف‭ ‬الكبير‭ ‬بالمظاهر‭ ‬والماديات‭ ‬كلها‭ ‬معا‭ ‬تشغل‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬حيزا‭ ‬كبيرا،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬والعم‭ ‬‮«‬جوجل‮»‬،‭ ‬وكثرة‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬يرشح‭ ‬منها‭ ‬القليل‭ ‬المفيد،‭ ‬فيما‭ ‬الكثرة‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬اللغو‭ ‬والتبادل‭ ‬السطحي‭ ‬للأفكار،‭ ‬وقليلون‭ ‬يحسنون‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬وثورة‭ ‬التواصل‭ ‬وثورة‭ ‬المعلومات،‭ ‬لتدخل‭ ‬الغالبية‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬الانشغال‭ ‬والاشتغال‭ ‬بالتوافه،‭ ‬حتى‭ ‬رصد‭ ‬أحدهم‭ ‬الزمن‭ ‬بأنه‭ ‬يدور‭ ‬حاليا‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬التفاهة‭!‬

{ من‭ ‬هنا‭ ‬يكون‭ ‬حنين‭ ‬الكبار‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬مضى،‭ ‬هو‭ ‬حنين‭ ‬أيضاً‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬سمات‭ ‬عصر‭ ‬مختلف‭ ‬كان‭ ‬يتسم‭ ‬بتوازن‭ ‬أكبر،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬حنين‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬براءة‭ ‬الطفولة‭ ‬بحيرة‭ ‬أسئلتها،‭ ‬وتوهج‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الشباب‭ ‬ومنتصف‭ ‬العمر،‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬التوهج‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬كبيرة،‭ ‬وطموحات‭ ‬عريضة،‭ ‬فإذا‭ ‬الآن‭ ‬يجد‭ ‬أصحاب‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬أنفسهم‭ ‬وسط‭ ‬كهولة‭ ‬العمر،‭ ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬يطوي‭ ‬نفسه‭ ‬سريعا،‭ ‬ومع‭ ‬الانطواء‭ ‬الزمني،‭ ‬وفي‭ ‬حنين‭ ‬القلب‭ ‬إلى‭ ‬الهدوء‭ ‬والراحة،‭ ‬يجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يتسارع،‭ ‬وكأن‭ ‬البرق‭ ‬يخطف‭ ‬الأبصار‭!‬،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تسرع‭ ‬مع‭ ‬جريان‭ ‬الزمن‭ ‬والأحداث‭ ‬والانقلاب‭ ‬في‭ ‬المفاهيم،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬بعيدا‭ ‬فتبتعد‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ! ‬فقد‭ ‬شبعت‭ ‬الروح‭ ‬من‭ ‬غواية‭ ‬التجارب،‭ ‬وتراكمت‭ ‬الخبرات،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬حافل‭ ‬بتجارب‭ ‬جديدة،‭ ‬وأخلاقيات‭ ‬وقيم‭ ‬جديدة،‭ ‬فيطل‭ ‬الحنين‭ ‬برأسه‭ ‬مرارا‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬أكثر‭ ‬نظاما‭ ‬وتنظيما،‭ ‬وإلى‭ ‬قيم‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬ورسوخا،‭ ‬وإلى‭ ‬علاقات‭ ‬عائلية‭ ‬وأسرية‭ ‬أكثر‭ ‬حميمية،‭ ‬وأحياء‭ ‬قديمة‭ ‬مشبعة‭ ‬بالطيبة‭ ‬والمحبة،‭ ‬رغم‭ ‬الفقر‭ ‬ومشاكل‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬الباذخ‭ ‬في‭ ‬هدأته‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬البحر‭ ‬والنخيل‭!‬

{ الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬وصفه،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬حنين‭ ‬لمن‭ ‬عايش‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬وتخطاه‭ ‬سريعا‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬آخر،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬غربة‭ ‬شائكة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬مضى،‭ ‬وما‭ ‬يتشكل‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬بإيقاع‭ ‬سريع‭ ‬مختلف‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭! ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬فالحنين‭ ‬هو‭ ‬هنا‭ ‬لأنفسنا‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طفولتها‭ ‬وشبابها،‭ ‬ولذلك‭ ‬البريق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحفّ‭ ‬بها‭ ‬أينما‭ ‬اتجهت،‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬والمكابدات،‭ ‬وللبعض‭ ‬رغم‭ ‬شظف‭ ‬العيش‭!‬

{ هو‭ ‬حنين‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬القلوب‭ ‬الرائعة‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬في‭ ‬وهج‭ ‬العمر‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬أوله‭ ‬وأوسطه،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يفقد‭ ‬الكثير‭ ‬منها،‭ ‬فيرحل‭ ‬الآباء‭ ‬بما‭ ‬كانوا‭ ‬يحملونه‭ ‬من‭ ‬نعيم‭ ‬الأبوة،‭ ‬وترحل‭ ‬الأمهات‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يمثلنه‭ ‬من‭ ‬واحات‭ ‬الراحة‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬ويرحل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬والأصدقاء،‭ ‬ليخلو‭ ‬العمر‭ ‬من‭ ‬بهجة‭ ‬وفتنة‭ ‬العلاقات‭ ‬الحميمة،‭ ‬فلا‭ ‬يبقى‭ ‬لأصحاب‭ ‬الحنين‭ ‬إلا‭ ‬مضغ‭ ‬متعة‭ ‬أوقات‭ ‬كانت،‭ ‬وأفراح‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬مذاقها‭ ‬إلاّ‭ ‬استرجاع‭ ‬الذاكرة‭ ‬حولها‭! ‬وفي‭ ‬لحظتها‭ ‬يشعر‭ ‬كم‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬أليفا‭ ‬مع‭ ‬زوجة‭ ‬رحلت،‭ ‬أو‭ ‬زوج‭ ‬رحل‭ ‬أو‭ ‬أقارب‭ ‬كانوا‭ ‬يشيعون‭ ‬الدفء‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬التجمع‭ ‬العائلي‭! ‬

{ لكأنه‭ ‬برزخ‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬يفصل‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬الحاضر‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الزمن‭ ‬فيها‭ ‬متصل‭ ‬ولم‭ ‬ينقطع،‭ ‬ولكن‭ ‬الذي‭ ‬انقطع‭ ‬هو‭ ‬رتم‭ ‬الحياة‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مررنا‭ ‬بها،‭ ‬فغابت‭ ‬وجوهها‭ ‬عنا،‭ ‬ليتركوا‭ ‬المساحة‭ ‬شاسعة‭ ‬للحنين‭ ‬والذكريات،‭ ‬فهنا‭ ‬كان‭ ‬بيتنا‭ ‬القديم،‭ ‬وكان‭ ‬الجد‭ ‬يمشي‭ ‬ببط‭ ‬نحو‭ ‬غايته‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وهنا‭ ‬كان‭ ‬الوالد‭ ‬يذهب‭ ‬مشيا‭ ‬إلى‭ ‬عمله،‭ ‬مرتحلاً‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬القديمة‭! ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬الأم‭ ‬تعد‭ ‬الأكل‭ ‬وتحضر‭ ‬السفرة،‭ ‬ليتجمع‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬دون‭ ‬نقصان‭! ‬وهنا‭ ‬كانت‭ ‬العمة‭ ‬تجلس،‭ ‬والخالة‭ ‬تسترجع‭ ‬أحداثا‭ ‬مضت‭! ‬وهنا‭ ‬موقع‭ ‬التلفزيون‭ ‬اليتيم‭ ‬والبرامج‭ ‬المحدودة‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬مع‭ ‬العاشرة‭ ‬مساءً‭! ‬وهنا‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬تتم‭ ‬مسامرة‭ ‬النجوم‭ ‬والقمر،‭ ‬وهناك‭ ‬يصرخ‭ ‬طفل‭ ‬ويركض‭ ‬خلف‭ ‬أخوه‭ ‬أو‭ ‬أخته‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬عمرية‭ ‬عنوانها‭ ‬الاندفاع‭ ‬والمشاكسة‭!‬

{ الحنين‭ ‬يراود‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬الذكريات‭! ‬ومن‭ ‬عايش‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬العمر،‭ ‬فيما‭ ‬الحياة‭ ‬نفسها‭ ‬تمضي‭ ‬بكل‭ ‬ألوانها‭ ‬نحو‭ ‬ألوان‭ ‬أخرى،‭ ‬وتتشكل‭ ‬تجاربها‭ ‬بسرعة‭ ‬الومض‭ ‬ولا‭ ‬تبالي‭! ‬نحن‭ ‬فقط‭ ‬نشعر‭ ‬بتسارعها،‭ ‬وبغربلتها‭ ‬للأعمار،‭ ‬وبدخولها‭ ‬عصراً‭ ‬سمته‭ ‬ثورة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والعوالم‭ ‬الافتراضية‭! ‬هل‭ ‬الحنين‭ ‬إذا‭ ‬إلى‭ ‬الزمن‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬أنفسنا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضى؟‭! ‬وإلا‭ ‬ما‭ ‬معنى‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬والحياة‭ ‬مستمرة؟‭ ‬هل‭ ‬تغير‭ ‬الزمن‭ ‬أم‭ ‬الناس‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬تغيروا؟‭! ‬وهل‭ ‬كانت‭ ‬رحلة‭ ‬الحياة‭ ‬حقيقة‭ ‬أم‭ ‬حلما؟‭! ‬أين‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬كُنَّاه؟‭! ‬وأين‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬ورحلت‭ ‬معه‭ ‬ملامحه‭ ‬التي‭ ‬كانت؟‭! ‬وهل‭ ‬بقي‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الحنين‭ ‬إليهما،‭ ‬والأزمان‭ ‬تطوي‭ ‬نفسها‭ ‬كصفحات‭ ‬كتاب،‭ ‬لنقرأ‭ ‬قصتنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭! ‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا