عالم يتغير

فوزية رشيد
وهم المعرفة.. نعلم ولا نعلم!
{ (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) لأن الله العليم بشكل مطلق، هو العالم بكل شيء، عالم الغيب والشهادة، والانسان باعتباره أكثر الكائنات تكريما ممن خلقه، فإن نسبة علمه رغم ما علمه الله من الأسماء كلها على هيئة معارف وعلوم فإن علمه يبقى علما قليلا في بحر العلم الإلهي! ولذلك فهو يرى ولا يرى، يعلم ولا يعلم! كمثال لقد قال العلم مثلا إن الذرة (مؤلفة من نواة مركزية مشتملة على بروتون ونيترون، ذات شحنة كهربائية موجبة يدور حولها إلكترون ذو شحنة سالبة) ثم تبين أن أمر «الذرة» ليس بهذه البساطة في التوصيف! بل إن للمادة شكلان: مادة ونقيض المادة! أي أن للمادة بعدا غيبيا، يحيل المادة نفسها وأصلها إلى ما هو نقيضها كما نعرفها! ولعل العلماء الذين يبحثون أصل المادة الأولى وأصل الحياة في معمل «سيرن» الواقع على الحدود الفرنسية السويسرية، كلما أبحروا في تجاربهم، اكتشفوا ما هو أكثر غموضا واستحالة وإلغازا!
{ «وهم المعرفة أصاب البشرية قرونا عديدة، حتى أدرك العلماء القائمون على كل ما هو علمي تجريبي مؤخراً أن أنهم مازالوا في العالمية في أول الطريق وهذا أصابهم بثنائية (الوعي العلمي والصدمة المعرفية)! ولذلك فإن محرك الأسئلة لدى الإنسان لا يزال يدور في العلم الفيزيقي، أما ما هو ميتافيزيقي أو ما وراء الطبيعة أو بما نعرَّفه بمفهوم الغيب، فإنه وكما قال «دوبريه» أحد المفكرين المعاصرين الإنسان (يعيش مرحلة روحية معرفية شديدة التعقيد، ومن المؤكد أنها ستوصله في النهاية إلى المنحى الغيبي)! أي أن «نظرية المعرفة» تسير لدى الكثيرين ممن يتعمقون في علم المادة والوجودات، إلى تحول فكري، ضد الاكتفاء بالاتجاه العلمي التجريبي وإنما نحو (رؤية روحية للعالم) يتداخل فيها عالم الشهادة أو عالم المادة مع عالم الغيب!
{ والمعرفة الاسلامية الحقيقية والعميقة بالتفكر في أعظم كتاب موجود في العالم وهو «القرآن الكريم» ولأنه كلام الله العالم بكل شيء، وحده يؤسس لتحول معرفي يجمع بين البعدين المادي والروحي للوجود والمشهود والغيبي، دون أن يضير ذلك التأسيس المعرفي بالتجارب العلمية والوعي العلمي! والذي يعرف العلماء أنفسهم، إذا كانوا موضوعيين، أنه لا يتناقض مع البحث في ما وراء هذا العالم المادي، الذي يختلط فيه الفيزيقي بالميتافيزيقي! وكلام الله وحده يعرَّفنا بالبوصلة التي تحدد كيفية الجمع بينهما عبر الإيمان والتعمق الروحي لفهم الحياة وماهية الإنسان وسر وجوده وأبعاد هذا الكون، وما بعد هذه الحياة، حيث حياة مختلفة في الآخرة! والأبعاد الوجودية الكونية باتت على طاولة البحث منذ زمن ليس بقليل.
{ كل ما نراه وما لا نراه يحتاج إلى تأمل حقيقي للخروج من «الصدمة المعرفية» بحجة الاكتفاء بالوعي العلمي المادي والتجريبي فقط، فهناك ما لا يخضع للتجريب العلمي أصلاً، مثل الروح وما وراء الطبيعة كمثال، حيث يعتقد «الماديون» أنهم بالتجريب العلمي، يعرفون كل شيء، ولكن هم يعيشون في وهم المعرفة لا غير، ومن استفاق منهم من وهمه أصابته الصدمة المعرفية بالوجود! فالحقيقة المطلقة يحيط بها فقط (العليم) بشكل مطلق وهو الله عز وجل، ولذلك فهي تدور بين الحقائق النسبية التي يعرفها البشر، وبين حقائق علم الله! وهناك انفصال والتحام في الوعي المعرفي الإنساني بين الظاهر والباطن، وبين الواقع والغيب، وبين الواقعي والمتخيل، وبين وعي الظاهر ووعي الباطن، وبين الوجود الدنيوي والوجود الأخروي، وبين البعد الدنيوي والأبعاد الأخرى للوجود حتى فيما هو غيب بالنسبة إلى وعينا البشري!
{ المعرفة الإنسانية القائمة على ما تتيحه علوم المادة وعلوم الحواس، لا تزال تتخبط فيما يتيحه مثلا الحدس والإحساس والمعرفة القلبية وعلم الباراسيكولوجي من مدارك ومعارف لا تنتمي لعلوم المادة أو الوعي العلمي التجريبي الذي يحاول باستفاضة وإلحاح طرق أبواب المجهول علميا رغم أنه معلوم بالمعرفة الروحية الدينية! وهنا تتسع المسافة مجددا في العلم نفسه بين تكوين الدماغ وفضاءات العقل والتفكير والإبداع! وهي ذات المسافة بين نور المعرفة الإلهية الحقيقية التي أرشدنا إليها الله في كتابه المحكم، وظلام النظريات والعلوم الوضعية مهما بلغت في تطورها المادي! إننا كبشر وبأرقى ما وصلت إليه المعارف المادية نفهم الكثير ولكن السؤال هو:
{ ما حدود علمنا أمام علم الله الخالق العليم؟! وفي هذا كثيرون كما قلنا أصيبوا بوهم المعرفة العلمية، فيما قلوبهم رخاوية روحياً! لأن أبعاد الوجود متداخلة، ولا يمكن الإلمام بها! وكما قال خالق كل شيء: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)! فهل يتواضع الإنسان معرفيا وحتى علميا، ليدرك أن هذا العالم والوجود ككل أكثر تعقيداً واتصالا ببعضه مما كان يظن؟! وأن وحدة الوجود بمنظورها المادي تتداخل مع «وحدة الوجود» بمنظورها الروحي والغيبي!
إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك