العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٥ - الثلاثاء ٠١ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٦هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

قصة صديقين.. سؤال الإيمان والإلحاد!

{‭ ‬الحياة‭ ‬والوجود‭ ‬تدور‭ ‬أسئلتها‭ ‬بين‭ ‬نظريات‭ ‬إلحادية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وقصة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬ثاني‭ ‬لها‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬قصة‭ ‬الخلق‮»‬‭ ‬القرآنية،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬يطلها‭ ‬التحريف‭ ‬أو‭ ‬التبديل،‭ ‬سؤال‭ ‬الإلحاد‭ ‬والإيمان،‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ ‬ملحّ‭ ‬صاحب‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬العصور‭ ‬ولعله‭ ‬أخطر‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬مفهوم‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬والدنيا‭ ‬والآخرة،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬انحرفت‭ ‬بعض‭ ‬الحضارات‭ ‬القديمة‭ ‬عن‭ ‬أصل‭ ‬توحيد‭ ‬الله،‭ ‬لتدخل‭ ‬إما‭ ‬في‭ ‬نصوصها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬الوثنيات‭ ‬والشركيات‭ ‬وعبادة‭ ‬الشمس‭ ‬أو‭ ‬النجوم‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الملائكة،‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬آلهة‭ ‬متعدّدة،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الهندوسية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬فيما‭ ‬الأصل‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬القرآنية‭ ‬للخلق،‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬السموات‭ ‬والأرض‭ ‬بحساب‭ ‬الزمن‭ ‬الإلهي‭ ‬في‭ ‬ستة‭ ‬أيام،‭ ‬وخلق‭ ‬كائنات‭ ‬أولى‭ ‬كالملائكة‭ ‬والجن‭ ‬والبِنّ‭ ‬والشياطين‭ ‬ومن‭ ‬لهم‭ ‬السمات‭ ‬البشرية‭ ‬دون‭ ‬العقل،‭ ‬فإنه‭ ‬خلق‭ ‬‮«‬آدم‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬نفخ‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬وعلمه‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬أو‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم،‭ ‬التي‭ ‬عجز‭ ‬الملائكة‭ ‬عن‭ ‬الإلمام‭ ‬بها،‭ ‬ليدخل‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬العاقل،‭ ‬والذي‭ ‬وحده‭ ‬دون‭ ‬كل‭ ‬الكائنات‭ ‬والتكوينات‭ ‬قبِل‭ ‬حمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬وهي‭ ‬المسؤولية‭ ‬والإرادة‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشرّ،‭ ‬وبين‭ ‬الالتزام‭ ‬بالعهد‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬نقضه،‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬بعد‭ ‬خروجه‭ ‬وحوّاء‭ ‬من‭ ‬الجنة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صراع‭ ‬دائم‭ ‬وامتحان‭ ‬مستمر‭ ‬بين‭ ‬الطاعة‭ ‬والعصيان،‭ ‬وبين‭ ‬الخير‭ ‬والشرّ،‭ ‬وغلبة‭ ‬المغريات‭ ‬المادية‭ ‬والحسيّة‭ ‬على‭ ‬الغيبيات‭ ‬الروحية،‭ ‬وهو‭ ‬أي‭ ‬الإنسان‭ ‬المجبول‭ ‬والمخلوق‭ ‬بين‭ ‬الحواس‭ ‬والحسيَّات‭ ‬وتلك‭ ‬الأبعاد‭ ‬الروحية‭!‬

{‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬النظريات‭ ‬والأيديولوجيات‭ ‬التي‭ ‬يصفها‭ ‬الملحدون‭ ‬بالعلمية‭ ‬والواقعية،‭ ‬لأنها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التصورات‭ ‬المادية‭ ‬البحتة‭ ‬للخليقة‭ ‬والخلق‭ ‬وعلى‭ ‬التجارب‭ ‬المادية،‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬نظريات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الانفجار‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬و«نظرية‭ ‬التطور‮»‬‭ ‬والتغييرات‭ ‬المادية‭ ‬حسب‭ ‬التصورات‭ ‬والتفسيرات‭ ‬المتخيلة‭ ‬لتطور‭ ‬التاريخ‭ ‬والحضارات‭ ‬وظهور‭ ‬الأديان،‭ ‬وفق‭ ‬الرؤى‭ ‬المادية‭ ‬البحتة‭ ‬ذاتها‭ ‬للوجود،‭ ‬فإن‭ ‬غاية‭ ‬ومبتغى‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ (‬السردية‭ ‬المادية‭ ‬للحياة‭ ‬وللوجود‭) ‬أن‭ ‬عامل‭ ‬الصدفة‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬نشأت‭ ‬بسببه‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬المنظمة‭ ‬وقوانينها‭ ‬الطبيعية‭ ‬الدقيقة‭! ‬وأن‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لخالق‭ ‬لها‭! ‬وهو‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬أثير‭ ‬طويلاً،‭ ‬ليصلوا‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬قوة‭ ‬عاقلة‭ ‬طاغية‭ ‬في‭ ‬قدرتها،‭ ‬ووعيًا‭ ‬هو‭ ‬الوعي‭ ‬الكوني،‭ ‬وأن‭ ‬وأن‭.. ‬وتلك‭ ‬الصفات‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تدل‭ ‬إن‭ ‬سردناها‭ ‬كلها،‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬خالق‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يُراد‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭! ‬وهنا‭ ‬تأتى‭ ‬قصة‭ ‬الخلق‭ ‬القرآنية‭ ‬لتضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف،‭ ‬بأن‭ ‬الخالق‭ ‬الله‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬خلق‭ ‬الكون‭ ‬والإنسان‭ ‬والخليقة‭ ‬كلها،‭ ‬وبأبعاد‭ ‬مختلفة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يستوعبها‭ ‬العقل‭ ‬ولا‭ ‬المجال‭ ‬البصري‭ ‬أو‭ ‬السمعي‭ ‬المجدّد‭ ‬للإنسان،‭ ‬ولكن‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬القلب‭! ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬زوَّد‭ ‬الإنسان‭ ‬بالفطرة‭ ‬السليمة،‭ ‬والرهان‭ ‬هو‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬القلب‭ ‬في‭ ‬القرآن،‭ ‬ليثبت‭ ‬العلم‭ ‬نفسه‭ ‬مؤخرًا‭ ‬أن‭ ‬للقلب‭ ‬عقلا‭ ‬بذات‭ ‬آليات‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬باختلاف‭ ‬معها‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيدًا‭!‬

{‭ ‬في‭ ‬جدل‭ ‬طريف‭ ‬بين‭ ‬ملحد‭ ‬ومؤمن‭ ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬باريسي‭ ‬قبل‭ ‬عقود،‭ ‬وأذكر‭ ‬حاليًا‭ ‬مغزى‭ ‬ذلك‭ ‬الجدل‭ ‬ولا‭ ‬أتذكر‭ ‬اسم‭ ‬الملحد‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬طرح‭ ‬قصته،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬جالسًا‭ ‬فإذ‭ ‬بصديق‭ ‬قديم‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬منذ‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬وقد‭ ‬صادف‭ ‬دخوله‭ ‬المقهى،‭ ‬ورحبّ‭ ‬به‭ ‬لصحبته‭ ‬القديمة‭ ‬معه،‭ ‬وقد‭ ‬لاحظ‭ ‬تغيُّرا‭ ‬في‭ ‬أفكاره‭ ‬وأنه‭ ‬أصبح‭ ‬مسلمًا‭ ‬ملتزمًا‭ ‬بفرائض‭ ‬دينه،‭ ‬فدار‭ ‬بينهما‭ ‬حوار‭ ‬طويل‭ ‬يفاجئ‭ ‬الملحد‭ ‬صديقه‭ ‬المؤمن‭ ‬بسؤال‭:‬

‭- ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يدريك‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حياة‭ ‬بعد‭ ‬الموت،

وأن‭ ‬هناك‭ ‬جنة‭ ‬ونارا‭ ‬وحسابا‭ ‬وعقابا،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬شيء؟‭! ‬ألا‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬التزامك‭ ‬بكل‭ ‬هذه‭ ‬التكاليف‭ ‬مضيعة‭ ‬للجهد؟‭!‬

فأجابه‭:‬

‭- ‬كنت‭ ‬سابقًا‭ ‬أفكر‭ ‬مثلك،‭ ‬حتى‭ ‬طرحت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬سؤالاً،‭ ‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬عكسي‭ ‬وأنا‭ ‬أطرحه‭ ‬عليك،‭ ‬وما‭ ‬يدريك‭ ‬أن‭ ‬التصور‭ ‬الديني‭ ‬للحياة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬وقيمها‭ ‬والتكيف‭ ‬فيها‭ ‬وعلى‭ ‬أساس‭ ‬توحيد‭ ‬الله،‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة؟‭! ‬وأن‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬ليس‭ ‬باطلاً‭ ‬أو‭ ‬عبثًا؟‭! ‬وما‭ ‬يدريك‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬حياة‭ ‬للروح‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬والعلم‭ ‬نفسه‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬روحا‭ ‬وأنها‭ ‬خالدة‭! ‬وما‭ ‬يدريك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬فتجد‭ ‬نفسك‭ ‬في‭ ‬البعث‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الدين؟‭! ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬إجابة‭ ‬قاطعة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذلك؟‭! ‬هل‭ ‬تستبق‭ ‬لنفسك‭ ‬تصورًا‭ ‬احتار‭ ‬فيه‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والعلماء‭ ‬الملحدون‭ ‬وأن‭ ‬العلم‭ ‬لم‭ ‬يكتشف‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬حتى‭ ‬غموض‭ ‬العقل‭ ‬الإنسانيّ‭! ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بغموض‭ ‬الوجود‭ ‬والكون‭ ‬وأبعاده‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حولها‭ ‬الفيزياء‭ ‬الحديثة؟‭! ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬مؤمنًا‭ ‬فقد‭ ‬كسبت‭ ‬الحياة‭ ‬بقيم‭ ‬سامية‭ ‬وبإشباع‭ ‬روحي‭ ‬وأخلاقي‭ ‬يفتقده‭ ‬الملحد،‭ ‬ولأجاريك‭ ‬أقول‭ ‬إني‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬والبعث‭ ‬حقيقة،‭ ‬فأكون‭ ‬قد‭ ‬ربحت‭ ‬ما‭ ‬خسرته‭ ‬أنت‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والآخرة‭!‬،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬حسب‭ ‬كلامك‭ ‬فيكفيني‭ ‬أن‭ ‬الإيمان‭ ‬قد‭ ‬جعلني‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬روحي‭ ‬وطمأنينة‭ ‬واتكال‭ ‬على‭ ‬الله،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تملكه‭ ‬أنت‭! ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬عنك‭ ‬أنت‭ ‬إن‭ ‬اكتشفت‭ ‬بعد‭ ‬موتك‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬موجود،‭ ‬وأن‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ‬موجودة‭ ‬وإن‭ ‬بمعادلات‭ ‬أخرى،‭ ‬وأن‭ ‬الروح‭ ‬خالدة،‭ ‬وأن‭ ‬البعث‭ ‬حق؟‭! ‬أليس‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬أصلاً‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬القرآن‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬الملحدين،‭ ‬ويفندّ‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المحكم،‭ ‬كل‭ ‬حجج‭ ‬الكفر‭ ‬والشرك‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بالحياة‭ ‬الدنيا؟‭! ‬حينها‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬الرابح‭ ‬ومن‭ ‬منّا‭ ‬الخاسر‭ ‬خسرانًا‭ ‬أبديا‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬النار؟‭!‬

وينتهي‭ ‬الجدل‭ ‬بين‭ ‬الصديقين،‭ ‬ليترك‭ ‬المؤمن‭ ‬صديقه‭ ‬الملحد‭ ‬وكأنه‭ ‬يتفكَّر‭ ‬فيما‭ ‬قاله‭ ‬له‭!‬

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا