العدد : ١٦٩١٦ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٦ - الثلاثاء ١٦ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٦هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

اجتمــــاع أصحــاب الضمائر في الصين

منذ‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬تغيرت‭ ‬رؤية‭ ‬العالم‭ ‬والعرب‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬180‭ ‬درجة،‭ ‬وهذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬السياسية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬اتخاذ‭ ‬مواقف‭ ‬جديدة‭ ‬كلية؛‭ ‬لأن‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬أي‭ ‬حلقة‭ ‬اتصال،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬العرب،‭ ‬بل‭ ‬مع‭ ‬الضمير‭ ‬البشري‭ ‬بأثره‭.‬

والمتغيرات‭ ‬الآتية‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬وأسبوعا‭ ‬بعد‭ ‬أسبوع‭ ‬هي‭ ‬حصيلة‭ ‬للغطرسة‭ ‬للصهيونية‭ ‬بمشاركة‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تدعي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

إذن،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬تجاه‭ ‬الغرب‭ ‬سيكون‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لمباركة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬للمجازر‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬وبالفعل‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬تستشعر‭ ‬وتتلمس‭ ‬هذا‭ ‬التغير‭ ‬العربي‭ ‬الوشيك،‭ ‬وتترقبه‭ ‬من‭ ‬كثب‭.‬

عموما،‭ ‬إن‭ ‬الفكر‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬الشرق،‭ ‬ونقول‭ ‬هذا‭ ‬ونحن‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬حكام‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬وجدانهم‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬تامة‭ ‬بحقائق‭ ‬الأمور،‭ ‬وأحاسيس‭ ‬شعوبهم‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬زيارة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬للصين‭ ‬ذات‭ ‬بعدين؛‭ ‬الأول‭ ‬يرتبط‭ ‬بموقف‭ ‬البحرين،‭ ‬والثاني‭ ‬حمْل‭ ‬أمانة‭ ‬الثقة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترؤس‭ ‬جلالته‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الثالثة‭ ‬والثلاثين‭.‬

والرصيد‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬البحرينية‭ ‬الصينية‭ ‬الممتدة‭ ‬منذ‭ ‬35‭ ‬سنة‭ ‬هو‭ ‬رصيد‭ ‬وشهادة‭ ‬مشرّفة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬العربي‭ ‬الصيني‭ ‬ستكون‭ ‬كبيرة،‭ ‬والأجواء‭ ‬السياسية‭ ‬تمهد‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والعرب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬لا‭ ‬مبالاة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى‭.‬

ومن‭ ‬المعروف‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لا‭ ‬تتكتل،‭ ‬وأن‭ ‬النظرة‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬فالصين‭ ‬كقوى‭ ‬دولية‭ ‬حاضرة‭ ‬تضع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬كإحدى‭ ‬الأدوات‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬الثنائي،‭ ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬نهج‭ ‬تاريخي‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬الحرير‭.‬

كل‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العنصر‭ ‬الزمني‭ ‬في‭ ‬صالح‭ ‬العلاقة‭ ‬العربية‭ ‬الصينية،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الزوال،‭ ‬نتيجة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬أثبت‭ ‬الغرب‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬مواجهتها‭.‬

فالغرب‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬أبدا‭ ‬على‭ ‬إيقاف‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬تستعمل‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ككبش‭ ‬فداء،‭ ‬وكذلك‭ ‬الغرب‭ ‬فشل‭ ‬فشلا‭ ‬ذريعا‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لإيقاف‭ ‬همجيتهم‭ ‬ووحشيتهم‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬سيادي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬وبات‭ ‬تابعا‭ ‬للصهيونية‭ ‬العالمية‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاتجاه‭ ‬العربي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬نحو‭ ‬الشرق‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬إحدى‭ ‬الأدوات‭ ‬الفاعلة‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬تعصف‭ ‬به‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬وتقوده‭ ‬إلى‭ ‬هوة‭ ‬تشبه‭ ‬العصور‭ ‬الحجرية‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تترك‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أي‭ ‬خط‭ ‬رجعة‭ ‬مع‭ ‬العرب،‭ ‬وتتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬الحكومات‭ ‬التي‭ ‬تؤيد‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬أيضا؛‭ ‬لأنهم‭ ‬يمحون‭ ‬كل‭ ‬مسارات‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬العيش‭ ‬المشترك‭ ‬بسبب‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬ضد‭ ‬غزة‭.‬

ويحمل‭ ‬المنتدى‭ ‬العربي‭ ‬الصيني‭ ‬العاشر‭ ‬الذي‭ ‬يعقد‭ ‬في‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬مايو‭ ‬الجاري‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية‭ ‬بمشاركة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬وقادة‭ ‬دول‭ ‬الإمارات‭ ‬ومصر‭ ‬وتونس‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬شي‭ ‬جينبينغ،‭ ‬وتعد‭ ‬هذه‭ ‬الذكرى‭ ‬العشرين‭ ‬لتأسيس‭ ‬هذا‭ ‬المنتدى‭ ‬الحيوي،‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬وثيقة‭ ‬المنتدى‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬العربي‭ ‬والصيني‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والصين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬والثقافة‭ ‬والسياحة‭ ‬والتعليم‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭.‬

المنتدى‭ ‬رسالة‭ ‬لتأكيد‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬العربية‭ ‬مع‭ ‬الصين،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬للانخراط‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬السياسية‭ ‬الخاصة‭ ‬بمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وسيكون‭ ‬المنتدى‭ ‬فرصة‭ ‬سانحة‭ ‬لطرح‭ ‬المبادرة‭ ‬البحرينية‭ ‬لعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬للسلام،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إحلال‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ودعم‭ ‬حل‭ ‬الدولتين،‭ ‬وإنهاء‭ ‬معاناة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

ولا‭ ‬ينظر‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬كشريك‭ ‬اقتصادي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬كتجربة‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجالات،‭ ‬إذ‭ ‬تقدم‭ ‬الصين‭ ‬نموذجا‭ ‬مهما‭ ‬للتنمية‭ ‬والتطور‭.‬

وهناك‭ ‬توافق‭ ‬في‭ ‬الرؤى‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬فهناك‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسس‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بالتوافق‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬السيادة،‭ ‬ورفض‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول،‭ ‬وأهمية‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬ضرورة‭ ‬إصلاح‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ورفض‭ ‬الأحادية‭ ‬القطبية‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التعددية،‭ ‬كما‭ ‬يدعم‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬قضاياه‭ ‬المحورية،‭ ‬إذ‭ ‬تدعم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وحدة‭ ‬الصين،‭ ‬كما‭ ‬تدعم‭ ‬الصين‭ ‬القضايا‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية؛‭ ‬إذ‭ ‬يحظى‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بتقدير‭ ‬عربي،‭ ‬كونه‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬كحل‭ ‬وحيد‭ ‬للأزمة،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬منتدى‭ ‬التعاون‭ ‬العربي‭ ‬الصيني،‭ ‬يأتي‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬ليكون‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬تطورات‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬وأصبح‭ ‬المنتدى‭ ‬‮«‬علامة‭ ‬ذهبية‮»‬‭ ‬لتعزيز‭ ‬الحوار‭ ‬الجماعي‭ ‬والتعاون‭ ‬العملي‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والدول‭ ‬العربية،‭ ‬وقد‭ ‬قدم‭ ‬إسهامات‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭-‬العربية،‭ ‬ويستعد‭ ‬الطرفان‭ ‬لمواصلة‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬بروح‭ ‬الصداقة‭ ‬في‭ ‬المساعدة‭ ‬المتبادلة‭ ‬والمساواة‭ ‬والمنفعة‭ ‬المتبادلة‭. ‬

ومنطق‭ ‬التاريخ‭ ‬والزمان‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الغرب‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬غروبه،‭ ‬أما‭ ‬الشرق‭ ‬فإنه‭ ‬في‭ ‬شروقه‭.‬

 

 

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا