العدد : ١٧٤٨٤ - الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٤ - الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شعبان ١٤٤٧هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

خمسون عاما.. حين تصبح الصحافة ذاكرة الوطن

حين‭ ‬نحتفي‭ ‬اليوم‭ ‬بمرور‭ ‬خمسين‭ ‬عامًا‭ ‬على‭ ‬صدور‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نحتفي‭ ‬بعمر‭ ‬صحيفة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬نستعيد‭ ‬زمنًا‭ ‬كاملًا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ونقلب‭ ‬صفحات‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة،‭ ‬كُتب‭ ‬يومًا‭ ‬بيوم،‭ ‬وساعةً‭ ‬بساعة،‭ ‬وبقي‭ ‬شاهدًا‭ ‬حيًّا‭ ‬على‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬الحاضر‭ ‬ومهّدت‭ ‬للمستقبل‭.‬

خمسون‭ ‬عامًا،‭ ‬لو‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نؤرّخها‭ ‬بالكتب‭ ‬والمجلدات،‭ ‬لاحتجنا‭ ‬إلى‭ ‬مئات‭ ‬الصفحات،‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬مكتبات‭ ‬كاملة‭ ‬تحاول‭ ‬الإحاطة‭ ‬بما‭ ‬جرى‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ومنعطفات‭ ‬وتغيرات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬اليومية‭ ‬اختصرت‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الجريدة‭ ‬سجلًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬للتاريخ،‭ ‬يُكتب‭ ‬في‭ ‬لحظته،‭ ‬ويُحفظ‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تنميق‭ ‬أو‭ ‬اجتزاء‭.‬

في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المؤرخ‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬يدوّن‭ ‬التاريخ‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬الصحافة،‭ ‬والصحفيون،‭ ‬هم‭ ‬مؤرخو‭ ‬اللحظة؛‭ ‬فالصحافة‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تخون،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتبدل،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الوقائع‭ ‬كما‭ ‬حدثت،‭ ‬مدعومة‭ ‬بالزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والسياق‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬حدث‭ ‬لا‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬دوّنته‭ ‬الصحافة‭ ‬اليومية‭ ‬يبقى‭ ‬قابلًا‭ ‬للشك؛‭ ‬لأن‭ ‬الصحافة‭ ‬هي‭ ‬الشاهد‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة،‭ ‬والأكثر‭ ‬التصاقًا‭ ‬بها‭.‬

منذ‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬فبراير‭ ‬عام‭ ‬1976،‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬حاضرةً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحدث،‭ ‬شاهدةً‭ ‬على‭ ‬المنقلبات‭ ‬والتقلبات‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأصعدة‭ ‬الحزبية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وراصدةً‭ ‬للتحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬العالم‭. ‬واكبت‭ ‬الجريدة‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات،‭ ‬والانفراجات‭ ‬والتسويات،‭ ‬وصعود‭ ‬قوى‭ ‬وتراجع‭ ‬أخرى،‭ ‬ودوّنت‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بلغة‭ ‬المهنة،‭ ‬لا‭ ‬بلغة‭ ‬الانفعال‭.‬

وخلال‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة،‭ ‬شهدت‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬بروز‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬كقوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العربي‭ ‬والإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬وسجلت‭ ‬انتقال‭ ‬المكاسب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومراكز‭ ‬الثقل‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬حوض‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬استراتيجية‭ ‬غيّرت‭ ‬موازين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسياسة‭ ‬والتنمية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬كانت‭ ‬الجريدة‭ ‬شاهدًا‭ ‬أمينًا‭ ‬على‭ ‬النهضة‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭. ‬سياسيًّا،‭ ‬رافقت‭ ‬مسيرة‭ ‬التطور‭ ‬الدستوري‭ ‬وتعزيز‭ ‬المشاركة‭ ‬والحياة‭ ‬النيابية‭. ‬واقتصاديًّا،‭ ‬وثّقت‭ ‬مسار‭ ‬التنمية،‭ ‬وتنوع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل،‭ ‬والتحولات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬والاستثمار‭. ‬واجتماعيًّا،‭ ‬نقلت‭ ‬نبض‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتغير‭ ‬أنماط‭ ‬الحياة،‭ ‬وتطور‭ ‬الخدمات‭. ‬وتعليميًّا،‭ ‬تابعت‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬البحريني،‭ ‬وتوسع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬وارتقاء‭ ‬المعرفة‭. ‬ورقميًّا،‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬الحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬مواكبةً‭ ‬لعصر‭ ‬جديد‭ ‬تصنعه‭ ‬التكنولوجيا‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬لهذا‭ ‬الدور‭ ‬أن‭ ‬يستمر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يترسخ،‭ ‬لولا‭ ‬ما‭ ‬حظيت‭ ‬به‭ ‬الصحافة‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬دعمٍ‭ ‬ورعايةٍ‭ ‬من‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬ومتابعةٍ‭ ‬واهتمامٍ‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭. ‬وهو‭ ‬دعمٌ‭ ‬آمن‭ ‬بحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬المسؤولة،‭ ‬ورسّخ‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬شريك‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية،‭ ‬وحارس‭ ‬للوعي،‭ ‬وجسر‭ ‬تواصل‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المناسبة،‭ ‬نستحضر‭ ‬بكل‭ ‬تقدير‭ ‬ووفاء‭ ‬دور‭ ‬المؤسسين‭ ‬الأوائل،‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬بأن‭ ‬الصحافة‭ ‬رسالة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مهنة،‭ ‬وبأن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬أثرًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬اللحظة‭. ‬وضعوا‭ ‬اللبنات‭ ‬الأولى،‭ ‬وغرسوا‭ ‬قيم‭ ‬المهنية‭ ‬والنزاهة‭ ‬والالتزام،‭ ‬فكانت‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬ثمرة‭ ‬هذا‭ ‬الإيمان،‭ ‬ومسيرة‭ ‬هذا‭ ‬الجهد،‭ ‬وإرثًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭.‬

وإذ‭ ‬نحتفل‭ ‬باليوبيل‭ ‬الذهبي،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬تجدد‭ ‬عهدها‭ ‬مع‭ ‬الوطن‭ ‬والمجتمع،‭ ‬بأن‭ ‬تواصل‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬المهني‭ ‬والوطني‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وتتبدل‭ ‬فيه‭ ‬أدوات‭ ‬النشر،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬جوهر‭ ‬الرسالة،‭ ‬فالتكنولوجيا‭ ‬تتغير،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تتغير،‭ ‬والوسائل‭ ‬تتطور،‭ ‬لكن‭ ‬القيم‭ ‬تبقى‭.‬

وإلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬الصحفيين،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الجريدة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬صفحات‭ ‬تُطوى‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم،‭ ‬بل‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطن،‭ ‬وتجربة‭ ‬مهنية‭ ‬عميقة،‭ ‬ومدرسة‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬أمانة،‭ ‬وأن‭ ‬الكلمة‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يُكتب‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬أنتم‭ ‬امتداد‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة،‭ ‬وحمَلة‭ ‬أمانة‭ ‬خمسين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬التوثيق،‭ ‬وعليكم‭ ‬أن‭ ‬تكتبوا‭ ‬المستقبل‭ ‬بالصدق‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬كُتب‭ ‬به‭ ‬الماضي‭.‬

خمسون‭ ‬عامًا‭ ‬مضت،‭ ‬و«أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومًا‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلٍ‭ ‬للأحداث،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬شاهدًا‭ ‬عليها،‭ ‬وذاكرةً‭ ‬لها،‭ ‬وحكاية‭ ‬وطن‭ ‬ستظل‭ ‬تُروى،‭ ‬وتُكتب،‭ ‬وتُجدَّد،‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬للحقيقة‭ ‬صوتٌ،‭ ‬وللوطن‭ ‬نبضٌ‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا