العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٩ - الجمعة ١٩ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٦هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

قمة فارقة في الزمان والمكان

من‭ ‬حقائق‭ ‬الأمور‭ ‬أن‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬القادمة‭ ‬تنعقد‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الفترات‭ ‬الصعبة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬تتعلم‭ ‬الصحافة‭ ‬أن‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬الأيدولوجيات،‭ ‬وتتبنى‭ ‬لغة‭ ‬المنطق‭ ‬والعقل‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ ‬القضايا‭ ‬المطروحة‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬القمة،‭ ‬إذ‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحل‭ ‬بالتوغل‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬عربي‭ ‬سيزج‭ ‬بالأمة‭ ‬في‭ ‬متاهات‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وما‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الأجندات‭ ‬التي‭ ‬ستبحث‭ ‬والقرارات‭ ‬التي‭ ‬ستصل‭ ‬إليها‭ ‬ليست‭ ‬مهمة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مصيرية‭ ‬لجميع‭ ‬القمم‭ ‬القادمة‭.‬

نقول‭ ‬هذا‭ ‬وإننا‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬في‭ ‬رجالات‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الذين‭ ‬سيحضرون‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بهذه‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬سيتحدد‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬مستقبل‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وهيبتها‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬

كلنا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي‭ ‬أظهر‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬تعاطفا‭ ‬كاملا‭ ‬مع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتبنى‭ ‬طلاب‭ ‬الجامعات‭ ‬فيه‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬فجيعة‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬- للإنصاف‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاركات‭ ‬انتهت‭ ‬منذ‭ ‬حرب‭ ‬فيتنام‭ ‬ــ‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطلاب‭ ‬الجامعيين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬والأمريكيين‭ ‬باحتضان‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬المشرّفة،‭ ‬ونجحوا‭ ‬في‭ ‬هزّ‭ ‬أركان‭ ‬الدولة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وسقطت‭ ‬ادعاءاتهم‭ ‬الماضية‭ ‬على‭ ‬أسوار‭ ‬جامعات‭ ‬عريقة‭ ‬كهارفارد‭ ‬وكولومبيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الجامعات،‭ ‬وانكشفت‭ ‬أكاذيبهم‭ ‬وانفضحت‭ ‬الأمور‭ ‬بصورة‭ ‬لم‭ ‬ترض‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وألمانيا‭.‬

حدث‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬بفضل‭ ‬القدرة‭ ‬الإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬توضيح‭ ‬الحقائق،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬استيقاظ‭ ‬الضمير‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬يسود‭ ‬الجامعات‭ ‬الغربية‭.‬

أقول‭ ‬هذا،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الغرباء‭ ‬يشعرون‭ ‬نحو‭ ‬فلسطين‭ ‬بهذا‭ ‬الألم،‭ ‬ألم‭ ‬يأن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬نقوم‭ ‬نحن‭ ‬العرب‭ ‬بدورنا‭ ‬في‭ ‬التأييد‭ ‬المطلق‭ ‬والواضح‭ ‬لهذه‭ ‬القضية‭ ‬العادلة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تردد‭ ‬أو‭ ‬إخفاء‭ ‬للأصوات،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬مجال‭ ‬للمواربة‭.‬

البحرين‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬تاريخي‭ ‬مع‭ ‬احتضان‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخها،‭ ‬وقدر‭ ‬المملكة‭ ‬أن‭ ‬يتزامن‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬سياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬إذ‭ ‬سيكون‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬القمة‭ ‬مثقلا‭ ‬بملفات‭ ‬شائكة‭ ‬وصعبة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬الملف‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فلتكن‭ ‬المنامة‭ ‬المنبر‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭ ‬صوت‭ ‬الحرية‭ ‬لفلسطين‭ ‬لينضم‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭ ‬طلبة‭ ‬الجامعات‭ ‬الغربية‭ ‬حتى‭ ‬يسمعه‭ ‬سكان‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬و10‭ ‬دواننج‭ ‬ستريت‭ ‬وقصر‭ ‬الإليزيه‭ ‬وقصر‭ ‬بيليفو،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذي‭ ‬صموا‭ ‬آذانهم‭ ‬عن‭ ‬صوت‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬الذين‭ ‬سقطوا‭ ‬شهداء‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬الوحشية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الأعظم‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬ويتطلب‭ ‬منهم‭ ‬موقفا‭ ‬حازما‭ ‬وقويا‭ ‬يوقف‭ ‬هذا‭ ‬المأساة‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

وفي‭ ‬المنامة‭ ‬سوف‭ ‬يصطف‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬معا،‭ ‬ولتكن‭ ‬القلوب‭ ‬والعقول‭ ‬مصطفة‭ ‬أيضا‭ ‬وراء‭ ‬الهدف‭ ‬الواضح‭ ‬والمحدد‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تحرك‭ ‬فاعل‭ ‬لإنتاج‭ ‬موقف‭ ‬موحد‭ ‬يستهدف‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإنهاء‭ ‬المعاناة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستمرة‭.‬

ومن‭ ‬المنامة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستعد‭ ‬العرب‭ ‬لخوض‭ ‬معركة‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬وقانونية‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬الدولي‭ ‬الرسمي‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬الشريف،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الرفض‭ ‬الغربي‭ ‬والفيتو‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬الشعبي‭ ‬الغربي‭ ‬بات‭ ‬مساندا‭ ‬لحق‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراءها‭ ‬على‭ ‬اغتياله‭ ‬يوميا‭ ‬برصاصات‭ ‬أمريكية‭ ‬تخترق‭ ‬قلب‭ ‬رضيع‭ ‬فلسطيني‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬أمه‭ ‬الثكلى‭ ‬لفقدان‭ ‬زوجها‭ ‬الذي‭ ‬استشهد‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬منزلهم‭ ‬المتهالك‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غزة‭.‬

إنني‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يؤلم‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يؤرق‭ ‬قادتها،‭ ‬الذين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يثقوا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬وإن‭ ‬ضعفت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬فترات‭ ‬الزمن،‭ ‬بحكم‭ ‬دوران‭ ‬عجلة‭ ‬التاريخ،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬مازالت‭ ‬تمتلك‭ ‬مواطن‭ ‬القوة،‭ ‬وعليها‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأمثل‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استغلال‭ ‬المكانة‭ ‬العربية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الراهن،‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬المفقود‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬الخندق‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬الجرح‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أحد‭ ‬الهموم‭ ‬المطروحة‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬القمم‭ ‬العربية‭ ‬مازال‭ ‬ينزف‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحكمة‭ ‬تقتضي‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬المجتمعين‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ضمان‭ ‬عدم‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع،‭ ‬بما‭ ‬يضر‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ويهدد‭ ‬الأمن‭ ‬والسلم‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي،‭ ‬فأي‭ ‬تصعيد‭ ‬إقليمي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬له‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

إذا‭ ‬كانت‭ ‬آلام‭ ‬العرب‭ ‬السياسية‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬واليمن‭ ‬والسودان‭ ‬والصومال،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬لأن‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬مفاتيح‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمتلكها‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬الملفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بدعم‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الأصعدة‭ ‬من‭ ‬الأولويات‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬المنامة‭.‬

والبحرين‭ ‬بقيادتها‭ ‬الحكيمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك؛‭ ‬بما‭ ‬يستجيب‭ ‬لآمال‭ ‬وتطلعات‭ ‬الشعوب‭ ‬والبلدان‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات‭ ‬والمعوقات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا