العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن الاستعباط في مواقع العمل (1)

تعلل‭ ‬الموظفين‭ ‬بمختلف‭ ‬الأعذار‭ ‬المفبركة‭ ‬لتبرير‭ ‬عدم‭ ‬الانضباط‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬التقيد‭ ‬بالمواعيد‭ ‬المحددة‭ ‬للعمل،‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجتمعات،‭ ‬وكتبت‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬شهر‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬عن‭ ‬تطبيق‭ ‬طورته‭ ‬شركة‭ ‬رومانية‭ ‬يساعد‭ ‬الموظفين‭ ‬على‭ ‬استعباط‭ ‬رؤسائهم‭ ‬عندما‭ ‬يتصلون‭ ‬بهم‭ ‬هاتفيا‭ ‬للسؤال‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬حضورهم‭ ‬الى‭ ‬مواقع‭ ‬العمل،‭ ‬فيصدر‭ ‬هاتف‭ ‬الموظف‭ ‬المستهبل‭ ‬مثلا‭ ‬صافرات‭ ‬سيارة‭ ‬إسعاف‭ ‬أو‭ ‬شرطة‭ ‬بما‭ ‬يعطي‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬حرج‭ (‬يصلح‭ ‬التطبيق‭ ‬أيضا‭ ‬لتضليل‭ ‬الزوجات‭).‬

ولا‭ ‬سبيل‭ ‬لإنكار‭ ‬أن‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬ترغم‭ ‬كثيرين‭ ‬على‭ ‬الاستهبال،‭ ‬بحيث‭ ‬يبدون‭ ‬كموظفين‭ ‬وعمال‭ ‬مخلصين‭ ‬ونشطين‭ ‬ومنضبطين،‭ ‬ولكن‭ ‬وكما‭ ‬يعرف‭ ‬الكثيرون‭ ‬فإن‭ ‬الموظف‭ ‬سيء‭ ‬الحظ،‭ ‬يعرف‭ ‬بالتجربة‭ ‬ان‭ ‬المدير‭ ‬يأتي‭ ‬مبكرا‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬هو‭ ‬فيه‭ ‬متأخرا،‭ ‬فيقرر‭ ‬البكور‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬ليراه‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬جالسا‭ ‬قبل‭ ‬بدء‭ ‬الدوام،‭ ‬ولكن‭ ‬المدير‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬متأخرا‭. ‬هو‭ ‬مدير،‭ ‬حر‭ ‬يجي‭ ‬بكيفه‭ ‬ويروح‭ ‬بكيفه،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬العمل‭ ‬فظاً،‭ ‬تفنن‭ ‬الموظفون‭ ‬في‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬أعبائهم‭ ‬نكاية‭ ‬به،‭ ‬أي‭ ‬لـ«تفشيله‮»‬‭.‬

وأعترف‭ ‬بأنني‭ ‬ألجأ‭ ‬عند‭ ‬إصابتي‭ ‬بالملل‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬يوتيوب‭ ‬وتيك‭ ‬توك‭ ‬الحافلين‭ ‬بالصور‭ ‬واللقطات‭ ‬الطريفة،‭ ‬وألوذ‭ ‬كثيراً‭ ‬بموقع‭ ‬أكبر‭ ‬موسوعة‭ ‬عرفتها‭ ‬البشرية‭ ‬وهي‭ ‬ويكيبيديا‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬معلومات‭ ‬حول‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬بالك‭. ‬حتى‭ ‬شعبان‭ ‬عبدالرحيم‭ ‬تجد‭ ‬عنه‭ ‬معلومات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الموسوعة،‭ ‬ولا‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك‭ ‬تهرباً‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬ونكاية‭ ‬برؤسائي،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬أعتبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬أهم‭ ‬عنصر‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬واستقي‭ ‬منه‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬تتطلب‭ ‬مني‭ ‬شراء‭ ‬الكتب‭ ‬أو‭ ‬زيارة‭ ‬المكتبات‭ ‬أو‭ ‬الاتصال‭ ‬بمعارفي‭.‬

وبصدق،‭ ‬فلست‭ ‬ممن‭ ‬يستخدمون‭ ‬غرف‭ ‬الدردشة‭ (‬الشات‭) ‬ولا‭ ‬استخدم‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬إلا‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬رسائل‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والقراء‭ ‬ويكون‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وقتي‭ ‬الخاص،‭ ‬ولكن‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬أداة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬الاستهبال‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬العمل،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬ضبطك‭ ‬رئيسك‭ ‬المباشر‭ ‬وأنت‭ ‬تستخدم‭ ‬غرفة‭ ‬دردشة،‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬له‭ ‬إنك‭ ‬‮«‬تجمع‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬كومبرادور‭ ‬جديد‭ ‬يجعل‭ ‬سعة‭ ‬الرام‭ ‬80‭ ‬ألف‭ ‬سيغابايت‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يستغرق‭ ‬استخدام‭ ‬نظام‭ ‬أدوبي‭ ‬فوتوشوب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬بيكسل‭ ‬في‭ ‬السي‭ ‬دي‭ ‬روم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬سوفتوير‭ ‬جديد‭ ‬لنظام‭ ‬السايبر‭ ‬مما‭ ‬سيوفر‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬آلافاً‭ ‬مؤلفة‮»‬،‭ ‬طبعاً‭ ‬العبارات‭ ‬السالفة‭ ‬‮«‬كلام‭ ‬فارغ‮»‬‭ ‬وغير‭ ‬مترابط،‭ ‬ولكن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬فيه‭ ‬مصطلحات‭ ‬تبدو‭ ‬تكنولوجية،‭ ‬وعلى‭ ‬مسؤوليتي‭ ‬فإن‭ ‬رئيسك‭ ‬المباشر‭ ‬سيصدق‭ ‬أنك‭ ‬شخص‭ ‬بارع‭ ‬في‭ ‬استخدامات‭ ‬الكمبيوتر‭.‬

يعني‭ ‬‮«‬الكلام‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬دائماً‭ ‬مردوده‭ ‬إيجابي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬غير‭ ‬الكمبيوتر،‭ ‬وقد‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬ممل‭ ‬وتعرف‭ ‬سلفاً‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يخرج‭ ‬باي‭ ‬قرار‭ ‬ذي‭ ‬جدوى،‭ ‬ولكنك‭ ‬تقول‭ ‬كلاماً‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭:  ‬لو‭ ‬عززنا‭ ‬الكفاية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬واتبعنا‭ ‬طريقة‭ ‬تسويق‭ ‬برو‭ ‬آكتيف،‭ ‬بالتأكيد‭ ‬سنكون‭ ‬ماركت‭ ‬ليدرز‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أقريسيف‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الكومبيتيشن‭. ‬هذا‭ ‬أيضاً‭ ‬كلام‭ ‬فارغ‭ ‬يردده‭ ‬الاستشاريون‭ ‬الذين‭ ‬ندفع‭ ‬لهم‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬سنوياً‭ ‬ولا‭ ‬نخرج‭ ‬منهم‭ ‬سوى‭ ‬بمفردات‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬بل‭ ‬تؤخر،‭ ‬ويرددها‭ ‬من‭ ‬استقدموا‭ ‬الاستشاريين‭ ‬ليتقاسموا‭ ‬معهم‭ ‬غنيمة‭ ‬الاستشارة،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬الفارغ‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬منك‭ ‬موظفاً‭ ‬محترماً،‭ ‬فالفهلوة‭ ‬والاستهبال‭ ‬الوظيفي‭ ‬يتطلبان‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬–‭ ‬معرفة‭ ‬مفردات‭ ‬إنجليزية‭ ‬عيار‭ ‬24‭ ‬قيراط‭ ‬لأن‭ ‬لها‭ ‬مفعول‭ ‬السحر،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬استخدام‭ ‬تلك‭ ‬المفردات‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الصحيح،‭ ‬بل‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬ترددها‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر،‭ ‬ويستحسن‭ ‬أن‭ ‬تضيف‭ ‬إليها‭ ‬مفردات‭ ‬جديدة‭ ‬ولو‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬القاموس‭.‬

في‭ ‬ذات‭ ‬عام‭ ‬أوفدت‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬السودانية‭ ‬موظفاً‭ ‬لينهض‭ ‬بالحركة‭ ‬المسرحية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأقاليم،‭ ‬وقوبل‭ ‬صاحبنا‭ ‬بالاستخفاف‭ ‬والتجاهل‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الإقليم،‭ ‬ووجد‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬مزنوقاً‮»‬‭ ‬فالمهمة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تنجز‭ ‬وإلا‭ ‬فإن‭ ‬الوزارة‭ ‬ستبهدله،‭ ‬وصار‭ ‬صاحبنا‭ ‬كلما‭ ‬أشرف‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬ثقافي‭ ‬يصيح‭ ‬بعصبية‭ ‬‮«‬داتش‭ ‬مارين‭ ‬فورس‮»‬‭ ‬وفوجئ‭ ‬بأن‭ ‬للعبارة‭ ‬مفعولاً‭ ‬عجيباً،‭ ‬حيث‭ ‬صار‭ ‬الجميع‭ ‬يتهيب‭ ‬سماعها‭ ‬باعتباره‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬خطيرة‮»‬‭ ‬وسارت‭ ‬أموره‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينشده،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬العبارة‭ ‬تعني‭ ‬‮«‬مشاة‭ ‬البحرية‭ ‬الهولندية‮»‬،‭ ‬علماً‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬لهولندا‭ ‬مشاة‭ ‬بحرية‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا