العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن الغباء وحلم الثراء

عندما‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬الاتصالات‭ ‬القطرية‭ ‬شهدت‭ ‬أحداثا‭ ‬عجيبة‭ ‬أبطالها‭ ‬أشخاص‭ ‬أجروا‭ ‬مكالمات‭ ‬من‭ ‬هواتف‭ ‬أرضية‭ ‬بآلاف‭ ‬مؤلفة‭ ‬ثم‭ ‬أتوا‭ ‬الى‭ ‬الشركة‭ ‬يرجون‭ ‬‮«‬الرأفة‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬أتعاطف‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬رجل‭ ‬كانت‭ ‬فاتورته‭ ‬بـ16‭ ‬الف‭ ‬ريال‭ ‬قال‭ ‬ان‭ ‬ابنه‭ ‬راكمها‭ ‬خلال‭ ‬يومين،‭ ‬وجاء‭ ‬يطلب‭ ‬قطع‭ ‬الخط‭ ‬الهاتفي‭ ‬وتقسيط‭ ‬السداد‭.‬

ومن‭ ‬أعجب‭ ‬حكاية‭ ‬السفه‭ ‬الهاتفي‭ ‬مناشدة‭ ‬من‭ ‬سيدة‭ ‬تواجه‭ ‬مأزقاً‭ ‬مالياً،‭ ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬إجرائها‭ ‬مكالمات‭ ‬هاتفية‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬تسعة‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬واحد،‭ ‬تدعو‭ ‬فيها‭ ‬ذوي‭ ‬القلوب‭ ‬الرحيمة‭ ‬إخراجها‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الورطة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعرضها‭ ‬للجرجرة‭ ‬أمام‭ ‬المحاكم،‭ ‬وجاء‭ ‬في‭ ‬مناشدتها‭ ‬تلك‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬طرحته‭ ‬شبكة‭ ‬تستقبل‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية،‭ ‬لمن‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬سحب‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬250‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭!! ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬رسوم‭ ‬تلك‭ ‬المكالمات‭ ‬تكون‭ ‬باهظة‭ ‬بالاتفاق‭ ‬بين‭ ‬القناة‭ ‬المعنية‭ ‬وشركات‭ ‬الاتصالات‭.‬

وكنت‭ ‬اعتزم‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استجاب‭ ‬القراء‭ ‬للمناشدة‭ ‬أن‭ ‬أطوف‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الصيف‭ ‬المقبل،‭ ‬ماداً‭ ‬يدي‭: ‬لله‭ ‬يا‭ ‬محسنين‭.. ‬العيال‭ ‬يريدون‭ ‬قضاء‭ ‬الإجازة‭ ‬في‭ ‬الريفيرا‭ ‬الإيطالية‭ ‬وتنقصني‭ ‬من‭ ‬ميزانية‭ ‬الرحلة‭ ‬فقط‭ ‬أربعون‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭!!  ‬وقد‭ ‬يتشجع‭ ‬غيري‭ ‬فيطلب‭ ‬صدقة‭ ‬لإرسال‭ ‬ابنه‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الماجستير‭ ‬من‭ ‬الأرجنتين‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬تدريس‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬أو‭ ‬إرسال‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬الكوافير‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬للاستعداد‭ ‬لزواج‭ ‬أختها‭.‬

أنا‭ ‬لا‭ ‬أتهكم‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المرأة،‭ ‬لأنني‭ ‬مثلها‭ ‬أحلم‭ ‬بالثراء،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬أعرف‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬سبيل‭ ‬قط‭ ‬أمامي‭ ‬لتكوين‭ ‬ثروة‭ ‬بالحلال‭ ‬أو‭ ‬الحرام،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أحرم‭ ‬نفسي‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الحلم،‭ ‬نعم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬غنياً‭ ‬بالحلال‭ ‬لأنني‭ ‬موظف‭ ‬أتقاضى‭ ‬أجراً‭ ‬معلوماً،‭ ‬وإذا‭ ‬مات‭ ‬جميع‭ ‬أقاربي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬وأوصوا‭ ‬بأموالهم‭ ‬لي‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يجعلني‭ ‬غنياً‭.. ‬ولن‭ ‬أصبح‭ ‬غنياً‭ ‬بالحرام‭ ‬لأنني‭ ‬لست‭ ‬حرامياً‭ ‬ولن‭ ‬أكون‭.. ‬طيب،‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭: ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬اختلاس‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬شرعة‭ ‬العرب،‭ ‬أمراً‭ ‬مباحاً‭ ‬يتدثر‭ ‬أحياناً‭ ‬بالعمولات،‭ ‬وأحياناً‭ ‬أخرى‭ ‬بالهدايا؟‭ ‬هذا‭ ‬أيضاً‭ ‬غير‭ ‬وارد‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أعمل‭ ‬قط‭ ‬في‭ ‬وظيفة‭ ‬تتطلب‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الإنفاق‭ ‬أو‭ ‬المناقصات‭: ‬مدرس‭ ‬ثم‭ ‬مخرج‭ ‬تلفزيوني‭ ‬ثم‭ ‬مترجم‭ ‬ثم‭ ‬صحفي‭.‬

هذه‭ ‬وظائف‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬أتعس‭ ‬من‭ ‬الأخرى‭! ‬وكثيرون‭ ‬يحسدون‭ ‬من‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإعلام‭ ‬ويحسبون‭ ‬الإعلاميين‭ ‬نجوماً‭!! ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬نجماً؟‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬نجم‭ ‬أسود؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬نجم‭ ‬أسود‭ ‬ألا‭ ‬يعد‭ ‬ذلك‭ ‬فألاً‭ ‬سيئاً؟‭ ‬وهب‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬الصحفي‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬الصحفي‭ ‬نجما،‭ ‬فماذا‭ ‬أفعل‭ ‬وجريدة‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬تستعر‭ ‬من‭ ‬شكلي‭ ‬وتضع‭ ‬قرين‭ ‬مقالاتي‭ ‬صورة‭ ‬معدلة‭ ‬جينيا‭/ ‬وراثيا،‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬زرت‭ ‬البحرين‭ ‬وأرضى‭ ‬أحدهم‭ ‬غروري‭ ‬بالتعرف‭ ‬عليّ‭ ‬وإلقاء‭ ‬التحية‭ ‬علي،‭ ‬ولكن‭ ‬وبالمقابل‭ ‬حدث‭ ‬كثيرا‭ ‬أن‭ ‬موظف‭ ‬جوازات‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬المنامة‭ ‬قرأ‭ ‬اسمي‭ ‬على‭ ‬جواز‭ ‬السفر،‭ ‬ثم‭ ‬تساءل‭: ‬أنت‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر‭ ‬صاحب‭ ‬الزاوية‭ ‬الغائمة،‭ ‬فأقول‭ ‬‮«‬نعم‮»‬،‭ ‬وأنا‭ ‬مسرور،‭ ‬فتأتي‭ ‬الصفعة‭: ‬إما‭ ‬جوازك‭ ‬هذا‭ ‬مزور‭ ‬أو‭ ‬الجريدة‭ ‬تنشر‭ ‬صورة‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬شاب‭ ‬مع‭ ‬مقالاتك‭.‬

وكتبت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬مقالات‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الوطن‭ ‬السعودية،‭ ‬وكانت‭ ‬لا‭ ‬تنشر‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬يكتبون‭ ‬فيها‭ ‬تفادياً‭ ‬كما‭ ‬استنتجت‭ -‬لنشر‭ ‬صورتي،‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬أنه‭ ‬خير‭ ‬للقراء‭ ‬أن‭ ‬يقرأوا‭ ‬لأبي‭ ‬الجعافر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يروه،‭ ‬طيب‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل؟‭  ‬هل‭ ‬أدور‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وأقول‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يلاقيني‭: ‬أنا‭ ‬جعفر‭ ‬بن‭ ‬عباس‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬العبسي‭ ‬صاحب‭ ‬الزاوية‭ ‬الغائمة‭ ‬والمنفرجة‭ ‬والحادة‭ ‬والمعكوسة؟‭  ‬يعني‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬يعرفون‭ ‬اسمي‭ ‬فليس‭ ‬وارداً‭ ‬أن‭ ‬أستثمر‭ ‬تلك‭ ‬المعرفة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬سندويتش‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬سيتعرف‭ ‬على‭ ‬‮«‬خلقتي‮»‬‭!!‬

والشاهد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سلف‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬عدوى‭ ‬الإنفاق‭ ‬التفاخري‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬حكوماتنا‭ ‬إلينا‭ ‬فبتنا‭ ‬لا‭ ‬نميز‭ ‬الخبيث‭ ‬من‭ ‬الطيب،‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تحقيق‭ ‬غايات‭ ‬سخيفة،‭ ‬وقد‭ ‬اعترفت‭ ‬بأنني‭ ‬أحلم‭ ‬بالثراء‭ ‬ولكنني‭ ‬أعترف‭ ‬أيضاً‭ ‬بأنني‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أحلم‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬بأن‭ ‬أكون‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬الدجاج‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬متتاليةـ‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عندي‭ ‬سيارة‭ ‬تسير‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬خارجية‭ ‬بشرية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬أتعرَّف‭ ‬على‭ ‬عشر‭ ‬نكهات‭ ‬للآيسكريم‭! ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عندي‭ ‬تلفزيون‭ ‬ملون‭ ‬أبصق‭ ‬عليه‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا