العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اعترف بالخطأ ولكنني ضحية (2)

اعترفت‭ ‬بالأمس‭ ‬بأنني‭ ‬صرت‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للنرفزة‭ ‬والغضب‭ ‬والهيجان،‭ ‬وعزوت‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬موجة‭ ‬غضب‭ ‬وبائية‭ ‬تجتاح‭ ‬مجتمعاتنا،‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬يمر‭ ‬يوم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينفجر‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬وجهك،‭ ‬أو‭ ‬تجد‭ ‬نفسك‭ ‬طرفا‭ ‬في‭ ‬فاصل‭ ‬ردح‭ ‬وشتائم‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬تعرفه‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬بائعاً‭ ‬في‭ ‬محل‭ ‬بيرغر‭ ‬أعطاك‭ ‬سندويتش‭ ‬دجاج‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬وهذا‭ ‬خطأ‭ ‬بسيط‭ ‬وكلنا‭ ‬نخطئ،‭ ‬وحدث‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬البلدان‭ ‬استئصال‭ ‬كِلية‭ ‬شخص‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬قدمه‭ ‬المصابة‭ ‬بالغرغرينا

كتبت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬سخيفة‭ ‬مررت‭ ‬بها‭ ‬وكنت‭ ‬أعاني‭ ‬ورماً‭ ‬صديدا‭ ‬في‭ ‬أسفل‭ ‬البطن‭ (‬دُمَّل‭) ‬وعرضت‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬جراح‭ ‬أعرفه‭ ‬في‭ ‬مجمع‭ ‬طبي‭ ‬به‭ ‬أطباء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬التخصصات‭ ‬تقريباً،‭ ‬وتمت‭ ‬إزالة‭ ‬الورم‭ ‬وصرت‭ ‬مطالباً‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ ‬مجدداً‭ ‬لتنظيف‭ ‬الجرح،‭ ‬وعندما‭ ‬جلست‭ ‬أمام‭ ‬الجراح‭ ‬فتح‭ ‬ملفي‭ ‬وانفجر‭ ‬ضاحكا،‭ ‬وانتقلت‭ ‬عدوى‭ ‬الضحك‭ ‬إليّ‭ ‬وضحكت،‭ ‬ولكن‭ ‬الجراح‭ ‬ظل‭ ‬يشير‭ ‬إليّ‭ ‬بإصبعه‭ ‬وقد‭ ‬انقلب‭ ‬ضحكه‭ ‬إلى‭ ‬هستيريا،‭ ‬وخلال‭ ‬ثوان‭ ‬معدودة‭ ‬كان‭ ‬ضحكي‭ ‬انقلب‭ ‬إلى‭ ‬غضب‭ ‬مزمجر‭ ‬ومدمر‭: ‬كيف‭ ‬يضحك‭ ‬طبيب‭ ‬على‭ ‬مريضه؟‭  ‬وما‭ ‬المضحك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصاب‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬بورم‭ ‬أو‭ ‬خراج‭ ‬أو‭ ‬دمل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬جسمه؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬يضحك‭ ‬الرجل‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬الفائتة‭ ‬عندما‭ ‬قام‭ ‬بفتح‭ ‬الورم‭ ‬وتنظيفه؟

نهضت‭ ‬منفعلا‭ ‬وغادرت‭ ‬غرفة‭ ‬الطبيب‭ ‬ولكنه‭ ‬طاردني‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يضحك‭ ‬ويحاول‭ ‬عبثا‭ ‬قول‭ ‬شيء‭ ‬ما‭: ‬هئ،‭ ‬هئ‭ ‬معليش‭..  ‬يأيأيأ‭..  ‬هاهاهاها‭..  ‬مع‭ ‬مع‭ ‬مع‭ ‬مع‭ ‬معليش‭ ‬يا‭ ‬جع‭ ‬جعفر‭.  ‬لحسن‭ ‬حظه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬مقص‭ ‬أو‭ ‬مشرط‭ ‬أو‭ ‬طوب‭ ‬أو‭ ‬عصا‭ ‬في‭ ‬ممر‭ ‬العيادة،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغيظ‭ ‬والاستفزاز‭ ‬كانت‭ ‬كفيلة‭ ‬بجعلي‭ ‬أعتدي‭ ‬عليه،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬أسرة‭ ‬التمريض‭ ‬سعدت‭ ‬بضحكة‭ ‬الجراح‭ ‬الهستيرية‭ ‬وشاركته‭ ‬فيه‭.‬

وقفت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سيارتي‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬وأنا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬أعاقب‭ ‬بها‭ ‬طبيبا‭ ‬ضحك‭ ‬عليّ‭ ‬–‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬أعاني‭ ‬منه،‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مرض‭ ‬يجعل‭ ‬المصاب‭ ‬به‭ ‬‮«‬مَضْحكة‮»‬،‭ ‬وفوجئت‭ ‬بالجراح‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬العيادة‭ ‬ويتجه‭ ‬نحوي‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬السيارات‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يكتم‭ ‬ضحكاته‭: ‬سوري‭.. ‬متأسف‭.. ‬لو‭ ‬عرفت‭ ‬السبب‭ ‬لعذرتني‭!  ‬قلت‭ ‬له‭ ‬أعذرك‭ ‬على‭ ‬ماذا؟‭  ‬ما‭ ‬الاكتشاف‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬وجدته‭ ‬في‭ ‬ملفي‭ ‬حتى‭ ‬تجعل‭ ‬مني‭ ‬أضحوكة؟‭ ‬هل‭ ‬وجدت‭ ‬كاريكاتيرا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الجرح‭ ‬أم‭ ‬وجدت‭ ‬ديدانا‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬قرود‭ ‬وأتت‭ ‬بحركات‭ ‬مضحكة؟‭  ‬سحبني‭ ‬الجراح‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬وقال‭: ‬تعال‭ ‬اقرأ‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬الممرضة‭ ‬في‭ ‬ملفك‭ ‬وستجد‭ ‬لي‭ ‬العذر،‭ ‬أستحلفك‭ ‬بالله‭ ‬العظيم‭ ‬أن‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ ‬وأنا‭ ‬أضمن‭ ‬لك‭ ‬أنك‭ ‬ستخرج‭ ‬منها‭ ‬وأنت‭ ‬ضاحك،‭ ‬وفوق‭ ‬هذا‭ ‬سأرد‭ ‬لك‭ ‬رسوم‭ ‬الكشف‭ ‬والجراحة‭..  ‬بس‭ ‬تعال،‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تكون‭ ‬زول‭ ‬راسه‭ ‬ناشف‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬واصل‭ ‬الضحك‭.‬

قررت‭ ‬العودة‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬العيادة‭ (‬ولو‭ ‬اكتشفت‭ ‬أنه‭ ‬فعلاً‭ ‬ضحك‭ ‬من‭ ‬أمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بي‭ ‬وبمرضي‭ ‬فسأضربه‭ ‬بأي‭ ‬شيء‭ ‬ثقيل‭ ‬الوزن‭ ‬أو‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬مكتبه‭ ‬واللي‭ ‬بدو‭ ‬يصير‭ ‬يصير‭).‬،‭ ‬ودخلت‭ ‬المكتب‭ ‬ومد‭ ‬لي‭ ‬الطبيب‭ ‬ملفي‭ ‬وأشار‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أقرأ‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬الممرضة‭ ‬عن‭ ‬حالتي،‭ ‬وكان‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬وقرأت‭ ‬كلامها‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أفهم‭ ‬بعض‭ ‬المصطلحات‭ ‬الطبية،‭  ‬فضحك‭ ‬الرجل‭ ‬مجدداً‭ ‬حتى‭ ‬شرق‭ ‬بالدمع‭ ‬وقال‭:  ‬كتبت‭ ‬إن‭ ‬عندك‭ ‬حالة‭ ‬حمل‭ ‬خارج‭ ‬الرحم‭..  ‬صحت‭: ‬التار‭ ‬ولا‭ ‬العار‭..  ‬الشرف‭ ‬يا‭ ‬ولداه‭..  ‬وظللت‭ ‬أضحك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أحس‭ ‬بأن‭ ‬الغرفة‭ ‬امتلأت‭ ‬بالناس‭..  ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬الممرضة‭ ‬التي‭ ‬طعنت‭ ‬في‭ ‬شرفي‭ ‬وكانت‭ ‬ترتجف‭ ‬من‭ ‬الخوف‭..  ‬ولم‭ ‬أطلب‭ ‬منها‭ ‬تفسيراً‭ ‬بل‭ ‬قلت‭ ‬لها‭: ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬العائلات،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬هو‭ ‬أنك‭ ‬وضعت‭ ‬أوراق‭ ‬امرأة‭ ‬جنينها‭ ‬خارج‭ ‬الرحم‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬الخاص‭ ‬بي‭. ‬ويا‭ ‬بنت‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هناك‭ ‬رجل‭ ‬خائب‭ ‬حمل‭ ‬بالأنابيب‭ ‬مرتين‭ ‬وأنجب،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬طبيب‭ ‬بيطري،‭ ‬فما‭ ‬تشيلي‭ ‬هم‭ ‬طالما‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحمل‭ ‬في‭ ‬بطني‭ ‬إلا‭ ‬بيبيات‭ (‬جمع‭ ‬بيبي‭) ‬مايكروبات‭ ‬وطفيلات‭.‬

فارس‭ ‬بني‭ ‬عبس‭ ‬ضحك‭ ‬عندما‭ ‬شككوا‭ ‬في‭ ‬رجولته،‭ ‬وأنت‭ ‬تقلب‭ ‬الدنيا‭ ‬لأن‭ ‬الرجل‭ ‬أعطاك‭ ‬سندويتش‭ ‬شاورما‭ ‬دجاج‭ ‬بينما‭ ‬كنت‭ ‬تريده‭ ‬بلحم‭ ‬الضأن؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا