العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٧٧٠ - الأربعاء ٢١ فبراير ٢٠٢٤ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٥هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

خاطرتان عن السودان «القديم»

كانت‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬بحق‭ ‬وحقيق‭ ‬نقطة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬ففي‭ ‬زماننا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تقسيم‭ ‬للمناهج‭ ‬إلى‭ ‬علمي‭ ‬وأدبي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الطالب‭ ‬عند‭ ‬الجلوس‭ ‬لامتحانات‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬ان‭ ‬يختار‭ ‬ست‭ ‬مواد‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬مجموعات‭ ‬مختلفة،‭ ‬يعني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬أن‭ ‬تجلس‭ ‬لامتحان‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭ ‬والعلوم‭ ‬والرياضيات‭ ‬والرسم‭ ‬والنحت‭. ‬وبالنسبة‭ ‬لي‭ ‬كان‭ ‬بلوغ‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬غاية‭ ‬المنى‭ ‬ليتسنى‭ ‬لي‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الرياضيات‭ ‬والفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالأرقام‭ ‬والمعادلات‭. ‬واختيار‭ ‬مواد‭ ‬امتحان‭ ‬الشهادة‭ ‬بكيفي‭ ‬وعلى‭ ‬كيفي‭.‬

وكانت‭ ‬كافة‭ ‬المواد‭ ‬على‭ ‬أيامنا‭ (‬باستثناء‭ ‬التربية‭ ‬الدينية‭ ‬واللغة‭ ‬العربية‭ ‬طبعا‭) ‬تُدرّس‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬حتى‭ ‬التوجيهات‭ ‬في‭ ‬حصص‭ ‬التربية‭ ‬الرياضية‭ ‬كانت‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬وكان‭ ‬مدرسو‭ ‬الفنون‭ ‬أيضاً‭ ‬ملزمين‭ ‬بالتخاطب‭ ‬معنا‭ ‬بالإنجليزية‭ (‬كان‭ ‬الرسم‭ ‬وصناعة‭ ‬الفخار‭ ‬والنحت‭ ‬وطباعة‭ ‬الأقمشة‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المقرر‭ ‬الإلزامي‭ ‬حتى‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭. ‬فتأمل‭) ‬وتخيل‭ ‬أن‭ ‬تدرس‭ ‬الكيمياء‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬وتحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬مواد‭ ‬من‭ ‬شاكلة‭ ‬كلوروهايدروفينلوين،‭ ‬وكان‭ ‬معظم‭ ‬مدرسي‭ ‬اللغة‭ ‬الانجليزية‭ ‬من‭ ‬البريطانيين،‭ ‬ولكن‭ ‬السودانيين‭ ‬القلائل‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يدرسون‭ ‬تلك‭ ‬اللغة‭ ‬كانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬قواعدها‭ ‬ونحوها‭ ‬وتراكيبها‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬البريطانيين،‭ ‬وأذكر‭ ‬أن‭ ‬مدرساً‭ ‬يدعى‭ ‬عبيد‭ ‬خيري‭ ‬كان‭ ‬يدرب‭ ‬المعلمين‭ ‬البريطانيين‭ ‬الجدد،‭ ‬فيجلسون‭ ‬أمامه‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬وهم‭ ‬يتعجبون‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الأفريقي‭ ‬الذي‭ ‬يلقنهم‭ ‬أصول‭ ‬لغتهم‭ ‬الأم،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬الانجليزية‭ ‬لغة‭ ‬الدواوين‭ ‬الحكومية‭ ‬حتى‭ ‬السبعينات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬السودان‭ ‬مهنة‭ ‬الترجمة‭ ‬إلا‭ ‬مؤخرا،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬موظف‭ ‬مطالباً‭ ‬بأن‭ ‬يترجم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬من‭ ‬أوراق‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭ ‬ذلك‭. (‬لسبب‭ ‬لا‭ ‬أفهمه‭ ‬كان‭ ‬جميع‭ ‬الموظفين‭ ‬البريطانيين‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬الاستعمارية‭ ‬خريجي‭ ‬جامعتي‭ ‬أوكسفورد‭ ‬وكيمبريدج‭).‬

ومن‭ ‬عجائب‭ ‬وقائع‭ ‬تفشي‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬حينا‭ ‬من‭ ‬الدهر،‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬شيوخ‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬عندما‭ ‬حللت‭ ‬محله‭ ‬مترجماً‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬ان‭ ‬ترتيبي‭ ‬هو‭ ‬السادس‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬احترفوا‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬سودان‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال،‭ (‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬أنني‭ ‬كهل‭ - ‬حاشا‭ ‬وكلا‭ - ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬سوق‭ ‬للترجمة‭)‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإنني‭ ‬لست‭ ‬من‭ ‬‮«‬الرواد‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الترجمة،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬مترجمين‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬السفارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬والبرلمان‭ (‬نظراً‭ ‬لوجود‭ ‬نواب‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬السودان‭ ‬لا‭ ‬يجيدون‭ ‬العربية‭).‬

وأذكر‭ ‬أنني‭ ‬وعند‭ ‬التحاقي‭ ‬بشركة‭ ‬أرامكو‭ ‬مترجماً‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬سوداني‭ ‬سبقني‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬هناك‭ ‬بشهور‭ ‬قليلة،‭ ‬وأذكر‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬القسم‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬عنه‭: ‬لا‭ ‬أصدق‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يمارس‭ ‬الترجمة‭ ‬قط،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يلتحق‭ ‬بأرامكو،‭ ‬وقد‭ ‬سمحنا‭ ‬له‭ ‬بالجلوس‭ ‬للامتحان‭ ‬ونحن‭ ‬واثقون‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬سيرسب‭ ‬بجدارة‭ ‬لأن‭ ‬المؤهل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحمله‭ ‬هو‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬وظل‭ ‬يعمل‭ ‬طوال‭ ‬عمره‭ ‬مدرس‭ ‬رياضيات‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬ولكنه‭ ‬أحرز‭ ‬في‭ ‬الاختبارات‭ ‬درجات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ومنذ‭ ‬يومه‭ ‬الأول‭ ‬وهو‭ ‬يترجم‭ ‬بكفاءة‭ ‬وكأنه‭ ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬داخل‭ ‬أوبيك‭.‬

ونحن‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬دخل‭ ‬التلفزيون‭ ‬جمهورية‭ ‬السودان،‭ ‬وتبرعت‭ ‬لنا‭ ‬وزارة‭ ‬المعارف‭ (‬التربية‭) ‬بجهاز‭ ‬كنا‭ ‬نضعه‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الطلبة،‭ ‬ويبقى‭ ‬750‭ ‬طالباً‭ ‬ملتفين‭ ‬حوله‭ ‬منذ‭ ‬الإرسال‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬مساء‭ ‬وحتى‭ ‬موعد‭ ‬النوم‭ ‬الإجباري‭ ‬في‭ ‬التاسعة‭ ‬والنصف‭ ‬مساء‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬البيوت‭ ‬صار‭ ‬التلفزيون‭ ‬تجارة‭: ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬مشاهدة‭ ‬التلفزيون‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬قرشاً‭ ‬واحدا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭.. ‬وأنت‭ ‬وحظك،‭ ‬فقد‭ ‬تكون‭ ‬الساعة‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬قيمتها‭ ‬كلها‭ ‬خطبة‭ ‬لفخامة‭ ‬الرئيس‭ ‬تتخللها‭ ‬سبعة‭ ‬تنويهات‭ ‬‮«‬نأسف‭ ‬لانقطاع‭ ‬الإرسال‭ ‬لخلل‭ ‬فني‮»‬‭.. ‬وطبعاً‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬التلفزيون‭ ‬بيتنا‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬انتقال‭ ‬والدي‭ ‬إلى‭ ‬رحمة‭ ‬مولاه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يعتبر‭ ‬التلفزيون‭ ‬‮«‬مسخرة‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬السينما‭ (‬كنا‭ ‬لسنوات‭ ‬وخلال‭ ‬الإجازات‭ ‬عندما‭ ‬نكون‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬الوالد‭ ‬نشاهد‭ ‬نصف‭ ‬الفيلم‭ ‬ونهرع‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬قبل‭ ‬موعد‭ ‬سريان‭ ‬حظر‭ ‬التجول،‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬الثامنة‭ ‬والنصف‭ ‬مساء‭)‬،‭ ‬ولعله‭ ‬لو‭ ‬عاش‭ ‬والدي‭ ‬ليشهد‭ ‬عصر‭ ‬العهر‭ ‬الفضائي‭ ‬لجعل‭ ‬بيتنا‭ ‬بلا‭ ‬سقف‭ ‬كي‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬قيام‭ ‬شخص‭ ‬بتثبيت‭ ‬إيريال‭ ‬أو‭ ‬طبق‭ ‬هوائي‭ (‬دِش‭) ‬عليه‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا