يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
وعي الناخب الأمريكي
طوال الأيام الماضية تتصدر نتائج الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي وحكام الولايات الاهتمام في العالم كله. الكل يجتهد لتفسير هذه النتائج وما سيترتب عليها من أثار وتبعات سواء بالنسبة إلى الأوضاع الداخلية في أمريكا أو سياساتها الخارجية.
سبب هذا الاهتمام هو بالطبع الهزيمة الساحقة للرئيس ترامب والجمهوريين في الانتخابات، وسيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ. وكانت هزيمة الجمهوريين مدوية لدرجة أنهم فقدوا ولايات كانوا يسيطرون عليها منذ عقود.
أهم ما في هذه الانتخابات أن الناخبين الأمريكيين أظهروا وعيا سياسيا متقدما وجديدا ربما تشهده الانتخابات الأمريكية لأول مرة.
هذا الوعي تجلى في جوانب كثيرة كشفت عنها النتائج سوف نتوقف عند أهمها.
أول هذه الجوانب أن الناخبين الأمريكيين تحدوا الخطاب السياسي الزاعق للرئيس ترامب على الصعيد الداخلي والخارجي، وأظهروا وعيا بحقيقة هذا الخطاب.
لقد ظل ترامب طوال العامين الماضيين يتباهى بالإنجازات الرهيبة التي حققها للاقتصاد الأمريكي وكيف أن الحرب على إيران تحمي أمريكا، كما ظل ينكر التأثيرات السلبية في معيشة المواطنين.
الانتخابات أثبتت أن الناخب الأمريكي لم ينخدع بهذا الخطاب ورفضه وتحداه.
الكل يكاد يجمع على أن الحرب هي السبب الرئيسي لهزيمة ترامب والجمهوريين بمن في ذلك ترامب وكبار المسئولين. والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالحرب في حد ذاتها، فمعروف أن الأمريكيين لا يهتمون كثيرا بالقضايا الخارجية. لكن الحرب هي السبب من حيث الثمن الذي يدفعه الأمريكيون بارتفاع الأسعار وخصوصا أسعار البنزين وتراجع أحوالهم المعيشية بشكل عام.
ولأن الناخب الأمريكي تحدى خطاب ترامب ورفضه، فقد تم اعتبار النتائج هزيمة شخصية للرئيس الأمريكي.
الجانب الآخر الذي جسَّد وعي الناخب الأمريكي هو أنه إذا كانت نتائج الانتخابات هزيمة للجمهوريين، فهي في نفس الوقت هزيمة للوبي الإسرائيلي في أمريكا.
اللوبي الإسرائيلي في أمريكا أنفق عشرات الملايين من الدولارات لدعم حملات مرشحين موالين لإسرائيل في الانتخابات ولإفشال مرشحين لا يرضى عنهم وهم معرفون بانتقاداتهم الحادة لإسرائيل. ورغم هذا، كل من دعمهم اللوبي الإسرائيلي تقريبا أسقطهم الشعب الأمريكي.
هذا تطور له أهمية كبيرة في الحياة السياسية الأمريكية. هو جزء من ظاهرة أوسع أصبحت واضحة وموضع اهتمام سياسي وإعلامي في الفترة الماضية، وهي ظاهرة انحسار النفوذ التقليدي للوبي الإسرائيلي في أمريكا، واتساع نطاق رفض الرأي لسياسة إسرائيل وخصوصا في أوساط الشباب الأمريكي. هذه ظاهرة أكدتها كل استطلاعات الرأي العام الأمريكي، وارتبطت كما هو معروف بالإبادة والجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة. وارتبط بالظاهرة مطالبات واسعة النطاق بوقف الدعم الأمريكي لإسرائيل وإعادة النظر في كل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.
ما حدث في الانتخابات يؤكد أن هذه الظاهرة ليست عابرة، وأنها أصبحت متأصلة إلى حد ما في الحياة السياسية الأمريكية، وسيكون لها تأثير كبير في سياسات أمريكا تجاه إسرائيل.
العجيب أن ترامب أدرك فيما يبدو هذا التوجه الجديد من الناخب الأمريكي تجاه إسرائيل وتأثيره السلبي فيه وفي الجمهوريين وحاول معالجة هذا وأعلن ليلة الانتخابات عزمه وقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل.
من المهم أن نتوقف عند هذا الوعي الذي أظهره الناخب الأمريكي لأنه سيكون له تأثير كبير حتما في السياسات الأمريكية الداخلية والخارجية مستقبلا وهو أمر يعنينا بالطبع.
بقي أن نتوقف عند جانب آخر له أهمية حاسمة في وعي الناخب الأمريكي يهمنا في المقال القادم أن نستعرضه بإذن الله.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك