لا يبدو فوز عبدالرحمن السيد بمقعد ولاية ميشيجان في مجلس الشيوخ، بعد أن أعلنت وسائل الإعلام الأمريكية نتيجته، مجرد خبر انتخابي عابر. فهو يقول شيئًا لا يستطيع السياسي الأمريكي أن يعلنه عن إسرائيل ويبقى مع ذلك في الحياة السياسية. ولطالما ظن الجميع أن هذا الحاجز لن يتزحزح، لكنه انهار.
وقد التقط ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي الأسبق في إسرائيل، هذا المعنى مبكرًا، فقال محذرًا إن أمريكا ستجد في مجلس شيوخها عضوًا «لا يفرّق بين إسرائيل وإيران»، وإن الولايات المتحدة قد تصبح أقرب إلى بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا، حيث تراجع الإجماع القديم حول إسرائيل، وصار نقدها كلامًا مألوفًا لا يثير الدهشة.
ومن الإنصاف ألا نحمّل النتيجة أكثر مما تحتمل؛ فعبدالرحمن السيد لم يفز بموقفه من إسرائيل وحده، إذ كان لغلاء المعيشة والرعاية الصحية والسخط على المؤسسة السياسية نصيب كبير فيما حصل عليه من أصوات. وميشيجان ولاية تميل في الغالب إلى الديمقراطيين وإن بقيت ساحة تنافس حقيقي، فليس الجديد أن ديمقراطيًا كسب مقعدًا فيها.
الجديد أن يكسبه رجل رأى أن إسرائيل دولة كسائر الدول، وأن سياساتها وما تناله من مساعدات عسكرية أمريكية يجب أن تُحاسَب بالمعيار الأخلاقي والاستراتيجي الذي يُحاسَب به غيرها، ثم ظل ثابتًا على ذلك حين انتقل من المنافسة داخل حزبه إلى المنافسة العامة، رغم كل ما سُخّر في مواجهته من مال ونفوذ، وفاز فوزًا حاسمًا. وقد كان هذا الموقف جزءًا أصيلًا من صورته أمام الناخبين، ومن أسباب التفاف الشباب والتيار التقدمي حوله.
وجاءت المعركة ضده من جبهتين؛ الأولى من داخل حزبه، فالنائبة هيلي ستيفنز، التي نافسته في الانتخابات التمهيدية، لم تكتفِ بالامتناع عن تأييده، بل سحبت تزكيتها له، وخرجت عن صف حزبها لتدعم الجمهوري مايك روجرز. وعابت عليه نقده لإسرائيل وعلاقته بالمعلق الإعلامي حسن بيكر، ووصفت موقفها بأنه «قرار ضميري». والثانية انه عانى من خصومه الجمهوريين، وقد تجاوزت الخلاف في السياسة إلى الطعن في شخصه وهويته. فالرئيس ترامب وصفه أكثر من مرة بالجهادى، وشكك في ولائه لبلاده، واستخدم دينه واسمه في الحملة. وتبعه نائب الرئيس جي دي فانس، فتساءل عن مدى التزامه بأمريكا، واتهمه بتوظيف موارد أمريكية في خدمة قضايا نزاعات بعيدة. أما السيناتور تيد كروز فحذّر من أن اطلاعه على معلومات استخباراتية حساسة يمثل خطرًا على الأمن القومي. وذهب وزير الصحة روبرت كينيدي أبعد من ذلك، فقال في مهرجان انتخابى بميشيجان لدعم روجرز إن العرب لم يسهموا في العلم، ولم يفوزوا بجوائز دولية كبرى، ولم يتركوا أثرًا في الأدب. والتاريخ يكذّب ذلك، ويكفي ما قدمه علماء العرب عبر القرون وما نالته أسماء عربية من جوائز نوبل.
لكن دلالة الكلام في مكان آخر، فهو يكشف كيف انتقل الهجوم من خصم سياسي إلى هجاء أمة كاملة. وقد نفى عبدالرحمن السيد مرارًا هذه الاتهامات. وخلاصة الحملة أنها أرادت أن تحوّل نقده لإسرائيل إلى شبهة في ولائه، وأن تجعل من عروبته وإسلامه عبئًا إضافيًا عليه، وكأن عليه أن يبرهن أنه أمريكي بالقدر الكافي، ومخلص بالقدر الكافي، ومقبول بالقدر الكافي، قبل أن يُؤتمن على مقعد في الشيوخ.
وكان المعروف في واشنطن منذ عقود أن من يتخذ موقفًا صداميًا من إسرائيل يدفع الثمن في صناديق الاقتراع. ولم يكن ذلك بفعل نص مكتوب، بل بفعل كبار المتبرعين لحملات الانتخاب، وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وقيادات الحزبين، وما بقي من إرث الإجماع الذي تكوّن بعد المحرقة اليهودية وبعد حرب 1967. وقد أنفقت منظمة اللوبي الصهيوني «إيباك» والجماعات الدائرة في فلكها أموالًا طائلة ضده في الانتخابات التمهيدية، واستمرت الحملة في الانتخابات العامة. وكان الظن أن حاجز الخوف من نفوذ إسرائيل واللوبي الصهيوني سيصمد، لكنه انهار. والذي انهار في الحقيقة ليس تكتيكًا انتخابيًا، بل خوفا ظل يمنع السياسيين من تجاوز الخطوط غير المعلنة في الحديث عن إسرائيل.
وسوف يتأمل السياسيون هذه التجربة بعناية، فقد صارت أمام الآخرين سابقة يستندون إليها. وفي ضوء ذلك لا شك أن المرشحين التقدميين في الدوائر الآمنة سيجدون جرأة أكبر، أما من يخوضون المنافسة في الولايات المتأرجحة فسيزنون الأمر بين كسب الشباب والتقدميين ومخاطرة الصدام مع المنظمات المؤيدة لإسرائيل. وما إن يُفتح باب في النقاش العام لا يعود إغلاقه أمرا سهلا.
وكان السفير الأمريكي فريدمان يتحدث عن اتجاه عام لا عن انتخابات بعينها، وميشيجان تقدم اختبارًا جديًا لما قال. والنتيجة لا تعني أن الإجماع الأمريكي التقليدي قد زال، لكنها تعنى أن تحديه لم يعد بالضرورة مغامرة انتخابية خاسرة.
وقد يرى بعضهم في ذلك تصحيحًا لازمًا، ويراه آخرون إضعافًا لعلاقة تاريخية راسخة، وكل فريق له حجته. وسوف تُظهر الانتخابات التمهيدية المقبلة هل يجرؤ غيره من السياسيين على السير في الطريق الذي اقتحمه السيناتور عبدالرحمن السيد.
{ كاتب ودبلوماسي سابق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك