العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

انهيار حاجز الخوف في ميشيجان

بقلم: عبدالرحيم شلبي

الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يبدو‭ ‬فوز‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬السيد‭ ‬بمقعد‭ ‬ولاية‭ ‬ميشيجان‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬نتيجته،‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬انتخابي‭ ‬عابر‭. ‬فهو‭ ‬يقول‭ ‬شيئًا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬يعلنه‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ويبقى‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭. ‬ولطالما‭ ‬ظن‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحاجز‭ ‬لن‭ ‬يتزحزح،‭ ‬لكنه‭ ‬انهار‭.‬

وقد‭ ‬التقط‭ ‬ديفيد‭ ‬فريدمان،‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬مبكرًا،‭ ‬فقال‭ ‬محذرًا‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬ستجد‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬شيوخها‭ ‬عضوًا‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وأستراليا‭ ‬وكندا،‭ ‬حيث‭ ‬تراجع‭ ‬الإجماع‭ ‬القديم‭ ‬حول‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وصار‭ ‬نقدها‭ ‬كلامًا‭ ‬مألوفًا‭ ‬لا‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة‭.‬

ومن‭ ‬الإنصاف‭ ‬ألا‭ ‬نحمّل‭ ‬النتيجة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحتمل؛‭ ‬فعبدالرحمن‭ ‬السيد‭ ‬لم‭ ‬يفز‭ ‬بموقفه‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحده،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬لغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬والسخط‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬السياسية‭ ‬نصيب‭ ‬كبير‭ ‬فيما‭ ‬حصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أصوات‭. ‬وميشيجان‭ ‬ولاية‭ ‬تميل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬إلى‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬وإن‭ ‬بقيت‭ ‬ساحة‭ ‬تنافس‭ ‬حقيقي،‭ ‬فليس‭ ‬الجديد‭ ‬أن‭ ‬ديمقراطيًا‭ ‬كسب‭ ‬مقعدًا‭ ‬فيها‭. ‬

الجديد‭ ‬أن‭ ‬يكسبه‭ ‬رجل‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬دولة‭ ‬كسائر‭ ‬الدول،‭ ‬وأن‭ ‬سياساتها‭ ‬وما‭ ‬تناله‭ ‬من‭ ‬مساعدات‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُحاسَب‭ ‬بالمعيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬يُحاسَب‭ ‬به‭ ‬غيرها،‭ ‬ثم‭ ‬ظل‭ ‬ثابتًا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬داخل‭ ‬حزبه‭ ‬إلى‭ ‬المنافسة‭ ‬العامة،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سُخّر‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬ونفوذ،‭ ‬وفاز‭ ‬فوزًا‭ ‬حاسمًا‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬صورته‭ ‬أمام‭ ‬الناخبين،‭ ‬ومن‭ ‬أسباب‭ ‬التفاف‭ ‬الشباب‭ ‬والتيار‭ ‬التقدمي‭ ‬حوله‭.‬

وجاءت‭ ‬المعركة‭ ‬ضده‭ ‬من‭ ‬جبهتين؛‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬حزبه،‭ ‬فالنائبة‭ ‬هيلي‭ ‬ستيفنز،‭ ‬التي‭ ‬نافسته‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية،‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬تأييده،‭ ‬بل‭ ‬سحبت‭ ‬تزكيتها‭ ‬له،‭ ‬وخرجت‭ ‬عن‭ ‬صف‭ ‬حزبها‭ ‬لتدعم‭ ‬الجمهوري‭ ‬مايك‭ ‬روجرز‭. ‬وعابت‭ ‬عليه‭ ‬نقده‭ ‬لإسرائيل‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمعلق‭ ‬الإعلامي‭ ‬حسن‭ ‬بيكر،‭ ‬ووصفت‭ ‬موقفها‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬قرار‭ ‬ضميري‮»‬‭. ‬والثانية‭ ‬انه‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬خصومه‭ ‬الجمهوريين،‭ ‬وقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬الخلاف‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬الطعن‭ ‬في‭ ‬شخصه‭ ‬وهويته‭. ‬فالرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬وصفه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بالجهادى،‭ ‬وشكك‭ ‬في‭ ‬ولائه‭ ‬لبلاده،‭ ‬واستخدم‭ ‬دينه‭ ‬واسمه‭ ‬في‭ ‬الحملة‭. ‬وتبعه‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬جي‭ ‬دي‭ ‬فانس،‭ ‬فتساءل‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬التزامه‭ ‬بأمريكا،‭ ‬واتهمه‭ ‬بتوظيف‭ ‬موارد‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬قضايا‭ ‬نزاعات‭ ‬بعيدة‭. ‬أما‭ ‬السيناتور‭ ‬تيد‭ ‬كروز‭ ‬فحذّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اطلاعه‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬استخباراتية‭ ‬حساسة‭ ‬يمثل‭ ‬خطرًا‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭. ‬وذهب‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬روبرت‭ ‬كينيدي‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقال‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬انتخابى‭ ‬بميشيجان‭ ‬لدعم‭ ‬روجرز‭ ‬إن‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يسهموا‭ ‬في‭ ‬العلم،‭ ‬ولم‭ ‬يفوزوا‭ ‬بجوائز‭ ‬دولية‭ ‬كبرى،‭ ‬ولم‭ ‬يتركوا‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬الأدب‭. ‬والتاريخ‭ ‬يكذّب‭ ‬ذلك،‭ ‬ويكفي‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬علماء‭ ‬العرب‭ ‬عبر‭ ‬القرون‭ ‬وما‭ ‬نالته‭ ‬أسماء‭ ‬عربية‭ ‬من‭ ‬جوائز‭ ‬نوبل‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬دلالة‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬فهو‭ ‬يكشف‭ ‬كيف‭ ‬انتقل‭ ‬الهجوم‭ ‬من‭ ‬خصم‭ ‬سياسي‭ ‬إلى‭ ‬هجاء‭ ‬أمة‭ ‬كاملة‭. ‬وقد‭ ‬نفى‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬السيد‭ ‬مرارًا‭ ‬هذه‭ ‬الاتهامات‭. ‬وخلاصة‭ ‬الحملة‭ ‬أنها‭ ‬أرادت‭ ‬أن‭ ‬تحوّل‭ ‬نقده‭ ‬لإسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬شبهة‭ ‬في‭ ‬ولائه،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬عروبته‭ ‬وإسلامه‭ ‬عبئًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬عليه،‭ ‬وكأن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يبرهن‭ ‬أنه‭ ‬أمريكي‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي،‭ ‬ومخلص‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي،‭ ‬ومقبول‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُؤتمن‭ ‬على‭ ‬مقعد‭ ‬في‭ ‬الشيوخ‭.‬

وكان‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يتخذ‭ ‬موقفًا‭ ‬صداميًا‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬بفعل‭ ‬نص‭ ‬مكتوب،‭ ‬بل‭ ‬بفعل‭ ‬كبار‭ ‬المتبرعين‭ ‬لحملات‭ ‬الانتخاب،‭ ‬وجماعات‭ ‬الضغط‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وقيادات‭ ‬الحزبين،‭ ‬وما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الإجماع‭ ‬الذي‭ ‬تكوّن‭ ‬بعد‭ ‬المحرقة‭ ‬اليهودية‭ ‬وبعد‭ ‬حرب‭ ‬1967‭. ‬وقد‭ ‬أنفقت‭ ‬منظمة‭ ‬اللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬‮«‬إيباك‮»‬‭ ‬والجماعات‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬فلكها‭ ‬أموالًا‭ ‬طائلة‭ ‬ضده‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية،‭ ‬واستمرت‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭. ‬وكان‭ ‬الظن‭ ‬أن‭ ‬حاجز‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬إسرائيل‭ ‬واللوبي‭ ‬الصهيوني‭ ‬سيصمد،‭ ‬لكنه‭ ‬انهار‭. ‬والذي‭ ‬انهار‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬تكتيكًا‭ ‬انتخابيًا،‭ ‬بل‭ ‬خوفا‭ ‬ظل‭ ‬يمنع‭ ‬السياسيين‭ ‬من‭ ‬تجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إسرائيل‭.‬

وسوف‭ ‬يتأمل‭ ‬السياسيون‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬بعناية،‭ ‬فقد‭ ‬صارت‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭ ‬سابقة‭ ‬يستندون‭ ‬إليها‭.  ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المرشحين‭ ‬التقدميين‭ ‬في‭ ‬الدوائر‭ ‬الآمنة‭ ‬سيجدون‭ ‬جرأة‭ ‬أكبر،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬يخوضون‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتأرجحة‭ ‬فسيزنون‭ ‬الأمر‭ ‬بين‭ ‬كسب‭ ‬الشباب‭ ‬والتقدميين‭ ‬ومخاطرة‭ ‬الصدام‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يُفتح‭ ‬باب‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إغلاقه‭ ‬أمرا‭ ‬سهلا‭.‬

وكان‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬فريدمان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬اتجاه‭ ‬عام‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬انتخابات‭ ‬بعينها،‭ ‬وميشيجان‭ ‬تقدم‭ ‬اختبارًا‭ ‬جديًا‭ ‬لما‭ ‬قال‭. ‬والنتيجة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬الإجماع‭ ‬الأمريكي‭ ‬التقليدي‭ ‬قد‭ ‬زال،‭ ‬لكنها‭ ‬تعنى‭ ‬أن‭ ‬تحديه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالضرورة‭ ‬مغامرة‭ ‬انتخابية‭ ‬خاسرة‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬يرى‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تصحيحًا‭ ‬لازمًا،‭ ‬ويراه‭ ‬آخرون‭ ‬إضعافًا‭ ‬لعلاقة‭ ‬تاريخية‭ ‬راسخة،‭ ‬وكل‭ ‬فريق‭ ‬له‭ ‬حجته‭. ‬وسوف‭ ‬تُظهر‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية‭ ‬المقبلة‭ ‬هل‭ ‬يجرؤ‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬السياسيين‭ ‬على‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬اقتحمه‭ ‬السيناتور‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬السيد‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا