تعمل المؤسسات اليوم في بيئة تتسم بالتسارع التقني وتعقّد التوقعات المجتمعية وشدة المنافسة، ما جعل معايير النجاح التقليدية، كالربحية قصيرة الأجل أو الالتزام بالإجراءات، غير كافية للحكم على جودة الأداء المؤسسي. ومن هنا برز مفهوم التميز المؤسسي (Organizational Excellence) بوصفه قدرة المؤسسة على تحقيق نتائج متفوقة ومستدامة لجميع أصحاب المصلحة، عبر قيادة واعية ومنظومة عمل منضبطة وثقافة تعلّم متجددة.
وتزداد أهمية هذا المفهوم حين يقترن بالتنمية المستدامة، إذ لم يعد يُقبل أن تتميز مؤسسة في أدائها بينما تستنزف مواردها أو تُهمل أثرها المجتمعي أو تضعف قدراتها الإدارية على المدى البعيد. وتتبنى حكومات ومؤسسات عربية كثيرة برامج وجوائز وطنية للتميز وتربطها برؤى التنمية الاستراتيجية، غير أن التجربة العملية تُظهر أن كثيرًا من المؤسسات تتعامل مع التميز كمشروع لنيل جائزة أو شهادة لا كمنهجية قيادية دائمة، وهو ما يفسر تراجع الأثر بعد انتهاء دورات التقييم.
ما نحاول أن نستعرضه في هذا المقال هو أن التميز ليس مشروعًا يُنجز مرة واحدة، بل منظومة قيادية مستمرة ترتكز على خمسة أبعاد: التوجه الاستراتيجي، والقيادة القدوة، وتمكين الأفراد، والعمليات القائمة على البيانات، وثقافة التعلم والابتكار. وتُقاس نتائج هذه الأبعاد الأربعة للتنمية المستدامة.
أولاً: أبعاد منظومة التميز المؤسسي
1. البعد الأول: التوجه الاستراتيجي؛ بمعنى وضوح الغاية والرؤية والقيم، وترجمتها إلى أهداف قابلة للقياس مرتبطة بحاجات أصحاب المصلحة. وتُعد بطاقة الأداء المتوازن لكابلان ونورتن أداة فاعلة لربط الاستراتيجية بالتنفيذ، ويمكن إضافة أهداف الاستدامة إليها كمنظور مستقل.
2. البعد الثاني: القيادة القدوة؛ أي أن تلتزم القيادة العليا بالتميز سلوكًا لا شعارًا، فتشارك في مراجعات الأداء، وتدعم المبادرات، وتحاسب نفسها بالمعايير ذاتها التي تحاسب بها الآخرين.
3. البعد الثالث: تمكين الأفراد؛ وذلك ببناء بيئة تمنح الموظفين الصلاحية والمهارة والثقة، وتعزز الانتماء والسلامة النفسية التي تسمح بالمبادرة وتقبّل الخطأ بوصفه فرصة للتعلم.
4. البعد الرابع: العمليات القائمة على البيانات؛ بحيث يتم تصميم العمليات حول احتياجات المستفيدين، وإدارتها بمؤشرات دقيقة، واعتماد التحليل والتقنيات الرقمية في اتخاذ القرار بدلاً من الانطباعات الشخصية.
5. البعد الخامس: ثقافة التعلم والابتكار؛ أي تحويل المراجعات والنتائج والمقارنات المرجعية إلى فرص تحسين منتظمة، وتشجيع التجريب وإدارة المعرفة وتبادل أفضل الممارسات.
ثانيًا: أبعاد التنمية المستدامة الأربعة
تكتمل المنهجية حين تُقاس نتائجها في أربعة أبعاد؛ وهي: الاقتصادي، والمجتمعي، والبيئي، والإداري. فالمؤسسة المتميزة لا تكتفي بتحسين أدائها الحالي الداخلي، بل تضمن ألا يكون ذلك على حساب الأجيال القادمة أو الموارد أو المجتمع الذي تخدمه.
1. البعد الاقتصادي: ويقصد به استدامة القيمة المالية والاقتصادية للمؤسسة وأثرها في الاقتصاد الأوسع، ويمكن أن تترجم إلى التخطيط المالي بعيد المدى، وتنويع مصادر الإيراد، وترشيد الإنفاق من دون الإضرار بالجودة، والاستثمار في الابتكار.
2. البعد المجتمعي: ويظهر أثره الإيجابي في الأفراد والمجتمع والعدالة في توزيع المنافع، ويمكن أن تترجم من خلال تمكين الموظفين، وتحقيق رضا المستفيدين، والشراكات المجتمعية، وتكافؤ الفرص والإتاحة للجميع.
3. البعد البيئي: ويكون واضحًا من خلال حماية الموارد الطبيعية وتقليل الأثر البيئي للأنشطة والعمليات، ويتم ذلك من خلال إدماج الاعتبارات البيئية في تصميم العمليات، وترشيد الطاقة والمياه والورق، وإدارة النفايات، والتحول الرقمي.
4. البعد الإداري المؤسسي: ويصبح ذلك واضحًا من خلال استدامة القدرات المؤسسية وجودة الحوكمة والقيادة، ويتم ذلك من خلال وضوح الأدوار والمساءلة، والشفافية، وتخطيط التعاقب القيادي، وإدارة المعرفة، والتعلم المؤسسي.
ثالثًا: الأبعاد القيادية والاستدامة
لا تكتمل إدارة التميز المؤسسي إلا بوجود ترابط بين كل تلك الأبعاد التي ذكرت سابقًا، ولا يتم ذلك إلا بالبعد القيادي، فالتوجه الاستراتيجي يضمن إدراج الأبعاد الأربعة في الأهداف، والقيادة القدوة تُرسّخ الالتزام بها، وتمكين الأفراد يحقق البعد المجتمعي، والعمليات القائمة على البيانات تقيس الأثر البيئي والاقتصادي، وثقافة التعلم تحمي البعد الإداري من التآكل مع تغير القيادات. وهي تشمل:
1. المرحلة الأولى: دليل المنهجية التطبيقية؛ التي نقترح من خلالها نموذجًا من ست مراحل متتابعة ومتداخلة، يعمل بمنطق دورة التحسين المستمر، وتُدمج فيه أبعاد الاستدامة في كل مرحلة.
2. المرحلة الثانية: التشخيص والجاهزية؛ وتتضمن إجراء تقييم ذاتي شامل مقابل نموذج مرجعي مختار، واستطلاع آراء الموظفين والعملاء، وتحديد فجوات الأداء ومستوى نضج المؤسسة في الأبعاد المستدامة الأربعة. ومخرجات هذه المرحلة تقرير تشخيصي بنقاط القوة وفرص التحسين.
3. المرحلة الثالثة: الالتزام القيادي وبناء الرؤية؛ وتشمل إعلان القيادة العليا التزامها رسميًا، وتشكيل مجلس أو لجنة توجيهية للتميز والاستدامة، وصياغة رؤية واضحة تربط التميز بالغاية المؤسسية.
4. المرحلة الرابعة: التخطيط الاستراتيجي والمواءمة؛ ويتم بتحويل نتائج التشخيص إلى خطة استراتيجية بأهداف ومبادرات ومؤشرات رئيسية، على أن تتضمن أهدافًا صريحة في الأبعاد الاقتصادي والمجتمعي والبيئي والإداري، مع توزيع المسؤوليات وربط الموازنات بالأولويات.
5. المرحلة الخامسة: التمكين والتنفيذ؛ أي تنفيذ المبادرات عبر فرق عمل متعددة الوظائف، وبناء القدرات والتدريب، وإعادة هندسة العمليات الحرجة، وإدارة مقاومة التغيير بالتواصل المستمر وإشراك المتأثرين.
6. المرحلة السادسة: القياس والمراجعة؛ ويتم ذلك من خلال متابعة المؤشرات دوريًا عبر لوحات قيادة، وعقد مراجعات أداء ربع سنوية، وإجراء مقارنات مرجعية داخلية وخارجية، وتحليل الأسباب الجذرية للانحرافات.
7. المرحلة السابعة: التعلم والتحسين والاستدامة؛ ويظهر ذلك من خلال توثيق الدروس المستفادة، وتعميم الممارسات الناجحة، وتحديث الاستراتيجية في ضوء المستجدات، وإدخال التميز في أنظمة التقييم والحوافز حتى يصبح جزءًا من الثقافة.
وفي الختام؛ أن نتميز مؤسسيًا فإن ذلك يحقق مستويات أداء استثنائية بصورة مستمرة، عبر إدارة فاعلة للاستراتيجية والعمليات والأفراد والشراكات والموارد، بما يحقق قيمة مضافة لأصحاب المصلحة. وهو يتجاوز الجودة التي تركز على مطابقة المواصفات، ويتجاوز الكفاءة التي تركز على خفض الكلفة، ليشمل الأثر والاستدامة والقدرة على التكيف.
فالنجاح المؤسسي يتوقف على القيادة أكثر من توقفه على اختيار النموذج؛ فالنماذج المرجعية متقاربة في مكوناتها، بينما تتفاوت المؤسسات تفاوتًا كبيرًا في الأثر المتحقق منها. ويفسر ذلك بأن النموذج يوفر الخريطة، بينما تصنع القيادة الرحلة؛ فهي التي تحدد الأولويات، وتخصص الموارد، وتشكل السلوك، وتحمي الاستمرارية عند تغير الظروف.
كما أن ربط التميز بأبعاد التنمية المستدامة يمنح المؤسسة معيارًا وبُعدًا أوسع للنجاح، ويحميها من تحقيق نتائج قصيرة الأجل على حساب مواردها أو مجتمعها. وتتطلب الاستدامة إدماج التميز في الأنظمة الرسمية كالتخطيط والموازنة وتقييم الأداء والمكافآت، حتى لا يرتبط بأشخاص بعينهم أو بفترات زمنية محددة.
وهذا ما حاولنا أن نستعرضه في ورقة عمل بعنوان (القيادة الاستراتيجية وصناعة مؤسسات المستقبل) في مؤتمر الابتكار القيادي والإداري من أجل التنمية المستدامة العاشر.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك