لا يكاد يمر يوم من دون أن نستخدم جهازاً يعمل ببطارية قابلة للشحن، سواء كان هاتفاً محمولاً أو حاسوباً شخصياً أو سيارة كهربائية. ومع هذا الاعتماد المتزايد، تتكرر أسئلة مألوفة: لماذا تتراجع كفاءة البطارية بمرور الوقت؟ ولماذا ترتفع حرارتها أحياناً؟ وهل سنتمكن يوماً من شحن أجهزتنا بسرعة أكبر من دون القلق على سلامتها أو عمرها الافتراضي؟ قد تبدو الإجابة مرتبطة بصناعة الإلكترونيات، لكنها في الحقيقة ترتبط أيضاً بعلم وهندسة المواد، وهو مجال يقف وراء كثير من التقنيات التي نستخدمها يومياً من دون أن ننتبه إلى دوره. وربما اعتدنا أن نقيس تطور الأجهزة بحجم الشاشة وسرعة المعالج، بينما يبقى ما يحدث داخل البطارية بعيداً عن أعيننا، رغم تأثيره المباشر في تجربة الاستخدام اليومية.
تعتمد معظم الهواتف والسيارات الكهربائية اليوم على بطاريات أيونات الليثيوم، التي تخزن الطاقة وتطلقها من خلال حركة جسيمات مشحونة تسمى الأيونات بين قطبين داخل البطارية. وتتحرك هذه الأيونات عبر مادة تعرف بالإلكتروليت، وهي في كثير من البطاريات الحالية مادة سائلة تحتوي على مركبات عضوية قابلة للاشتعال. ورغم أن هذه البطاريات آمنة عموماً عند تصنيعها واستخدامها بصورة سليمة، فإن تعرضها للتلف أو لارتفاع شديد في الحرارة قد يؤدي في ظروف معينة إلى تفاعلات متسارعة يصعب السيطرة عليها. ومن هنا برز سؤال يشغل الباحثين منذ سنوات: ماذا لو استطعنا استبدال المادة السائلة بأخرى صلبة؟
هذه الفكرة هي أساس ما يعرف ببطاريات الحالة الصلبة، التي أصبحت من أبرز الاتجاهات البحثية في مجال تخزين الطاقة. وتعتمد على مواد صلبة تسمح بانتقال الأيونات بين القطبين من دون الحاجة إلى الإلكتروليت السائل التقليدي. وقد يساعد ذلك في تقليل بعض مخاطر الاشتعال، كما يفتح المجال أمام تصميم بطاريات تخزن طاقة أكبر ضمن حجم ووزن أقل. ولنتخيل ما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى السيارة الكهربائية؛ فزيادة الطاقة المخزنة من دون زيادة مماثلة في الوزن قد تتيح قطع مسافات أطول قبل إعادة الشحن.
أما في الهواتف، فقد نرى مستقبلاً أجهزة تعمل ساعات أطول من دون الحاجة إلى بطاريات أكبر حجماً. لكن هذه المزايا تظل مرتبطة بنجاح تصميم البطارية كاملة، وليس بمجرد استبدال مادة بأخرى.
فالمسألة ليست بهذه البساطة. المواد الصلبة لا تتلامس دائماً بالكفاءة التي توفرها السوائل، وقد تتكون عند نقاط التلامس مقاومة تعيق انتقال الأيونات وتؤثر في الأداء. كما أن الشحن والتفريغ المتكررين قد يتسببان في تغيرات ميكانيكية وتشققات دقيقة داخل بعض المواد، ما يقلل عمر البطارية. وهنا تظهر أهمية هندسة المواد، فهي لا تعني فقط اكتشاف مادة جديدة، بل دراسة بنيتها المجهرية والتفاعلات التي تحدث عند أسطحها، وفهم سلوكها تحت تأثير الحرارة والإجهاد. والمثير أن مشكلة صغيرة جداً، لا ترى بالعين المجردة، قد تكون كافية لإعاقة تقنية واعدة عن الوصول إلى الأسواق.
وقد أعلنت شركات عالمية، وخصوصاً في آسيا، خططاً لتطوير بطاريات الحالة الصلبة واستخدامها في السيارات خلال السنوات المقبلة. لكن ينبغي التمييز بين نجاح تجربة داخل المختبر وإنتاج بطارية موثوقة بمئات الآلاف أو ملايين الوحدات.
فقد تحقق مادة معينة نتائج ممتازة في التجارب الأولية، ثم تظهر صعوبات عند تصنيعها بكميات كبيرة أو المحافظة على جودتها أو خفض كلفتها. والمستهلك في النهاية لا يريد تقنية متقدمة على الورق فقط، بل بطارية آمنة تدوم طويلاً وسعرها معقول. لذلك من المبكر القول إن البطاريات التقليدية ستختفي قريباً، والأقرب أن تتعايش تقنيات مختلفة سنوات، بحسب احتياجات كل استخدام.
وفي منطقة الخليج، تكتسب هذه الأبحاث أهمية إضافية بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالسيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. فالحرارة قد تسرع بعض التفاعلات المسؤولة عن تدهور البطاريات، ما يجعل اختيار المواد المناسبة وتصميم أنظمة التبريد والحماية أمراً أساسياً. والبطارية التي تعمل بكفاءة في مناخ معتدل قد تحتاج إلى ترتيبات إضافية حتى تحافظ على أدائها في أجوائنا الحارة. كذلك فإن التوسع في الطاقة الشمسية يطرح سؤالاً عملياً: كيف نخزن الكهرباء المنتجة نهاراً لنستخدمها ليلاً؟ وهنا قد تسهم البطاريات المتقدمة في توفير حلول أفضل، وإن كانت ملاءمتها لهذه التطبيقات تعتمد على الكلفة والعمر التشغيلي والسلامة، وليس على كثافة الطاقة وحدها.
والواقع أن السباق الدائر اليوم لا يتعلق فقط ببطارية تشحن أسرع أو تقطع بها السيارة مسافة أطول، بل بطريقة أكثر كفاءة وأماناً لتخزين الطاقة التي أصبحت جزءاً أساسياً من حياتنا.
قد لا يعرف المستخدم تفاصيل المواد الموجودة داخل هاتفه، لكنه سيلاحظ الفرق عندما تحتفظ البطارية بكفاءتها مدة أطول أو تتحمل ظروف الاستخدام بصورة أفضل. وربما يكون الإنجاز الحقيقي في المستقبل هو الجمع بين السلامة والأداء والسعر المناسب، مع تقليل الأثر البيئي للتصنيع والتخلص من البطاريات. وحتى يتحقق ذلك، يبقى تطوير المواد وفهم سلوكها خطوة أساسية في الطريق إلى بطاريات أفضل، لا مجرد وعد تقني جديد.
ومن المهم كذلك أن تصل هذه التطورات إلى الناس بمعلومات واضحة، بعيداً عن المبالغة في الوعود التجارية، حتى يستطيع المستهلك التمييز بين ما أصبح متاحاً فعلاً وما لا يزال قيد البحث والتجربة.
{ أستاذ مساعد في هندسة المواد بقسم
الهندسة الكيميائية – جامعة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك