العدد : ١٧٧٦٠ - السبت ٠٧ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٦٠ - السبت ٠٧ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خطة نتنياهو لاستدراج ترامب إلى الحرب مرة أخرى

بقلم: د. حسن نافعة

الجمعة ٠٦ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

أسفرت‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬التي‭ ‬أُجرِيَت‭ ‬في‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مؤخرا‭ ‬عن‭ ‬حصول‭ ‬الائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬53‭ ‬مقعدا،‭ ‬والائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬آيزنكوت‭ ‬على‭ ‬48‭ ‬مقعدا،‭ ‬وحصول‭ ‬القوائم‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬19‭ ‬مقعدا،‭ ‬وهي‭ ‬نتائج‭ ‬تعكس‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة؛‭ ‬إذ‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬أيٍّ‭ ‬من‭ ‬الائتلافين‭ ‬المتنافسين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬أغلبية‭. ‬لذا‭ ‬ليس‭ ‬أمامهما‭ ‬سوى‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬أقلية‭ ‬تضم‭ ‬نوابا‭ ‬عربا،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬القوائم‭ ‬العربية‭. ‬

ولأن‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬نتنياهو‭ ‬هدفٌ‭ ‬يشترك‭ ‬فيه‭ ‬الائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬آيزنكوت‭ ‬مع‭ ‬القوائم‭ ‬العربية،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيقه‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬آيزنكوت‭ ‬ضرورة‭ ‬التحلي‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬لفتح‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬النواب‭ ‬العرب‭ ‬لبحث‭ ‬أنسب‭ ‬الصيغ‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬المشترك،‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬التضحية‭ ‬من‭ ‬الجانبين‭.‬

تتوقف‭ ‬قدرة‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬الإمساك‭ ‬بدفة‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬الائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬آيزنكوت،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬إذا‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬إغراء‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬المشاركة‭ ‬فيه‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬برئاسته،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬آيزنكوت‭ ‬نفسه‭ ‬بالمشاركة‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬وحدة‭ ‬وطنية‭ ‬يتناوبان‭ ‬على‭ ‬قيادتها،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يتولى‭ ‬هو‭ ‬رئاستها‭ ‬أولاً‭.‬

‭ ‬وحين‭ ‬يكتشف‭ ‬نتنياهو‭ ‬صعوبة‭ ‬تحقيق‭ ‬البديل‭ ‬الأول‭ ‬فلن‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬البديل‭ ‬الثاني،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬المساعدة‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬احتاجه‭ ‬فيها‭. ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬للأخير‭ ‬مطالبة‭ ‬رئيس‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬علناً‭ ‬بإصدار‭ ‬عفو‭ ‬عام‭ ‬عن‭ ‬نتنياهو،‭ ‬المهدد‭ ‬بدخول‭ ‬السجن‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ثبوت‭ ‬إدانته‭ ‬في‭ ‬تهم‭ ‬الفساد‭ ‬الكثيرة‭ ‬الموجهة‭ ‬إليه،‭ ‬بل‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬التعبير‭ ‬علناً‭ ‬عن‭ ‬انحيازه‭ ‬لنتنياهو‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬دعوة‭ ‬الناخبين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬إلى‭ ‬التصويت‭ ‬لصالح‭ ‬الائتلاف‭ ‬الذي‭ ‬يقوده،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أنه‭ ‬يفضّل‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬كرئيس‭ ‬للحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ليس‭ ‬عمق‭ ‬الصداقة‭ ‬الشخصية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بينهما‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬حجم‭ ‬التطابق‭ ‬بين‭ ‬أهدافهما‭ ‬السياسية‭ ‬وتوجهاتهما‭ ‬الأيديولوجية‭.‬

كانت‭ ‬قد‭ ‬شاعت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬مقولة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬ولع‭ ‬نتنياهو‭ ‬الدائم‭ ‬بإشعال‭ ‬الحروب‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬حاجته‭ ‬الماسة‭ ‬إلى‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مساءلة‭ ‬سياسية‭ ‬قد‭ ‬تعرضه‭ ‬للملاحقة‭ ‬القضائية،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬حرصه‭ ‬الشديد‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬لأطول‭ ‬فترة‭ ‬ممكنة،‭ ‬للاحتماء‭ ‬بما‭ ‬توفره‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حصانة‭ ‬سياسية‭ ‬وقضائية،‭ ‬وهي‭ ‬مقولة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الصورة‭. ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬طموح‭ ‬نتنياهو‭ ‬الشخصي‭ ‬بات‭ ‬يتماهى‭ ‬تماماً‭ ‬مع‭ ‬رؤيته‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والسياسية‭ ‬للمصالح‭ ‬العليا‭ ‬للمشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنه‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬الكيان‭ ‬فترة‭ ‬أطول‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬زعيم‭ ‬سياسي‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬بن‭ ‬جوريون‭ ‬نفسه‭ ‬مؤسس‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬ولدت‭ ‬لديه‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬بأنه‭ ‬مبعوث‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬المكلف‭ ‬بإقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬وبناء‭ ‬الهيكل‭ ‬الثالث،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬الوحيد‭ ‬المؤهل‭ ‬لِيُتَوَّجَ‭ ‬ملكاً‭ ‬عليها‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬قد‭ ‬ترسخت‭ ‬لديه‭ ‬عقب‭ ‬دخول‭ ‬ترامب‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬ثم‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬يقين‭ ‬عنده‭ ‬عقب‭ ‬عودته‭ ‬إليه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأنه‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬من‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكي‭ ‬آخر‭.‬

ففي‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى،‭ ‬اعترف‭ ‬ترامب‭ ‬بالسيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬مرتفعات‭ ‬الجولان‭ ‬السورية،‭ ‬وقام‭ ‬بنقل‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭ ‬التي‭ ‬عدّها‭ ‬‮«‬عاصمة‭ ‬إسرائيل‭ ‬الموحدة‭ ‬والأبدية‮»‬،‭ ‬وانسحب‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أوباما‭ ‬قد‭ ‬أبرمه‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬وأتبع‭ ‬ذلك‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬قصوى‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬ثم‭ ‬طرح‭ ‬‮«‬صفقة‭ ‬القرن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬تصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬نهائياً‭.‬

‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬شعر‭ ‬بحزن‭ ‬شديد‭ ‬حين‭ ‬خسر‭ ‬ترامب‭ ‬انتخابات‭ ‬الرئاسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬نهاية‭ ‬2020،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬توقف‭ ‬مشروعهما‭ ‬المشترك،‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬وتفكيك‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬وتصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬عاد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أيقن‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬العناية‭ ‬الإلهية‭ ‬لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬عنه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬راح‭ ‬يتطلع‭ ‬بشغف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أقصى‭ ‬طموحاته‭ ‬جنوحاً،‭ ‬عبر‭ ‬دفع‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الدخول‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مشتركة‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬تحقيقه‭ ‬على‭ ‬مراحل‭.‬

ففي‭ ‬يونيو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬تمكّن‭ ‬نتنياهو‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬ترامب‭ ‬بالدخول‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬محدودة‭ ‬استهدفت‭ ‬تدمير‭ ‬منشآت‭ ‬إيران‭ ‬النووية،‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬إقناعه‭ ‬بالدخول‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬استهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وربما‭ ‬تفكيك‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬نفسها‭ ‬إن‭ ‬أمكن‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنهما‭ ‬كانا‭ ‬يتمنيان‭ ‬أن‭ ‬يحققا‭ ‬أهدافهما‭ ‬المشتركة‭ ‬قبل‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬في‭ ‬بلديهما،‭ ‬لكن‭ ‬الرياح‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬بما‭ ‬تشتهي‭ ‬سفنهما‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ ‬تضررت‭ ‬كثيراً‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬إيران‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬إنقاذ‭ ‬كمية‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭% ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬غير‭ ‬معروف‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الطرد‭ ‬المركزي‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وصحيح‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الثانية‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬أضرار‭ ‬كبيرة‭ ‬للمنشآت‭ ‬العسكرية‭ ‬وللبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لكن‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لم‭ ‬يسقط،‭ ‬وتمكن‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬ضربات‭ ‬موجعة‭ ‬لـ«إسرائيل‮»‬‭ ‬ولأهداف‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬سيتوقف‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬أهمها‭ ‬طبيعة‭ ‬وطريقة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬ومدى‭ ‬استعداد‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬وسط‭ ‬وتخليه‭ ‬عن‭ ‬استسلام‭ ‬إيران‭ ‬التام،‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يصر‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭. ‬ولأن‭ ‬حسابات‭ ‬نتنياهو‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬حسابات‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬بعدُ‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬الأول‭ ‬أن‭ ‬يجر‭ ‬الثاني‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬مثلما‭ ‬استطاع‭ ‬دائماً،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬سيصر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطر‭ ‬للذهاب‭ ‬إليها‭ ‬منفرداً،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينطوي‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬ومصير‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬نفسه‭.‬

يؤمن‭ ‬نتنياهو‭ ‬إيماناً‭ ‬راسخاً‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬تشكل‭ ‬تهديداً‭ ‬وجودياً‭ ‬لـ«إسرائيل‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فلا‭ ‬حل‭ ‬للصراع‭ ‬المحتدم‭ ‬معها‭ ‬إلا‭ ‬بإسقاط‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي،‭ ‬وربما‭ ‬تفتيت‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬نفسها،‭ ‬إن‭ ‬استطاع‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬سبيلاً‭.‬

لذا،‭ ‬فإن‭ ‬مطالبه‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬أبداً‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬شملت‭ ‬أيضاً‭ ‬تحجيم‭ ‬برنامجها‭ ‬الصاروخي‭ ‬وتقليصه‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬لـ«إسرائيل‮»‬،‭ ‬والتزام‭ ‬إيران‭ ‬التام‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بعدم‭ ‬تمويل‭ ‬أو‭ ‬تسليح‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭. ‬

ولأنها‭ ‬مطالب‭ ‬سيرفض‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬قبولها،‭ ‬استبعد‭ ‬نتنياهو‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬التفاوضية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ورأى‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها‭ ‬وأشكالها،‭ ‬هو‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬رفضه‭ ‬العلني‭ ‬ليس‭ ‬لـ«مذكرة‭ ‬التفاهم‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬التي‭ ‬أبرمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ووقع‭ ‬عليها‭ ‬ترامب‭ ‬بنفسه،‭ ‬وإنما‭ ‬لأي‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تنطوي‭ ‬بطبيعتها‭ ‬على‭ ‬‮«‬حل‭ ‬وسط‮»‬،‭ ‬يتيح‭ ‬للنظام‭ ‬الإيراني‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬قدراته‭ ‬أيضاً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬نتنياهو‭  ‬مستعداً‭ ‬لقبوله‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭.‬

‭ ‬لذا،‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬فرصة‭ ‬للانقضاض‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬إلا‭ ‬وانتهزها‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬بل‭ ‬وأعتقد‭ ‬أنه‭ ‬بلغ‭ ‬ذروة‭ ‬نجاحه‭ ‬حين‭ ‬تمكن‭ ‬من‭ ‬إقناع‭ ‬ترامب‭ ‬مرتين‭ ‬بالمشاركة‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬صحيح‭ ‬أنه‭ ‬يشعر‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬لم‭ ‬تكتمل،‭ ‬لكنه‭ ‬يعتقد‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بالصعوبة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فبمقدوره‭ ‬استكمالها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭ ‬بمفرده‭.‬

‭ ‬لذلك،‭ ‬لم‭ ‬يستبعد‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬يبادر‭ ‬بشن‭ ‬الحرب‭ ‬قبيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مباشرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬نجاح‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬إثنائه‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬إما‭ ‬عبر‭ ‬هدايا‭ ‬كثيرة‭ ‬قدمها‭ ‬له،‭ ‬حين‭ ‬طالب‭ ‬بالعفو‭ ‬عنه‭ ‬وبالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التصويت‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الكنيست،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬اتفاق‭ ‬أبرمه‭ ‬معه‭ ‬لتأجيل‭ ‬الضربة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬مقابل‭ ‬وعد‭ ‬بالمشاركة‭ ‬فيها،‭ ‬وهي‭ ‬فرضية‭ ‬لم‭ ‬تُختَبَر‭ ‬بعدُ‭.‬

يستند‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬حساباته‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬مختلف‭. ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬مستعداً‭ ‬لمسايرة‭ ‬نتنياهو‭ ‬ومصاحبته‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬الشوط،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬أهدافهما‭ ‬المشتركة،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬عليها،‭ ‬بسرعة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وألا‭ ‬تتحول‭ ‬بالتالي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬طويلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حسمها‭ ‬إلا‭ ‬بعملية‭ ‬إنزال‭ ‬بري‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرفضه‭ ‬بالمطلق‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الغموض‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يكتنف‭ ‬نواياه‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فهو‭ ‬يدّعي‭ ‬أن‭ ‬هدفه‭ ‬الرئيسي‭ ‬منع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تصنيع‭ ‬أو‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬وهو‭ ‬هدف‭ ‬قابل‭ ‬للتحقيق‭ ‬بالفعل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬وأن‭ ‬المؤشرات‭ ‬كلها‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬باتت‭ ‬مستعدة‭ ‬لتقديم‭ ‬الضمانات‭ ‬المطلوبة‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تسعى‭ ‬مطلقاً‭ ‬لتصنيع‭ ‬أو‭ ‬امتلاك‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬لا‭ ‬الآن‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬أو‭ ‬البعيد،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬رفع‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬والإفراج‭ ‬عن‭ ‬أموالها‭ ‬المجمّدة‭ ‬أو‭ ‬المصادرة‭ ‬وإنهاء‭  ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها‭.‬

‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬إيران‭ ‬باتت‭ ‬جاهزة‭ ‬لإبرام‭ ‬صفقة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬معادلة‭ ‬‮«‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬مقابل‭ ‬الاقتصاد‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬صفقة‭ ‬سوف‭ ‬يحاول‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭ ‬دون‭ ‬إتمامها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقناع‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬استعادة‭ ‬إيران‭ ‬لعافيتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬سيمكنها‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬صناعاتها‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬التقليدية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬منها‭ ‬بصناعة‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬بأنواعها‭ ‬ومدياتها‭ ‬المختلفة،‭ ‬ويوفر‭ ‬لها‭ ‬الأموال‭ ‬اللازمة‭ ‬لتمكينها‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تعويم‭ ‬حلفائها‭ ‬الإقليميين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭  ‬يعتبره‭ ‬يشكل‭ ‬تهديدا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬لـ«إسرائيل‮»‬‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا