في خضم الاهتمام العالمي بالانتخابات في إسرائيل وأمريكا والبرازيل وصربيا، انهمكت السلطات الإسرائيلية في الانتقام من كل من تسول له نفسه مساعدة أهالي الضفة الغربية على البقاء في ديارهم وعلى أرضهم.
فقد اعتقلت السلطات الإسرائيلية حوالي 35 أمريكيا كانوا يساعدون الأسر الفلسطينية في حصاد محصول الزيتون. فإجرام المستوطنين المدعوم بتواطؤ كامل من السلطات الإسرائيلية يمنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وقت الحصاد بهدف القضاء على مصدر رزقهم.
وهؤلاء الأمريكيون الذين اعتقلوا وألغيت وثائق دخولهم الضفة، ينتمون إلى منظمات يهودية أمريكية وأغلبهم من الحاخامات والشخصيات العامة، وعلى رأسهم اليهودي الأمريكي براد لاندر، المرشح الديمقراطي للكونجرس. وتلك ليست المرة الأولى التي يصل إلى الضفة مثل تلك الأفواج من الناشطين الأجانب بهدف أن يشكل وجودهم مع الفلسطينيين في مزارعهم وقت الحصاد حماية من المستوطنين والسلطات.
لكن ما هي إلا ساعة حتى راحت طائرات الدرون تحوم فوقهم ثم وصلت القوات الإسرائيلية فاعتقلت الناشطين وأعلنت المنطقة بأكملها «منطقة عسكرية» محظورة. وعند الإفراج عن أولئك الأمريكيين أُخطروا بإلغاء وثائق السماح لهم بدخول الضفة. فالأمريكيون يزورون إسرائيل من دون تأشيرة وفق اتفاقية مع الولايات المتحدة تمنح الإسرائيليين المعاملة بالمثل.
لكن عبور الحدود الإسرائيلية إلى الضفة الغربية يستوجب حصول الأمريكيين على تأشيرة خاصة مدتها عامان، تسمح بزيارة الضفة مرات عدة. والحقيقة أن ما فعلته السلطات الإسرائيلية هو مجرد واحدة من سلسلة منهجية متكاملة للتطهير العرقي من أجل القضاء على الوجود الفلسطيني في الضفة بالكامل.
وإسرائيل، في سبيل ذلك الهدف، على استعداد لاتخاذ ما يلزم، بما في ذلك استعداء اليهود الأمريكيين، ناهيك عن غيرهم حتى من القيادات الأمريكية. فهي اعتقلت في يوليو الماضي عضو الكونجرس رو كانا عندما كان يزور الضفة، فضلًا عن منعها للنائبين رشيدة طليب وإلهان عمر من زيارة الضفة أصلًا.
وقد تزامن الحدث مع إعلان فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، تقريرا جديدا لمكتبها يوثق قتل إسرائيل العمدي للإعلاميين لحجب الحقيقة.
لكن المفارقة كانت أن سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة اتهم ألبانيزي «بالكذب»، في الوقت الذي كان فيه المستوطنون الإسرائيليون يعتدون بوحشية على عدد من الصحفيين في الضفة، منهم المصورة الصحفية لدى «واشنطن بوست» هايدي ليفين، اليهودية الأمريكية.
فهي تعرضت للضرب المبرح والركل المتكرر قبل أن يجردها المستوطنون من كل مقتنياتها بما فيها الكاميرا التي توثق الحقيقة، فضلًا عن وثائقها الشخصية بل وسلسلة عنق من الذهب سرقها المستوطنون. وقد خضعت ليفين لجراحة دقيقة ولا تزال بالمستشفى حتى كتابة هذه السطور.
وكالعادة، خرج نتنياهو ليشكك في الرواية برمتها قائلًا بصفاقته المعتادة إن الشخص الذي تسبب في وقوع ليفين أرضًا هو نفسه الذي ساعدها فورًا على النهوض. لكن الفيديو الذي نقل الواقعة بالصوت والصورة فضح نتنياهو، بينما كذبته ليفين بنفسها على شاشات التليفزيون، مؤكدة أن ذلك الشخص ساعدها على النهوض حتى ينتزع ما تبقى من مقتنياتها ثم ضربها وطرحها أرضًا من جديد. وأعلنت أن من أنقذها كان الشباب الفلسطيني الذين شكلوا «درعًا واقية» حولها، وهم لا يحملون سوى الحجارة لحمايتها.
وما جرى لليفين تكرر بعد أقل من أسبوع مع دبلوماسيين أوروبيين زاروا الضفة. وإسرائيل لا تعتقل المستوطنين إلا عند وجود أجانب ووجود عدسات تنقل ما حدث لهم، ثم لا تلبث أن تُفرج عنهم.
أما الفلسطينيون، نساء وأطفالًا ورجالًا، فيُقتلون وتُحرق مزارعهم، ويُقتلعون من بيوتهم وأرضهم، في صمت مدوٍّ لا تفضحه إلا مثل تلك الزيارات!.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك