خلال لقاء مع الرئيس جورج بوش الابن داخل البيت الأبيض، في يناير عام 2008، سألته: «أنتم تدّعون العداء لإيران، لكنكم غزوتم أفغانستان وأطحتم بأعدائها الطائفيين شرقا في «طالبان»، وغزوتم العراق فأطحتم بعدوها القومي اللدود صدام حسين غربا، ثم قدمتم العراق لإيران على طبق «فضي»! نقول «على طبق من ذهب بالعربية»، لكن الطبق من فضة باللغة الإنجليزية.
كان ذلك في لقاء رئاسي مع مجموعة صحفيين من مؤسسات إعلامية خليجية، قبل أن يتوجه الرئيس بوش خلال رحلته الأخيرة إلى دول الخليج، وكان رده: «أنا لا أنظر إلى الأمور هكذا، بل أرى أننا قد حاصرنا إيران بدول ديمقراطية، فقد أطحنا بنظام إرهابي في أفغانستان شرق إيران، ونظام ديكتاتوري في العراق غرباً، واستبدلنا النظامين بالديمقراطية»!
غزت الولايات المتحدة الأمريكية العراق عام 2003، فتدمّر وتشظّى وقتل مئات الآلاف من أبنائه، وسقط نظام صدام حسين، وسيطرت على العراق منذ ذلك الحين أحزاب طائفية شيعية، أتت بها الدبابات الأمريكية، وثبتتها بتضحيات أمريكية، فقد فقدت أمريكا 4600 قتيل ونحو 30 ألف جريح، و3 تريليونات من الدولارات، ثم بدأت بالانسحاب التدريجي الذي بدأه الرئيس باراك أوباما عام 2011، ووعد بإنهائه نائبه جو بايدن كرئيس عام 2024، وأوفى بالوعد الرئيس الحالي دونالد ترامب بذلك في 30 سبتمبر عام 2026.
رحلت أمريكا عن العراق وهو يعاني انقساماً طائفياً حاداً، وتتحكم به مليشيات تابعة لـ «الحشد الشعبي» الإيراني في العراق، وكان رئيس الوزراء الحالي، السيد علي الزيدي، قد وعد أثناء زيارته الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيجرد المليشيات من سلاحها في يوم خروج القوات الأمريكية من العراق، أي في الـ 30 من سبتمبر الماضي، لكنه مدّد لها الموعد كي يندرج كل السلاح بيد السلطة المركزية العراقية، والمعارضون للنظام في العراق اليوم يقولون إن المهلة ما هي إلا رفض غير مباشر لتسليم السلاح، بل إن ثلاثاً من المليشيات الإيرانية في العراق رفضت علناً تسليم السلاح، وقالت إنها في خندق «المقاومة»، أي الخندق الإيراني، وبأنها ستستمر في حمل سلاحها، في تحد معلن لسلطة السيد الزيدي.
وزادت حكومة الزيدي أن طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية استثناء عبور الطائرات العراقية المدنيّة إلى إيران، بغية تسيير رحلات من وإلى النجف لأسباب دينية، ويقول العراقيون الناقدون إنه، لا حج ولا هم يحزنون، طائرات ستحمل رجال (الحرس الثوري) وقادته والأموال والسلاح وخلافه، بل إن الطلب الرسمي العراقي مطلب إيراني نفذته الحكومة العراقية الحالية نيابة عن إيران و«الحرس الثوري»، ويرون في ذلك دليلاً واضحاً فاضحاً على هيمنة إيران على الشأن العراقي، والذي ستعض عليه بالنواجذ، مع رحيل الأمريكان وغياب العرب وتشديد الحصار عليها.
في دول الخليج العربية لا نأمن جانب هذه المليشيات، فقد كرّرت اعتداءاتها على الكويت والمملكة العربية السعودية ومفاعل «براكة» في الإمارات العربية المتحدة، بل إن البحرين لم تسلم من شرّها ومسيّراتها، والشهر الماضي اعتدت المليشيات العراقية التابعة لإيران على خط «شرق - غرب» النفطي السعودي، وأوقفت تدفق النفط فيه أياماً، وأعلنت السعودية أنها لن ترد على هذه المليشيات، تلبية لطلب من حكومة الزيدي الذي وعد بالتحقيق ومحاسبة الإرهابيين الذين قاموا بهذا العمل المخزي، ومازلنا في الخليج ننتظر نتائج تحقيق وجهود حكومة السيد الزيدي في تلك الاعتداءات.
يذكر أن وعوداً سابقة أطلقتها حكومة السيد الزيدي بالتحقيق ومحاسبة من اعتدوا على الكويت والسعودية والإمارات خلال الأشهر الماضية، ولا يزال التحقيق مستمراً، وتستمر المعارضة العراقية بالقول لا تحقيق ولا شيء»!
يوم مغادرة القوات الأمريكية سمّاه العراق الرسمي «يوم السيادة الوطنية»، وقد غادر الأمريكيون العراق ولسان حالهم يردد ما كتبه ونستون تشرشل حين كان وزيراً للمستعمرات عام 1922 لرئيس وزرائه ديفيد لويد جورج، حين غزت بريطانيا العراق عام 1920 «نحن ندفع 8 ملايين جنيه سنوياً من أجل العيش على بركان جاحد، وعلى صحارى ناكرة».
{ وزير الإعلام السابق في الكويت

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك