سؤال التنمية الذي يُطرح من قبل المجتمعات والدول العربية هو ماذا تغير في حياة المواطنين نتيجة التنمية؟ فالمصنع الجديد والاستثمار الكبير وزيادة الصادرات أخبار وإنجازات مهمة، لكن الأسرة تريد أن تعرف أيضًا: هل تحسن دخلها؟ وهل اتسعت فرص أبنائها في عمل مجزٍ؟ وهل أصبحت الخدمات أفضل وأقل كلفة والمستقبل أكثر اطمئنانًا واقتصاد الدولة أكثر منعة؟ وإذا كانت متابعة النتائج تساعدنا على الإجابة عن مثل هذه الأسئلة، فإن الابتكار يضع أمامنا سؤالًا آخر: كيف نحقق هذا التحسن؟ فالتنمية ليست أرقامًا نحتفل بها، والابتكار ليس أجهزة نعرضها، وإنما زيادة القدرة على جعل حياة الناس أفضل.
كتب (Dhanjay Jhurry) في أكتوبر الماضي تصورا حول الابتكار وقال فيه: »قد نتصور الابتكار مختبرًا متقدمًا أو اختراعًا معقدًا. لكنه قد يكون أيضًا طريقة جديدة لإنجاز معاملة، أو خدمة محسنة، أو أسلوب عمل يوفر الوقت والموارد«.
وهذا قريب من تعريف «دليل أوسلو»، الذي يشترط أن يدخل المنتج أو الأسلوب الجديد أو المحسن الاستخدام، لا أن يبقى فكرة على الورق. ومع ذلك، لا يكفي أن يكون الشيء جديدًا؛ بل علينا أن نختبر فائدته ومردوده على المواطن والمجتمع، فهل اختصر انتظار المواطن لفرص العمل أو السكن؟ وهل خفض تكلفة السلع والخدمات؟ ومن استطاع الانتفاع به؟ فكون الأمر جديدا هو بداية السؤال وليس الاجابة عن نجاح التنمية.
ولإنتاج هذه الحلول باستمرار، لا يكفي انتظار شخص موهوب. نحتاج إلى مجتمع يألف السؤال: لماذا نفعل هذا؟ وهل توجد طريقة أفضل؟ وهذا هو التفكير النقدي في معناه البسيط: ألا نقبل جوابًا لمجرد أنه مألوف، بل نفحص أسبابه وأدلته ونستمع إلى بدائله وندرك اقتراضاته.
والحوار هنا ليس خلافًا لمجرد الخلاف، وإنما تعاون للوصول إلى فهم أفضل. تبدأ هذه الثقافة المجتمعية بالتشكل حين يجد الطفل من يستمع إلى سؤاله، والطالب من يناقش فكرته، وحين تُراجع التجربة غير الناجحة لمعرفة ما يمكن تحسينه. فالخطأ الذي نفهمه قد يساعدنا في المحاولة والنجاح مستقبلا.
وهذه الفكرة والأسلوب التنموي يتناوله جويل موكير في كتابه «ثقافة النمو»، يناقش فيه كيف ساعد تداول المعرفة وتنافس الأفكار والاستعداد للبحث في تهيئة النمو الحديث. كما وجدت دراسة أخرى شملت 102 إقليم أوروبي، نتائج تدعم صلة بين رأس المال الاجتماعي والابتكار والنمو. والمقصود برأس المال الاجتماعي هنا ما تتيحه علاقات الناس وروابطهم من تعاون وتبادل للمعرفة وثقة مجتمعية تدعم وتساعد في العمل الجماعي. أي إن البيئة المحيطة بالمبتكر مهمة، حيث إنها تحدد مع مَن يتعاون؟ وكيف تصل إليه الخبرة؟ وهل يجد من يشاركه اختبار الفكرة وتطويرها؟
والثقة جزء من هذه البيئة. حيث يناقش ويلكنسون وبيكيت في كتابهما «The Spirit Level» علاقة عدم المساواة بالثقة والحياة المجتمعية. أما دراسة بيشوف وزملائه في أقاليم ألمانية فوجدت أن زيادة الثقة ارتبطت بفائدة أكبر للابتكار حيث كانت الثقة منخفضة، خصوصًا لدى المشروعات الصغيرة والمتوسطة. لذلك نحتاج في دولنا العربية الى دراسات تبين مدى الثقة المجتمعية وكيف تساعد على التعاون، مع إبقاء باب السؤال والمراجعة مفتوحًا؛ فالثقة بالناس لا تعني أن تصبح أفكارهم فوق الفحص.
وتعطي دراسة أودريتش وزملائه إشارة أخرى. فقد بحثت بيانات 157 دولة، ووجدت علاقة إيجابية بين حرية البحث الأكاديمي والابتكار المقاس بطلبات براءات الاختراع والاستشهادات بها. وهذا يدعم أهمية ترك مساحة للبحث وتبادل الأفكار. لكن إنتاج التقنية شيء، ووصول فائدتها إلى المواطنين شيء آخر.
وفي كتاب «القوة والتقدم»، يناقش أوغلو وجونسون (2023) دور القاعدة الفكرية والخيارات والمؤسسات وتوزيع القوة في تحديد اتجاه التكنولوجيا ومَن ينتفع بها. أي إن الانتفاع بمردود التكنولوجيا والتنمية قرار سياسي ومجتمعي وليس نتيجة تلقائية تحدث مع التطور التكنولوجي. لذلك يبقى السؤال عن فرص العمل والدخل والخدمات حاضرًا، حتى عندما تتقدم التقنيات ويرتفع عدد الاختراعات.
ومن المهم ألا نحمل هذه الدراسات أكثر مما تقول. فهي تبحث الثقة وحرية البحث، لا التفكير النقدي في المجتمع كله. كما علينا أن ندرك أن ظهور عاملين معًا لا يعني بالضرورة أن أحدهما سبب الآخر؛ فقد يؤثر التعليم والتمويل وجودة المؤسسات فيهما. كما أن براءة الاختراع لا تخبرنا وحدها هل تحسنت حياة الأسرة، والتفسير التاريخي ليس تجربة معاصرة. ولا تثبت هذه المصادر سلسلة محسومة تبدأ بالمساواة وتنتهي بالابتكار، ولا تضمن النتائج نفسها في البيئة العربية. لكنها تقدم أسبابًا جدية للاهتمام بالانفتاح والتعاون، واختبار أثرهما بدلا من الاكتفاء بالشعارات. وقد يكون من المناسب إجراء دراسة هذه العلاقة والتأثير في المجتمع العربي.
ماذا نفعل عربيًّا؟ علينا أن نبدأ من المدرسة، بتعليم الفهم والسؤال والتجريب، لا الحفظ وحده، ومن الجامعة بربط البحث بمشكلات المجتمع. ونفتح في الأسرة والإعلام والمؤسسات مجالًا للحوار واحترام النقاش وأهمية توفر الدليل. يحتاج ذلك إلى قواعد واضحة، وتمويل بحثي مستقر، وشفافية تسمح بمعرفة النتائج ومراجعة السياسات، وفرص للمشروعات الجديدة كي تختبر حلولها. فالانفتاح لا يغني عن توفر التمويل والمهارات والمؤسسات، لكنه قد يساعد على استخدامها بصورة أفضل. كما ينبغي أن تبني الشراكات مع الدول المتقدمة قدرتنا على التطوير، لا أن تقتصر على استيراد الأجهزة والخبرات.
هل هذا ممكن؟ نعم إذا تعاملنا معه بوعي وبشكل متدرجً، وألا نعتبره وعدًا مضمون النتائج. فمثلا يمكن أن نختار مشكلة ما، مثل المياه أو التعليم أو الخدمات، ونحدد وضعها قبل التجربة، ونشرك المستفيدين في اختيار الحل، ثم نقيس الخيار الناجح ونراجع المتعثر. سوف تختلف ظروف الدول، لكن يمكن لكل منها أن تبدأ من حاجة واضحة وقدرة متاحة. وحين يصبح السؤال والحوار وحل المشكلات عادة في التعلم والعمل، وليست حالات فردية نحتفل بها ثم ننساها، يصبح الابتكار أقرب إلى الناس. ما يعيدنا إلى سؤال التنمية: ماذا تغير في حياة المواطنين؟ فبهذا نحكم على النجاح.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك