العدد : ١٧٧٥٨ - الخميس ٠٥ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٨ - الخميس ٠٥ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا نحتاج إلى استئناف الدراسات اليهودية؟

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٥ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬اليهودية،‭ ‬ومن‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭ ‬معرفتنا‭ ‬بها؟‭ ‬رافقني‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬خلال‭ ‬محاضرة‭ ‬المفكر‭ ‬التونسي‭ ‬فوزي‭ ‬البدوي‭ ‬‮«‬في‭ ‬ضرورة‭ ‬استئناف‭ ‬الدراسات‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬حضرتُها‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬للثقافة‭ ‬والبحوث‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭. ‬فالموضوع‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬نقاشاتنا،‭ ‬لكن‭ ‬كثرة‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أننا‭ ‬ندرسه‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لفهمه‭.‬

تشمل‭ ‬الدراسات‭ ‬اليهودية‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬اليهودي‭ ‬ونصوصه،‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬الجماعات‭ ‬اليهودية‭ ‬وحياتها‭ ‬وأفكارها‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭. ‬ويتصل‭ ‬جانب‭ ‬منها‭ ‬بتاريخ‭ ‬مجتمعات‭ ‬عربية‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭ ‬يهود‭. ‬وهي‭ ‬موضوعات‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسياساتها،‭ ‬وإن‭ ‬تقاطعت‭ ‬معها‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭. ‬ومعرفة‭ ‬هذا‭ ‬الاتساع‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬المقصود‭ ‬بالدعوة‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬الدراسة،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬الأحداث‭ ‬السياسية‭.‬

ومن‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬انتباهي،‭ ‬حديث‭ ‬البدوي‭ ‬عن‭ ‬شحّ‭ ‬الدراسات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدراسات‭ ‬الأجنبية‭. ‬وجدتُ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬تفسيرًا‭ ‬لدعوته‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬البحث؛‭ ‬فهناك‭ ‬موضوع‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬كثيرًا،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬ما‭ ‬ننتجه‭ ‬من‭ ‬دراسات‭ ‬عنه‭ ‬محدودًا‭. ‬وهذا‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭: ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حدّ‭ ‬نشارك‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬معرفتنا‭ ‬به،‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬حدّ‭ ‬نعتمد‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يصلنا‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬الآخرين؟

استحضر‭ ‬المحاضر‭ ‬تجربة‭ ‬ابن‭ ‬حزم،‭ ‬العالم‭ ‬الأندلسي‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬الأديان‭ ‬وناقش‭ ‬نصوصها‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الفصل‭ ‬في‭ ‬الملل‭ ‬والأهواء‭ ‬والنحل‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬مقارنته‭ ‬بين‭ ‬نصوص‭ ‬من‭ ‬التوراة،‭ ‬ونقده‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬تناقضات‭ ‬بينها‭. ‬وتدفعنا‭ ‬تجربته‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مواصلة‭ ‬البحث‭ ‬اليوم،‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬في‭ ‬عصره،‭ ‬ومن‭ ‬وسائل‭ ‬تطورت‭ ‬بعده‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬النصوص‭ ‬والتاريخ‭.‬

وأثناء‭ ‬القراءة‭ ‬لإعداد‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬قرأتُ‭ ‬عن‭ ‬مخطوطات‭ ‬‮«‬جنيزة‭ ‬القاهرة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬حُفظت‭ ‬في‭ ‬مخزن‭ ‬بكنيس‭ ‬بن‭ ‬عزرا‭ ‬في‭ ‬الفسطاط،‭ ‬بالقاهرة‭ ‬القديمة‭. ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬محتوياتها‭ ‬على‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية؛‭ ‬فقد‭ ‬وُجدت‭ ‬بينها‭ ‬قوائم‭ ‬مشتريات‭ ‬تكشف‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬المعيشة‭ ‬آنذاك‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬هذه‭ ‬الأوراق،‭ ‬استطاع‭ ‬الباحثون‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وأعمالهم،‭ ‬وهي‭ ‬جوانب‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬كتب‭ ‬العقائد‭ ‬وحدها‭ ‬لمعرفتها‭.‬

كذلك‭ ‬تناول‭ ‬البدوي‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬اليهودية‭ ‬الحديثة‭. ‬وهنا‭ ‬يتضح‭ ‬سبب‭ ‬آخر‭ ‬للحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬جديدة؛‭ ‬فقراءة‭ ‬نص‭ ‬ديني‭ ‬قديم‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬وحدها‭ ‬كيف‭ ‬يُفهم‭ ‬اليوم،‭ ‬ولا‭ ‬مقدار‭ ‬الاختلاف‭ ‬حوله‭ ‬بين‭ ‬أتباعه‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬متابعة‭ ‬هذه‭ ‬الاختلافات،‭ ‬يسهل‭ ‬أن‭ ‬ننسب‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭ ‬رأيًا‭ ‬قرأناه‭ ‬لكاتب‭ ‬واحد،‭ ‬أو‭ ‬موقفًا‭ ‬تبنّاه‭ ‬تيار‭ ‬بعينه‭. ‬عندها‭ ‬تتحول‭ ‬معرفة‭ ‬جزئية‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬يشمل‭ ‬جماعات‭ ‬مختلفة‭.‬

وتحتاج‭ ‬مواصلة‭ ‬البحث‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬لغات‭ ‬المصادر،‭ ‬ومنها‭ ‬العبرية‭. ‬فالترجمات‭ ‬توسّع‭ ‬اطلاعنا،‭ ‬لكن‭ ‬الباحث‭ ‬المتخصص‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬الأصلي،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬معناه‭ ‬وسياقه‭. ‬وتتضح‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬يبني‭ ‬على‭ ‬عبارة‭ ‬واحدة‭ ‬استنتاجًا‭ ‬واسعًا؛‭ ‬فقد‭ ‬يتغير‭ ‬فهمها‭ ‬عندما‭ ‬يقرأها‭ ‬كاملة،‭ ‬ويعرف‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬كُتبت‭ ‬فيها‭.‬

حين‭ ‬يقرأ‭ ‬الباحث‭ ‬العربي‭ ‬المصادر‭ ‬بنفسه،‭ ‬يستطيع‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬أسئلة‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬اهتمامات‭ ‬مجتمعه،‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬تتناولها‭ ‬الكتب‭ ‬المترجمة‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬الباحث‭ ‬الأجنبي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يشغل‭ ‬القارئ‭ ‬العربي،‭ ‬وقد‭ ‬يقود‭ ‬اختلاف‭ ‬الأسئلة‭ ‬إلى‭ ‬جوانب‭ ‬لم‭ ‬تحظَ‭ ‬بالاهتمام‭ ‬نفسه‭. ‬لهذا‭ ‬تهمّ‭ ‬المشاركة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬فهي‭ ‬توسّع‭ ‬النقاش،‭ ‬وتضيف‭ ‬إليه‭ ‬أعمالًا‭ ‬يمكن‭ ‬فحصها‭ ‬والبناء‭ ‬عليها‭.‬

لكن‭ ‬البحث‭ ‬يواجه‭ ‬حساسية‭ ‬مفهومة‭. ‬فالقارئ‭ ‬العربي‭ ‬يحمل‭ ‬ألم‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ويتابع‭ ‬الاحتلال‭ ‬والتهجير‭ ‬وانتهاك‭ ‬الحقوق‭. ‬والباحث‭ ‬نفسه‭ ‬يعيش‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬ويتأثر‭ ‬به‭. ‬فكيف‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬إنصافه؟‭ ‬يُختبر‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬يواجه‭ ‬دليلًا‭ ‬يخالف‭ ‬استنتاجه‭: ‬هل‭ ‬يمنحه‭ ‬حقه‭ ‬من‭ ‬الفحص،‭ ‬أم‭ ‬يستبعده‭ ‬لأنه‭ ‬يربك‭ ‬تفسيره؟‭ ‬وتزداد‭ ‬الثقة‭ ‬بعمله‭ ‬حين‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حكمه،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬إثباته‭.‬

وفي‭ ‬تناول‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬تقوّي‭ ‬المعرفة‭ ‬الدقيقة‭ ‬توثيق‭ ‬الانتهاكات‭ ‬وتحديد‭ ‬المسؤوليات‭. ‬ومن‭ ‬مقتضياتها‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬اليهودية‭ ‬بوصفها‭ ‬دينًا،‭ ‬والصهيونية‭ ‬بوصفها‭ ‬حركة‭ ‬سياسية،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬بوصفها‭ ‬دولة‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬أفعالها‭ ‬وسياساتها‭. ‬وفهم‭ ‬الصلات‭ ‬بينها‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسة؛‭ ‬فالخلط‭ ‬يحجب‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬فعل‭ ‬محدد‭.‬

والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تقوية‭ ‬البحث‭ ‬العربي‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى‭ ‬أيضًا‭. ‬فكل‭ ‬موضوع‭ ‬نكتفي‭ ‬بتداول‭ ‬الآراء‭ ‬حوله،‭ ‬دون‭ ‬دراسته،‭ ‬تبقى‭ ‬معرفتنا‭ ‬به‭ ‬محدودة‭ ‬مهما‭ ‬كثر‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتصل‭ ‬العناية‭ ‬بالبحوث‭ ‬بتطوّر‭ ‬المجتمع؛‭ ‬إذ‭ ‬تساعدنا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬مشكلاتنا،‭ ‬واختبار‭ ‬الحلول‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬إجابات‭ ‬لم‭ ‬نتأكد‭ ‬من‭ ‬جدواها‭. ‬والدراسات‭ ‬اليهودية‭ ‬أحد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام،‭ ‬وقد‭ ‬أعادت‭ ‬المحاضرة‭ ‬طرحها‭ ‬أمامنا‭.‬

وهذا‭ ‬يعنيني‭ ‬ككاتبة‭ ‬أيضًا‭. ‬فقد‭ ‬أطمئن‭ ‬إلى‭ ‬معلومة‭ ‬لأنها‭ ‬توافق‭ ‬ما‭ ‬أعتقده،‭ ‬وأتوقف‭ ‬طويلًا‭ ‬أمام‭ ‬أخرى‭ ‬لأنها‭ ‬تخالفه‭. ‬لذلك‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬أعود‭ ‬إليها،‭ ‬وأفحص‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬أكتب‭. ‬ويزداد‭ ‬أثر‭ ‬البحث‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬نتائجه‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬بلغة‭ ‬واضحة،‭ ‬فيستطيع‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬ومناقشتها‭.‬

خرجتُ‭ ‬من‭ ‬الأمسية‭ ‬ولم‭ ‬أحمل‭ ‬معي‭ ‬جوابًا‭ ‬جاهزًا،‭ ‬إنما‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬بقي‭ ‬معي‭: ‬حين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬اليهودية،‭ ‬هل‭ ‬نتحدث‭ ‬عمّا‭ ‬قرأناه‭ ‬فعلًا،‭ ‬أم‭ ‬عمّا‭ ‬سمعناه؟‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬أيام‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬رفوفنا‭ ‬دراسات‭ ‬عربية‭ ‬تقرأ‭ ‬النصوص‭ ‬بلغاتها،‭ ‬وتضع‭ ‬أمامنا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬فحصه‭ ‬ومناقشته،‭ ‬فنختلف‭ ‬حينها‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬انطباع‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

‭ ‬rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭ ‬nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا