ما الذي نعرفه اليوم عن اليهودية، ومن أين جاءت معرفتنا بها؟ رافقني هذا السؤال خلال محاضرة المفكر التونسي فوزي البدوي «في ضرورة استئناف الدراسات اليهودية في العالم العربي»، التي حضرتُها في مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث أكتوبر الماضي. فالموضوع حاضر في نقاشاتنا، لكن كثرة الحديث عنه لا تعني أننا ندرسه بما يكفي لفهمه.
تشمل الدراسات اليهودية البحث في الدين اليهودي ونصوصه، وفي تاريخ الجماعات اليهودية وحياتها وأفكارها عبر العصور. ويتصل جانب منها بتاريخ مجتمعات عربية عاش فيها يهود. وهي موضوعات أوسع من دراسة إسرائيل وسياساتها، وإن تقاطعت معها بعض الأسئلة. ومعرفة هذا الاتساع تساعد على فهم المقصود بالدعوة إلى استئناف الدراسة، بعيدًا عن اختزالها في متابعة الأحداث السياسية.
ومن النقاط التي لفتت انتباهي، حديث البدوي عن شحّ الدراسات العربية في هذا المجال مقارنة بالدراسات الأجنبية. وجدتُ في هذه الملاحظة تفسيرًا لدعوته إلى استئناف البحث؛ فهناك موضوع نتحدث عنه كثيرًا، بينما يظل ما ننتجه من دراسات عنه محدودًا. وهذا يدفع إلى السؤال: إلى أي حدّ نشارك في بناء معرفتنا به، وإلى أي حدّ نعتمد على ما يصلنا من أعمال الآخرين؟
استحضر المحاضر تجربة ابن حزم، العالم الأندلسي الذي درس الأديان وناقش نصوصها في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل». ومن ذلك مقارنته بين نصوص من التوراة، ونقده ما اعتبره تناقضات بينها. وتدفعنا تجربته إلى التفكير في كيفية مواصلة البحث اليوم، بالاستفادة من مصادر لم تكن متاحة في عصره، ومن وسائل تطورت بعده في دراسة النصوص والتاريخ.
وأثناء القراءة لإعداد هذا المقال، قرأتُ عن مخطوطات «جنيزة القاهرة»، التي حُفظت في مخزن بكنيس بن عزرا في الفسطاط، بالقاهرة القديمة. لم تقتصر محتوياتها على النصوص الدينية؛ فقد وُجدت بينها قوائم مشتريات تكشف جانبًا من تفاصيل المعيشة آنذاك. ومن خلال دراسة هذه الأوراق، استطاع الباحثون الاقتراب من حياة الناس وأعمالهم، وهي جوانب لا تكفي كتب العقائد وحدها لمعرفتها.
كذلك تناول البدوي التحولات التي شهدتها اليهودية الحديثة. وهنا يتضح سبب آخر للحاجة إلى دراسات جديدة؛ فقراءة نص ديني قديم لا تكشف وحدها كيف يُفهم اليوم، ولا مقدار الاختلاف حوله بين أتباعه. ومن دون متابعة هذه الاختلافات، يسهل أن ننسب إلى الجميع رأيًا قرأناه لكاتب واحد، أو موقفًا تبنّاه تيار بعينه. عندها تتحول معرفة جزئية إلى حكم يشمل جماعات مختلفة.
وتحتاج مواصلة البحث إلى معرفة لغات المصادر، ومنها العبرية. فالترجمات توسّع اطلاعنا، لكن الباحث المتخصص يحتاج إلى الرجوع إلى النص الأصلي، والتحقق من معناه وسياقه. وتتضح أهمية ذلك حين يبني على عبارة واحدة استنتاجًا واسعًا؛ فقد يتغير فهمها عندما يقرأها كاملة، ويعرف الظروف التي كُتبت فيها.
حين يقرأ الباحث العربي المصادر بنفسه، يستطيع البحث في أسئلة تنبع من اهتمامات مجتمعه، دون انتظار أن تتناولها الكتب المترجمة. فليس كل ما يهم الباحث الأجنبي هو ما يشغل القارئ العربي، وقد يقود اختلاف الأسئلة إلى جوانب لم تحظَ بالاهتمام نفسه. لهذا تهمّ المشاركة العربية في هذا المجال؛ فهي توسّع النقاش، وتضيف إليه أعمالًا يمكن فحصها والبناء عليها.
لكن البحث يواجه حساسية مفهومة. فالقارئ العربي يحمل ألم القضية الفلسطينية، ويتابع الاحتلال والتهجير وانتهاك الحقوق. والباحث نفسه يعيش هذا الواقع ويتأثر به. فكيف يحافظ على إنصافه؟ يُختبر ذلك عندما يواجه دليلًا يخالف استنتاجه: هل يمنحه حقه من الفحص، أم يستبعده لأنه يربك تفسيره؟ وتزداد الثقة بعمله حين يوضح كيف وصل إلى حكمه، وما الذي لم يستطع إثباته.
وفي تناول القضية الفلسطينية، تقوّي المعرفة الدقيقة توثيق الانتهاكات وتحديد المسؤوليات. ومن مقتضياتها التمييز بين اليهودية بوصفها دينًا، والصهيونية بوصفها حركة سياسية، وإسرائيل بوصفها دولة مسؤولة عن أفعالها وسياساتها. وفهم الصلات بينها يحتاج إلى دراسة؛ فالخلط يحجب التفاصيل التي تساعد على معرفة من يتحمل مسؤولية فعل محدد.
والحاجة إلى تقوية البحث العربي تمتد إلى مجالات أخرى أيضًا. فكل موضوع نكتفي بتداول الآراء حوله، دون دراسته، تبقى معرفتنا به محدودة مهما كثر الحديث عنه. ومن هنا تتصل العناية بالبحوث بتطوّر المجتمع؛ إذ تساعدنا على فهم مشكلاتنا، واختبار الحلول بدلا من تكرار إجابات لم نتأكد من جدواها. والدراسات اليهودية أحد المجالات التي تستحق هذا الاهتمام، وقد أعادت المحاضرة طرحها أمامنا.
وهذا يعنيني ككاتبة أيضًا. فقد أطمئن إلى معلومة لأنها توافق ما أعتقده، وأتوقف طويلًا أمام أخرى لأنها تخالفه. لذلك أحتاج إلى دراسات أعود إليها، وأفحص بها ما أكتب. ويزداد أثر البحث عندما تصل نتائجه إلى القارئ بلغة واضحة، فيستطيع الاستفادة منها ومناقشتها.
خرجتُ من الأمسية ولم أحمل معي جوابًا جاهزًا، إنما هناك سؤال بقي معي: حين نتحدث عن اليهودية، هل نتحدث عمّا قرأناه فعلًا، أم عمّا سمعناه؟ وأتمنى أن تأتي أيام نجد فيها على رفوفنا دراسات عربية تقرأ النصوص بلغاتها، وتضع أمامنا ما يمكن فحصه ومناقشته، فنختلف حينها على معرفة لا على انطباع.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك